تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


نحو ثورة اجتماعية


حميد المطبعي

- لا تقوم قيامة أمة من الأمم، إلا حين تخط طلائع هذه الأمة التصميم الأولي لثورة اجتماعية على النظم والبنى الموروثة المتداعية، ونقصد بطلائع الأمة كل مَن يزرع ضوءاً على المسافات الطويلة، وكل مَن يسعى الى حركة التطور، 


وتبديل سنن المجتمع الهاوية ، وكل مَن ناضل لكتابة تاريخ جديد لهذه الأمة، وهذه الثورة التي نطمح لها هي ثورة شاملة، كلية الأهداف، والمرامي الأفقية بعيدة المدى، وفي كل مرفق من مرافق الحياة، حتى تنهي تاريخ الخرافة ، التاريخ الملطخ بالدم الفاسد.

2- فالعراق بأمس الحاجة الى هذه الثورة ، لأن تاريخه بني على معادلات خاطئة في أية زاوية من زواياه ، فأولاً نبدأ في هذه الثورة بتصحيح المعادلة القومية بأن نكرّم ونكرس التاريخ المشرق لأية قومية توارثت شخصيتها عبر قرون بعيدة ، وثانياً نصحح معادلة الأديان بأن نحيي تراث كل دين وجد في العراق التاريخي، وان نمنحه الحرية بالاحتفال بطقوسه وتقاليده الطقسية ، وثالثاً أن نثبت في دستور الدولة ان الأصل في الولاء للوطن هو الإنسان المواطن جوهره وعمقه، وليست خلفيته الأثنية، وهذا التصحيح في بناء الوحدة العراقية القائم على الحرية والشمولية هو المفتاح الحيوي لحل العقد التاريخية التي تحكمت بتأريخ الأمة، والقانون الرئيسي من هذه الثورة الاجتماعية ينطلق ابتداءً من قلع الأسس المتخلفة في الأبنية الفوقية ، وإذا تهيأ انصهار هذا القانون بالمعطى التطوري تهيأ لنا أن نشهد انهيار البنى التحتية للمجتمع القديم.

وحين يتعانق تاريخ جديد لهذا المعطى مع حلم رجال اليقظة أو طلائع الأمة نكون قد أسهمنا بتثوير الإنسان المستقبلي، وهو نتاج حركة التصادم التاريخي بين تاريخ مترهل، وتاريخ بدأ يتناسل جدلياً على بوابة الصراع المرتقب الجديد!. 

3- وأهم عناصر هذا الصراع المرتجى هو كيف نوتّر حركة التغيير في الإنسان ، وكيف نجعله يتآخى مع الثورة الدائمة ، وكيف نصنع فيه مخلوقاً متطلعاً حالماً مشاركاً بطبع بصماته الثورية على قوانين الثورة الاجتماعية الدائمة.

 والإنسان هو مادة الصيرورة التاريخية، فإن لم يكن في مقدمة اللائحة في هذه الثورة، فإن الحلم بهذه الثورة سيبقى مجرد حلم ورقي أو حلم طوباوي، ومن عناصر تثوير الإنسان جعله يبتكر الحرية ليعيش خارج الايدولوجيا، ويحقق دستوريته خارج حركة وتاريخ الايدولوجيا ، لأن الإنسان (الإيديولوجي) إنسان محنط، لا يعيش المستقبل في باطنه الفكري، إنما يتعامل معه على أساس زمانيته الجامدة، ولذلك سقطت ثورات كبيرة على طريق مسيرتها التاريخية لأنها أرادت ان تحول ثورتها الاجتماعية الى ثورة إيديولوجية يجتر فيها الإنسان الإيديولوجي فكره وحلمه اجتراراً!. 

4- ان الثورة الاجتماعية لا تخاطب او تستهدف إنسانا بعينه ، أو جماعة وطبقة بذاتها.. إنما هي خطاب مفتوح لكل من يبدأ بتطهير نفسه بنفسه، يبدأ الإقطاعي بالتنازل بقسط من ملكيته للفقراء من الفلاحين والجياع، ثم يبدأ المفكر بالنزول الى الميدان لتغيير نظراته الى حركة المجتمع في حركة الواقع، ويقرر أي الطبقات تصبح لصيقة بالثورة الاجتماعية ، ثم يبدأ الأديب، والقانوني، والدستوري، والديمقراطي، واليساري بإعادة تقييمهم للتاريخية الآنية ، وانهم في تقييمهم الجديد سيسهمون بوضع الحركة التاريخية الجديدة على الطريق الحقيقي لبناء الإنسان المحدّث.. إنسان صناعة المستقبل المنشود!.

 ان المجتمع الجديد لا يُصنع في النظريات المنعزلة، ولا يبنى من خلال قراءة نظريات الكتب والمجلدات العقائدية ، إنما يُصنع المجتمع الحديث من خلال زخم الوعي الجمعي، حيث تقرره الطبقات كافة، وعناصر الرفد الحضاري قاطبة ، وحيث تقرره الحاجة التاريخية الديالكتيكية. 

5- ونصف هذه الثورة الاجتماعية (المطلوبة كلياً) ينبغي ان تُصنع في عقل المرأة، ليس لأن المرأة نصف المجتمع أو ثلاثة أرباعه، بل لأن المرأة على رأس قائمة الطبقات المظلومة في المجتمع، ومادة أي ثورة هي المظلومية، وفي طليعة هذه المظلومية : المرأة في حال أو على كل الأحوال، وفضلاً عن تراكم مظلوميتها، فهي تحلم اكثر مما يحلم به الرجل على طريق تحقيق المنجز التأريخي، فبإشراك المرأة في وجدانية الثورة والتخطيط لصنع معجزتها التأريخية نكون قد أسهمنا جميعاً بتصحيح معادلة المسار التاريخي والطبقي في المجتمع، أي اننا قد وضعنا المجتمع كله في حركة المتغير التأريخي!. 

6- وهذه الثورة أصبحت واجبة الوجوب، بتوفر عناصرها الموضوعية، وبوجود موادها الرئيسية في شرايين المجتمع.. فثمة بيئة مستحدثة في المجتمع تدعو الى الصراع الديمقراطي، وثمة بيئة أخرى تشجع على تبادل الرأي بين أطراف المجتمع، وبيئة ثالثة تلد الحرية بلا حاجب ، وهذه البيئات مجتمعة تُنشط الوعي الجمعي، وتحفز العقل الجمعي على التفكير الحر والاختيار الحر، وكل ذلك يشكل المحور الحيوي لصناعة الثورة الاجتماعية.

 ونريدها ثورة تطل على التاريخ بلا أعمدة أيديولوجية، وبلا مضامين مؤدلجة أو مصنوعة في دهاليز الفكر المتزمت المتحجر ، إنما نريدها تبشر بالآتي، وبكل شيء يحدّث الدولة والفرد والقانون.

وأهم عنصر في هذه الثورة ان الإنسان فيها حيث يختار حريته أو حيث يختار صناعة مصيره التأريخي.. وحيث يختار أن يحلم أو كيف يحلم!. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2