تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


زواج القاصرات.. بين الفقر والتقاليد العشائرية ومسوغات القانون الجعفري


بغداد/ عادل الصفار

عاد موضوع زواج القاصرات يتصدر المشهد، لا سيما بعد أن أصبح القانون الجعفري على مائدة مجلس النواب، إذ يبيح هذا القانون إذا ما شرع زواج الصغيرات بعمر التاسعة.وزواج القاصرات، كظاهرة، مرفوضة في العلن، لكنها مقبولة ومطبقة، ويدل على ذلك الإحصاءات بنسب الوفيات والمطلقات ممن أجبرن على دخول العش الزوجي صحبة ألعابهن.


 (نرجس) تفتح ملفها هذا العدد لإبراز الجوانب المخفية لهذا الموضوع، والتدقيق في أسبابه ومخاطره.

ويؤكد اجتماعيون ومثقفون وأطباء في أحاديث أدلوا بها لـ(نرجس) ان هذه الظاهرة هي نتاج للتخلف وعدم مراعاة القيمة الانسانية لفتاة يجب ان نوليها الرعاية والاهتمام لتكون مؤهلة لأداء مسؤولية قيادية مهمة في بناء الأسرة، هذا الدور المهم الذي تجاهلته التقاليد العشائرية، واضطهدته الحروب والبطالة وأزمة السكن منح الشمري مأساته صبغة قانونية. 

 

هربت بعد يومين!

وتقف الفنانة فاتن الربيعي بالضد من هذه الظاهرة، مؤكدة في حديث إلى (نرجس) أن «زواج الفتاة بهذا العمر يعني أنها ستكون أماً، والأمومة خبرة ومسؤولية تستوجب ان تكون البنت مؤهلة لها، فاذا كانت هي بحاجة لمن يوليها هذا الاهتمام فيكف ستتحمل هي مسؤوليته؟».

وتوضح أنها تعرضت شخصياً لهذه الحالة «حين تزوجت بعمر القصور وجدت نفسي أبكي بحرقة وألم من ثقل مسؤولية لا أقوى على حملها، وحينها لم أجد أمامي سوى الهرب بعد يومين من زواجي، وعدت الى بيت أهلي وأنا رافضة باصرار العودة ثانية برغم كل المحاولات حتى انتهت المسألة بطلاقي».

 

6 ضحايا في شهر واحد

وسجل شهر آذار الماضي ست حالات وفاة ونحو 200 حالة طلاق حصيلة لظاهرة «زواج القاصرات» في العراق، التي تكاد تكون القاتل الرابع في البلاد بعد التفجيرات والحوادث المرورية وأمراض السرطان.

وانتشرت ظاهرة زواج القاصرات بشكل أكبر بعد 2003، لا سيما بعد تعطيل الحاكم المدني قرارات متعلقة بفرض عقوبة السجن المؤبد على ولي الأمر والزوج في حالات زواج القاصرات، والتي اعتبرها القانون العراقي جريمة. 

وتقول منظمة حقوقية تعنى بشؤون المرأة في العراق أنها رصدت انتشار حالات زواج لفتيات دون سن الثانية عشرة في العراق تتركز معظمها في القرى بمناطق وسط وجنوب العراق.

 

تفاقم الأزمة

ويقول الاعلامي ثائر القيسي إن «هناك تداعيات كثيرة منها كون البنت ما تزال في مرحلة بعيدة عن النضوج في الوعي الانساني والاجتماعي والفسلجي، والأمر يتعلق  بواجبها كزوجة تجاه زوجها مما سيؤدي بالتأكيد لحصول أزمة بين الزوجين أولها عدم الانسجام في سلوكيات الحياة وبالتالي ستتفاقم الأزمة حتى تصل الى الطلاق بسبب عدم مقدرتها في التعامل مع حياتها الزوجية». 

 

موضوع شائك

وفي تعليق آخر قال الباحث ميسم السعدون إن «موضوع زواج القاصرات شائك ويحتاج لوقفة من علماء الدين والنفس والتربويين، فزواج القاصر له تداعيات كثيرة على المجتمع والأسرة بسبب عدم النضوج الفكري للفتاة وانعكاس ذلك في سلوكياتها داخل حياتها الأسرية، ثم هناك مخاطر صحية في حالة حملها فهل تستطيع تحمل فترة الحمل؟».

