تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


بدعة وفهيمة .. حكايات زواج لم يكتب له النجاح


وداد ابراهيم 

اذا ما تجولنا ما بين المحلات والبيوت التراثية التي تتناثر في عموم مناطق العراق سنكون امام قطع أثرية غاية في الجمال تنطق بصوت الماضي وتدعونا للتأمل والبحث عن حكايات من يعيش في هذه البيوت، وكيف يتكيف مع تطور الحياة وسط باحة او امام سرداب قديم، بيوت تلونت بألوان الطراز المعماري التراثي،


 حائط بلون الطبيعة وشرفة اعتلت غرف الطابق الثاني، وشناشيل يدخلها الضوء عنوة لينير حياة اناس بسطاء اتخذوا من باحة البيت مكانا للنوم، لتستقبل وجوههم ضوء النهار منذ لحظات بزوغه ليشقوا صمت الزقاق بالذهاب للعمل من اجل لقمة العيش.

 هذه البيوت التي تناثرت في مناطق بغداد مثل الكاظمية والصدرية والعلاوي وباب المعظم، والشواكة والرحمانية  وباب السيف  وازقة تناثرت على جانبي شارع الرشيد، مثل عكد الراهبات وغيرها من الازقة الضيقة والتي تميزت بأشكالها وهندستها وتخطيطها المعماري وكأنها جاءت استجابة لمقتضيات الحياة البغدادية وتقاليدها وطقوسها لتحافظ على الترابط الحيوي للعائلة العراقية وللمجتمع العراقي، ولتكون في تماس مع تاريخ الهندسة والتصميم والبناء العراقي الذي توافق وتلاءم مع حرارة تموز وبرد تشرين.

 

العوينات 

تجولنا في منطقة العوينات، التي تعد من أزقة بغداد القديمة، وقد التصقت بيوتها والتحمت في أزقة كثيرة، منها زقاق اتون والفنارة والسلال، الا ان كلها تتفيأ بظلال العوينات، المحلة الاكثر زحاما والأكثر اهمية بموقعها بين الصدرية وشارع الجمهوري.

زقاق ضيق توسطته مجرى لمياه آسنة تجري فيه بسرعة وكأن الصباح هو الاكثر حركة واغتسال للماء ليصب الماء في مجرى لتصريف المياه نهاية الزقاق،وكانت هذه البيوت القديمة قد اتخذت مساحة لا تتجاوز الخمسين متراً ان لم يكن اقل من ذلك كتبت على بعضها عبارة (كافي) وعبارة (البيت للبيع) فيما استدارت هذه الازقة بعفوية بناء وهندسة شكل مخلفة وراءها بناية حديثة الطراز الا وهي بناية امانة بغداد، هذه الازقة عرفت ومنذ سنوات بأنها قد ضمت عوائل عملت في بيع الخضار والسمك وبيع العجلات، لتكون شريحة واحدة اقتربت من خط الفقر.

 

بين الشيخوخة والوحدة 

فوجئت بترحيبها لي وهي تفتح الباب دون ان تعرف غايتي، ومن ثم التفت الى شقيقتها الأصغر سنا (الا انها عجوز تجر الخطى بظهر منحن وكأنها في ركوع دائم لقوة الدهر وبأسه وشدة وقعه على جسدها النحيل)، بأن تجلب لي كرسيا في باحة البيت، ثم بادرتني تريدين خياطة ثوب ام دشداشة، ابتسمت وقبل ان اتفوه بكلمة بادرت الشقيقة الاخرى والله توقفنا عن الخياطة، لكن قد اصف لك من يخيط لك ما تريدين، فاجبتها: لا هذا ولا ذاك، بل اريد ان انجز معكن حوارا صحفيا عن حياة المرأة في هذا السن دون ان يكون لها زوج وأولاد، فتنهدت الشقيقتان وجلست «بدعة» على دكة من الطابوق ، تؤدي الى غرفة وما ان اتكأت على الباب ودفعت بظهرها الى الخلف، اخترق ضوء من الباحة الى الغرفة الوحيدة في البيت حتى اتضحت معالم غرفة صغيرة وعلى جانب قريب من الباب ماكنة خياطة يدوية قديمة ويجانبها سرير مرتب وعليه قطع من القماش، فيما استغرقت شقيقتها فهيمة في صمت، وما هي الا لحظات وقالت: يقولون انه يوجد الان حزب المرأة او هناك من يسعى لتحسين وضع المرأة، هل هذا صحيح؟ اذن لماذا لم تطرق بابنا اي امرأة لتتفقد احوالنا، كيف نعيش ومن اين نصرف ونحن نعيش دون راتب او حتى إعانة ونحن في نهاية العمر، تضحك «بدعة» وتقول: نحن قويتان بما فيه الكفاية نعمل في خياطة الشراشف واحيانا الدشاديش او ملابس الاطفال ولا نحتاج لاي معونة،تمتمت (نعم تركنا الخياطة الان ولكن نحن قويتان).