ويكمل تساؤلاته عبر (نرجس) بالقول «هل سيولد الطفل بصحة جيدة؟، هل تستطيع ان تمارس القاصر واجبها كأم كما ينبغي؟.. المرأة تمثل أهم دعائم الأسرة فاذا كانت غير مؤهلة سينتج عن ذلك تشوهات كثيرة للأسرة».

وطالب بـ»الاهتمام بالمجالات العلمية والتربوية ونشر الوعي الثقافي وتوفير فرص الحصول على التعليم بمستويات راقية، وضمان القضاء على الفجوة بين الجنسين في التعليم. وحشد الفتيات والفتيان والآباء والقادة لتغيير العادات الاجتماعية القديمة، وتعزيز حقوق الفتيات، وخلق الفرص لهن لمواصلة التعليم وفق إمكانياتهن. كما يجب تقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية والمهارات والفرص المناسبة لكسب سبل العيش. على أجهزة الدولة والمجتمع المدني دراسة  ومعالجة الأسباب الجذرية الكامنة وراء تزويج الأطفال».

 

أمراض نفسية

ويدور الحديث أيضاً عن أمراض نفسية قد تتعرض لها الفتاة القاصر عند زواجها، وهي غالباً ما تحدث نتيجة لعدم وعيها بالعلاقة الجنسية بينها وبين زوجها لصغر سنها وعدم إدراكها لمفهوم الزواج ومسؤولياته، وهذا ما أكده الدكتور جمال الزيدي في حديث لـ(نرجس).

ويضيف أن الفتاة القاصر «غالبا ما تتعرض للاكتئاب والتردد النفسي عندما تشعر بأنها خادمة في بيت الزوجية اثناء النهار، وعليها ان تؤدي واجبا جنسياً في الليل مما يجعلها إنسانة بلا طموح تعيش بلا مبالاة غير متقبلة للحياة»، مؤكدا ان هذه «الظاهرة متوارثة اجتماعياً في القرى والارياف».

 

زواج مستحيل

وتقول الفنانة الرائدة سمر محمد في معرض ردها على هذا الموضوع «لا استطيع ان اتخيل فتاة بعمر عشر سنوات ان تكون زوجة ومسؤولة عن أسرة، لا طبعاً هو أمر مستحيل جملة وتفصيلاً».

وتضيف «أذكر حالة حصلت مع ابنة خالتي التي تزوجت بعمر 12 سنة وانجبت بعمر 13 ثم طلقت وهي في حالة نفسية صعبة جداً مازالت تعاني منها منذ 25 سنة، وبرغم انها تزوجت للمرة الثانية لكن تبعات ذلك الضرر وآثاره لم تفارقها نفسياً واجتماعياً».

 

الحمل المبكر

ويرى أطباء وباحثون أن جسد المرأة لا يتقبل الزواج قبل عمر 17 سنة، لأن هناك مردودات سلبية في حالة الحمل تؤثر على الوضع الصحي بالنسبة لها ولجنينها، وقد يتسبب ذلك في موتها او موت الطفل، كما تؤكد الباحثة ابتسام لطيف.

وتصف لطيف هذا الزواج بـ»قمة التخلف»، مؤكدة أن «الزواج المبكر يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية، وخرقاً للمعاهدات والمواثيق الدولية التي وقع عليها العراق، فتزويج الصغيرات يعمل على انهاء فرص التعليم بالنسبة للفتاة تقريباً فلا تستطيع تهيئة نفسها كأم ومربية ناجحة لاطفالها، ثم انها ستكون جاهلة لحقوق اطفالها وحقوقها كأم، وهذا الأمر يرفع نسبة تعرضها للعنف».

ولهذه الاسباب ترى لطيف أنه «من الضروري منع تزويج القاصرات حماية لهن ولحقوقهن، وللحد من مخاطر العنف والحمل المبكر، والوفيات اثناء الولادة، وعندما تتمكن الفتيات من البقاء في المدرسة ويتجنبن الزواج المبكر، فإنهن يتمكن من وضع الأساس لبناء حياة أفضل لأنفسهن وأسرهن ويشاركن في تقدم بلدانهن».

ودعت «الحكومة مع الجهات المعنية في المجتمع المدني والمنظمات النسوية والمجتمع الدولي مدعوة لاتخاذ إجراءات عاجلة من أجل وضع حد لممارسة زواج القاصرات»، مشيرا إلى أنه «يجب سن التشريعات المناسبة لرفع الحد الأدنى لسن زواج الفتيات إلى 18 عاماً وتطبيقها وزيادة الوعي بأن تزويج الأطفال يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان المكفولة للفتيات دولياً».

 

جهل أولياء الامور

من جانبها، تؤكد الإعلامية اقبال نعمان ان «لهذا الزواج مآخذ كثيرة لكون المتزوجة طفلة وهي ماتزال في مرحلة النمو عاطفياً وجسدياً وثقافياً وحتى لو استمر زواجها لسنوات فربما تشعر بالندم من ارتباطها بزوج تكتشف انه لا يناسبها ويختلف معها بأمور كثيرة».

وتقول إن هذا الزواج قد «يؤدي الى تعاستها مما يدفعها لممارسة الحب خارج الحدود الزوجية لتعوض بذلك حرمانها من الرعاية والاهتمام وزجها في وقت مبكر جداً من حياتها بمسؤوليات تفوقها جسدياً ونفسياً وثقافياً».

وأشارت إلى أنها صادفت خلال دراستها الجامعية حالات كثيرة لطالبات متزوجات لكنهن ذهبن بعيداً في علاقات عاطفية مع الطلبة، والسبب هو ان «المتزوجين من صغار السن يصلون الى طريق مسدود قد ينتهي بالطلاق لعدم التوافق والتفاهم، فعلى المجتمع ان يوقف هذه الحالة التي اصبحت منتشرة بشكل مؤسف في المجتمع العراقي بسبب التخلف والجهل لأولياء الامور مما دفع بوجود جيل غير واع وغير مدرك لما يدور حوله».

وتشدد على أنه «من الضروري وجود توجه حكومي حقيقي للحد من المشكلات التي تنتج عن زواج القاصرات».. واضافت «كما ارى ضرورة توجيه الفتيات القاصرات اللاتي فشلن في حياتهن الزوجية وجعلهن في مراكز خاصة لإعادة تأهيلن نفسياً واجتماعياً بايجاد العلاج اللازم لحل مشاكلهن.. ولابد من نشر الوعي بخطورة زواج القاصرات وعقد ندوات تثقيفية للناس خاصة في القرى لأنها أكثر الأماكن التي ينتشر فيها هذا الزواج».

وتروي نعمان قصة حقيقية لصبي في الـ 13 من عمره تزوج من ابنة عمه البالغة من العمر 12 عاما بدافع الحفاظ على الارث الذي حصلت عليه بعد وفاة والديها وهو منزل ريفي صغير، والصبي يعمل في الزراعة ولم يدخل المدرسة اصلاً، وهناك المئات من القصص ولا توجد احصائيات رسمية يمكن الاستدلال من خلالها على عدد المتزوجين القاصرين.

 

روايات مختلف فيها

ومن وجهة نظر شرعية يؤكد الشيخ الدكتور إبراهيم «عدم الاستناد إلى ما ورد في بعض الروايات المختلف فيها كزواج الرسول (ص) من السيدة عائشة وعمرها تسع سنوات، لأن هناك روايات أخرى تؤكد أن سنها لم تكن أقل من 17 عاماً».

ويقول الدكتور أنه «يجب الأخذ بنظر الاعتبار اختلاف ظروف البيئة والظروف المناخية التي كانت تجعل الفتاة أكثر صحة وأسرع بلوغاً وأكثر خبرة بشؤون الحياة، لهذا فإن الحل من المنظور الشرعي هو اللجوء إلى الأطباء لتحديد مدى قدرة المرأة على تحمل متطلبات الزواج من الناحية الجسدية ونضج أعضائها التناسلية واستعدادها النفسي من خلال أسئلة يستشف منها ذلك».

ويوضح إبراهيم أن «هذا الحل نوع من الاستعانة بأهل الاختصاص، وقد أمرنا الشرع بذلك في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) آية 43 سورة النحل. وإذا فرط الطبيب أو الأب أو الزوج في ذلك يكون آثماً شرعاً، لأنه غير أمين ويجب ردعه.

وأكد أنه إذا «كانت الفتاة غير بالغة يعد زواجها إساءة بالغة إلى الإسلام وهو منها براء، كما إنه يعد نوعاً من التفريط في الأمانة وتطويع الشرع لتنفيذ رغبات البشر، مع أنه لا يوجد في التشريع الإسلامي ما يقر أي ضرر يقع على إنسان صغير».

 

صحيح لكن معصية!

لكن الشيخ سالم عبد الجليل يقول إن «الزواج يشترط ان يكون بوجود ولي وإيجاب وقبول وشهود وإشهار، فإن تحققت هذه الشروط تحقق الزواج، لذلك إذا توافر لزواج الفتاة القاصر هذه الشروط يعد زواجاً صحيحاً لا يفسد، ولكن مع وجود معصية وإثم لكون الزوجة قاصراً، وهناك ثلاثة أشخاص مسؤولون عن زواج الفتاة القاصر، المتقدم للزواج، والأب الذي يريد التخلص من عبء ابنته القاصر، ومن حضر لتقنين هذا الزواج سواء المأذون أو المحامي، والأطراف الثلاثة مخطئون».

 واكد عبد الجليل بالقول «سبق أن أشرفت على مؤسسة اجتماعية تقدم منحا للزواج، وكنت أرفض من يقدم شهادة تثبت أن الفتاة عمرها 18 عاماً في حين أنها ابنة 14 عاماً، لأن من يرتكب ذلك يعتبر آثماً ومخالفاً لحدود الشرع». وأضاف: إذا أعلنت الفتاة القاصر عدم موافقتها يرد النكاح، وقال الفقهاء قديماً إذا تم الزواج قبل بلوغ الفتاة، ثم بلغت فمن حقها إن لم تكن موافقة على هذا الزواج أن ترده، وأما إذا زوجها الولي سواء أبوها أو أخوها من دون موافقتها فمن حقها أن ترفض هذا الزواج أيضاً، فدور الأب في الزواج استشاري وناصح فقط وليس آمراً، وهو معلن عن رغبتها سواء بالموافقة أو الرفض أمام الآخرين ليس إلا، وإذا زوج الأب الفتاة بغير رضاها فالزواج باطل وعليها أن تلجأ للقضاء».

 

ضعف الإيمان

 ويقسم الشيخ أسباب هذا الزواج الى ثلاثة «وهي الفقر حيث يدفع الأب لتزويج ابنته التي كانت تشكل عبئاً عليه داخل الأسرة، والجهل أيضاً الذي يعميه عن المخاطر التي قد تتعرض لها ابنته في المستقبل، وكذلك الرغبة في سترة الفتاة بتزويجها في سن مبكرة، ولا يجوز قياس رأي الدين في زواج القاصرات بمقاييس قديمة عمرها 1400 عام».

ويكمل قائلاً إن «الفتاة تتزوج قديماً في عمر التسع سنوات، ولكن البناء الجسدي والبيئة التي نشأت فيها تختلف عن بنيتها وبيئتها في الوقت الحالي وكانت تلائم زواجها مبكراً، أما الآن فهناك تغيرات فسيولوجية طرأت على المرأة جعلتها غير قادرة على الزواج وتحمل المسؤولية في سن مبكرة، وأفتى بعض الفقهاء سابقاً في زواج القاصر بأن الولي من حقه تزويج ابنته القاصر، ولكن يحق لها رفض هذا الزواج عند البلوغ، كما أن هناك هاجساً يطارد الوالدين يتمثل في العنوسة، مما يجعلهم يشعرون بالخوف من أن تلقى ابنتهم هذا المصير، وهذا دليل على ضعف الإيمان لأن الزواج قدر ورزق بحت لا يملك المرء من تغييره شيئا، وعندما غاب هذا الإيمان عن الناس زادت نسبة زواج القاصرات. وأوضح: أرى أنه لابد من القيام بحملة توعية للمجتمع بمخاطر زواج القاصرات قبل التفكير في سن القانون وتفعيله، لابد من أن يشارك في حملات التوعية كل من رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وكذلك علماء اجتماع ورجال قانون.

 

اغتصاب باسم الزواج

وأوضحت المتخصصة في علم النفس الدكتورة كريمة عدي ان زواج القاصرات «اغتصاب يحاول البعض تقنينه دينياً تحت اسم الزواج لبنات مازالت قريناتهن في مرحلة التعليم الأساسي أو يلعبن في الشوارع، لهذا فهو يعد صدمة نفسية كبيرة جداً قد تدفع البنت إلى الانتحار نتيجة عدم درايتها بأمور الزواج، ولا تعرف معنى الاستمتاع لأنها لم تنضج نفسياً وجسدياً مما يجعل زوجها يقوم بمعاشرتها بالإجبار». 

 

عودة ظاهرة الرق

وقالت ايضاً «يخطئ من يعتقد أن ظاهرة الرق اختفت في العصر الحديث، فإذا كانت العبودية في الماضي تتم بشكل صريح عن طريق البيع والشراء، فإنها اليوم تتخذ أشكالاً أخرى، منها ما يطلق عليه زواج القاصرات الذي يتم من خلاله انتهاك حقوق المرأة بلا رحمة.

 وأكدت انه «لا بد من توفير التدابير الضرورية لحماية الضحايا وإعادة تأهيلهن ومساعدتهن وتبادل المعلومات وتضافر الجهود بين منظمات المجتمع المدني، ورسم سياسة إعلامية لإحاطة الناس بالظاهرة وأبعادها، وضرورة وجود قاعدة بيانات بالفتيات القاصرات، وتوفير الخطط الأمنية لمواجهة هذا النوع من الجرائم».

 

نسبة وفيات

وكشفت  الدكتورة النسائية ثريا تحسين عن حدوث أضرار صحية وجسدية ونفسية ناتجة عن زواج القاصر قائلة: أبرزها تمزق المهبل والأعضاء المجاورة له بسبب الجماع، واختناق الجنين في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية، إضافة الى حدوث القيء المستمر.

فيما تقول الدكتورة النسائية هند رعد: هناك مشكلات عديدة تنجم عن زواج القاصرات منها ما هو صحي كإصابة أبناء القاصرات بأمراض عديدة، إضافة إلى أن نسبة الوفيات في الأمهات القاصرات أعلى من الراشدات، كما يتسبب زواج القاصرات أيضاً في ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع لأجيال متوالية، لأن الأم القاصر غالباً ما تكون غير متعلمة. 

 

فتاوى تفاقم الأزمة

وحذرت الدكتورة هالة البغدادي من فتاوى باسم الدين تسوغ وتبيح للبنت الزواج في سن صغيرة تصل إلى عشر سنوات، وقالت: هي بالاساس مبررات لارتكاب هذه الجريمة باتخاذ الشرع غطاءً لها، وهذا يحتم على مؤسسات المجتمع وناشطي حقوق الإنسان ووسائل الإعلام ومناهج التعليم ومختلف الأدوات الثقافية إعلان الحرب على الزواج المبكر، وكذلك على المؤسسات الدينية التصدي لمثل هكذا فتاوى. 

 

قانون جائر

وفي غضون ذلك يقول الفنان التشكيلي قاسم السبتي: «من غريب الصدف الأمس التقيت باحدى الأخوات ومعها ابنتها بعمر 12 سنة وهي على وشك تزويجها، الحقيقة الأمر ادهشني كثيراً لا استطيع ان اتخيل طفلة بهذا العمر ان تتحمل مسؤولية زوج وبيت من دون ان تمر بخطوات الانفتاح على الحياة كالتعليم وفترة المراهقة، وقبل ذلك ان تشبع نفسها من اللعب والمرح». ويضيف «الغريب ان مجتمعنا مؤسس على اخطاء كثيرة، ولكن الأغرب ان يظهر من بين أولياء الأمر في سدة الحكم كوزير العدل يقدم لنا مشروعاً متخلفاً في عراق الحضارات والثقافات والأديان، وأوضح: ان هذه الزيجات ما هي الا مشروع لتحويل الطفلة البريئة الى قطة شوارع، ولاسباب كثيرة منها متطلبات الحياة ومتغيراتها مع عدم الوعي والقدر على التفاعل معها والتغلب عليها، قد يجد الزوج الصبي نفسه مضطراً للتطوع على الجيش او الشرطة لأجل المعيشة، ومن جانب آخر قد يكتشف الزوجان بأنهما لا يصلحان لبعضهما وخاصة بعد انهاء الرغبات الجنسية الآنية.

 

خارج عن دور التوصيف

وبدا الروائي طه حامد شبيب في غاية الاشمئزاز لظاهرة زواج الصغيرات، واصفاً اياه بأنها ليست في غاية البعد الانساني فحسب وانما حتى بالنسبة للكائنات الأخرى أزاء صغارها، معتبراً انه أمر خارج عن دور التوصيف.

وعن القانون الذي شرعه وزير العدل المنتهية ولايته والذي يبيح زواج القاصرات، قال «انه قانون قد شرعن من قبل اشخاص لا يعرفون الخجل ولا الحياء وليس لديهم أي شعور اصلاً، والا كيف يشرعنون لدمار كيان طفلة صغيرة».

وأوضح أن «الطبيعة وضعت الانسان في مراحل بيولوجية للتطور الجسماني والذهني لا يمكن خرقها وتجاهلها وتقديم مرحلة التزاوج على مراحل كثيرة يجب ان تمر بها البنت، فمن غير المعقول ان تكون مسؤولة عن بيت وزوج وطفل وهي ما تزال طفلة بحاجة للرعاية والحنان والتوجيه والاهتمام. واضاف: من وضع هذا القانون السيئ الصيت اعتقد انه انطلق من نزوة تاريخية في غاية القدم ولا نعرف مدى مصداقيتها وهل هي حقيقة أم لا، فليس من المعقول ان يتزوج شخص من طفلة بعمر تسع سنوات ماتزال متعلقة بألعابها وصديقاتها وتسليتها ومرحها ثم تتجه بشوق لاحضان أمها لتشعر بالحنان والأمان ولتأنس بالكلام معها، مستدركاً: بالتأكيد زواجها بهذا العمر سيعرضها للاضرار بيولوجية جسدية ونفسية تنعكس بشكل سلبي نتيجة تعرضها لأسوء حالة اضطهاد، بدوري اشد على يد كل من يتصدى لهذا القانون السيء.

ومن جانبه قال الفنان التشكيلي سلام العبيدي ان «زواج القاصرات حالة مستهجنة جداً وما هي الا اضافة كارثة جديدة الى سلسلة الكوارث السابقة التي نعيشها ونعاني آثارها. موضحاً: انه شبح اللا عدالة هذه المرة يخيم على الزهور الجميلة نافذاً سمومه بين ألوانها وجمال براءتها، انهم يسحقون الزهور بهذا القانون المجحف».

 

بين الأمس البعيد واليوم

وترى التربوية خديجة علي، وهي مديرة مدرسة نجيب باشا، أنه «لا يمكن لنا مطلقاً ان نقيس البنت في هذا الزمن على ما كانت عليه قبل عقود، فكيف لو ارجعناها الى قبل 1400 سنة». وأوضحت: أولاً البنية الجسدية للبنت من ناحية القوة والنشاط والحيوية والقدرة العالية على التحمل ومواجهة صعاب ربما كانت من التوافه في ذلك الزمن بالنسبة لها، أما بالنسبة للبنت الآن فهي من المعضلات.. ولو اخذناها من الناحية الثقافية فالبنت كانت تنشأ على قيم أدبية وأخلاقية خارقة اذا ما تم قياسها بالبنت الجامعية الآن، فكيف اذا كانت متوسطة او ابتدائية. وأضافت: كانت البنت بعمر عشر سنوات تنظم الشعر وتلقيه ببلاغة وفصاحة، وتعرف ما معنى انها بنت وماذا تعني لأسرتها وقومها، أما اليوم فالطبيعة اختلفت تماماً وصارت تعاني من ضعف شديد انعكس على البنية الجسدية، مبينة أن «البنت القاصر لم يعد جسدها يتحمل الزواج والحمل والولادة، ولو حصل ذلك يسبب لها ولجنينها مضاعفات قد تكون خطرة، ومن ناحية الوعي والثقافة اعتقد انها ستكون متعبة جداً في تمردها وعدم طاعتها لزوجها واحترامه مما يولد اسرة مفككة».

فيما قال مدرس اللغة العربية في ثانوية الرحمة صالح آدم ان «سنوات البلوغ تختلف من مكان لآخر»، موضحاً انه في المناطق الحارة مثل الجزيرة العربية يمكن للبنت ان تصل الى مرحلة النضوج الجسدي أسرع من غيرها التي تعيش في أوربا مثلاً او في المناطق الباردة، اما من جهة العقل والوعي فأننا اليوم نرى شبابنا يصل به العمر الى 16 سنة او اكثر هو لا يعرف ما ينفعه او يضره وبحاجة الى ولي يلاحظه ويوجهه في اقواله وافعاله، فكيف يكون مسؤولاً عن زوجة وبيت واطفال، ولربما لأتفه الأسباب يغضب ويطلق فكيف سيتم التعامل مع حالة كهذه وما هو مصير البنت القاصر التي تزوجها وكيف اذا ما كانت حاملاً او لديها طفل.. وأضاف: اما من ناحية البنت فبغض النظر عن الجوانب الجسدية والنفسية هناك الجانب العلمي وهو مهم جداً لبناء حياتها الأسرية. ومن جانب آخر التحصيل الدراسي والتعيين الوظيفي للبنت يحميها من زوج لا يقدر ولا يحترم او ربما يكون عاطلاً عن العمل.

 

حكاية واقعية

وأكد القاص سامي المطيري ازياد ظاهرة زواج القاصرات خلال السنوات الأخيرة مركزاً على حالة مهمة لم يتم التطرق اليها خلال الاجابات وهي الامراض النفسية والعقلية التي قد لا تبدو ظاهرة على الصبي او البنت لكونهما خارج ضغوظ المسؤولية، ثم تأخذ بالظهور تدريجياً. موضحاً: ان هناك حالة حصلت معي شخصياً بعد ان اعطيت موافقتي بزواج بنت قاصر من اقاربي تبنيتها بعد وفاة والدها، وقد اقترح المقربون ذلك واقنعوني بان الشاب بمستوى عمرها ويمكن ان تعيش حياة ألفة تعوضها عن جوانب من الحرمان التي تشعر بها، وغير هذا الكلام. ولكن بعد زواجها شعرت اني ارتكبت خطأ وعرضت هذه البنت لمشكلات نتجت عن عدم الوعي والنضوج الفكري مما اعطى لأهل زوجها مسوغات كثيرة للتدخل في حياتهما ومعاملة البنت معاملة قاسية، وقد زاد من مأساتها هو انعكاس شعور زوجها الصبي بعدم استطاعته لتحمل مسؤوليتها بسبب بطالته عن العمل مما اظهر لديه حالة عداء مرضية، كان في طفولته يمارسها مع القطط يهاجمها بوحشية ويقتلها بأداة جارحة كالموس.. ومع زوجته لم يكتف بضربها وعضها بوحشية من المناطق الحساسة في جسدها بل صار يهاجمها بآلة الموس كما كان يفعل مع القطط، وأزاء هذه الحالة لم أجد بدلاً من طلاقها منه وضمها الى افراد اسرتي ثانية.

واخيراُ طرحنا سوآلاً على الطالبة بتول طارق وهي على وشك انهاء دراستها الجامعية: هل ترين ضرراً من زواج القاصرات، فقالت: منذ طفولتي وانا اسمع احاديث كثيرة تستهجن هذا النوع من الزواج وتصفه بالتخلف، وهذه الحالة تكثرة في مجتمعات القرى والأرياف والبادية وموجودة في عموم المجتمعات العشائرية، اما بالمدن المتحضرة فتمنع حدوثها أمور كثيرة من اهمها الانشغال بالدراسة وبناء المستقبل، فهناك طموحات واحلام تشغل مساحات الفكر ولا تترك مجالاً للتفكير بمسألة زواج، ومن يجرؤ على الحديث بهذه المسألة يكون موضع استهزاء وسخرية، وحتى قد يزجر من الكبار لكونه يتحدث بما لا يليق لشخص بعمره، ولكن للاسف فوجئنا بمشروع قانون يسوغ هذا النوع من الزواج.. واوضحت: وانا بدوري اعتبره قانوناً متخلفاً يتناقض حتى مع الاخلاق التي تربينا عليها.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2