 

ذكريات

اتخذت مكاني وسط باحة البيت القديم والذي اصطف بحميمية مع بيوت أخرى، واكملت بدعة الحديث معي عن الحياة التي تعيشها مع شقيقتها ومنذ ما يقارب الخمسين عاما دون عائلة:

لان لنا بيتا فنحن افضل بالنسبة للأخريات، وان كنا لم نتزوج إلا أن شقيقنا الاصغر يتفقد احوالنا بين يوم واخر، كما اني كنت اعمل في خياطة الشراشف، اما الان فصار عملي قليل جدا بسبب الشيخوخة واستطردت بدعة: كان هذا البيت، وقبل اكثر من خمسين عاما يضم عائلة كبيرة هم اخوتي وامي وابي، والدي كان يعمل في بيع الحنطة وفي سوق العوينات وفي حياة بسيطة كلها قناعة ورضا كنا نتعلم من والدتنا الخياطة، بالاخص خياطة الشراشف وكان البيت لا يخلو من الجيران والأهل والاقارب حتى وفاة والدي ووالدتي وزواج أشقائي، بقيت انا وشقيقتي نتقاسم الوحدة احيانا ادرك ان سبب وحدتي كوني لا أمتلك جمالا او مالا وبعد ان توفيت والدتي ووالدي طرق بابي رجل مسن يريد الزواج بي على ان يعيش معي وشقيقتي لكني رفضت، قلت قد اسبب المشاكل لشقيقتي الاصغر وحينها قد لا استطع الخلاص منه فرفضت بقناعة، اولاد اخي كانوا كأولادي يترددون علي الا ان الحياة شغلتهم بعد ان تزوجوا واصبحت لديهم عوائل ومسؤوليات، فما ان اخرج من وحدتي حتى اجد ان الحياة تعيدني اليها بسرعة.

 

رفضت الزواج

فيما قالت فهيمة: نعم لم نتزوج، أحيانا كنت أقول مادامت شقيقتي لم تتزوج وبقيت وحيدة فأنا لا أريد ان اتركها، وقد تكون هذه حجة لاقنع بها نفسي، لان من تقدم لخطبتي كان اما متزوج ولديه اولاد او كان يريد ان يعيش معي في البيت على ان يتردد علي في بيتي ويبقي على زوجته الأولى، فوجدت ان هناك من الرجال من يريد من المرأة ان تكون مجرد محطة للاستراحة او الهروب من اعباء حياته او مشاكله مع زوجته واولاده، وقد لا انكر اني لو كنت وحيدة اي لو كانت شقيقتي قد تزوجت لكنت قبلت بذلك حتى لا أسقط في بئر الوحدة المظلم، لكن ما كان يمنحني القوة لارفض هكذا زواج هو وجود شقيقتي معي في البيت، كنت اجد وجودها مصدر قوة لي، حتى تجاوزت الاربعين من العمر  بعدها لم يتقدم لخطبتنا اي رجل، فعشنا في قناعة كاملة ان المرأة بالإمكان ان تعيش بلا زواج ان كانت تمتلك ما يعينها على طوارق الحياة ومشاكلها، فأنا اجد اختي وكأنها عائلتي فهي تشد من ازري واشد من ازرها نتقاسم اللقمة والحديث والحكايات عن حياتنا في السابق واحيانا اقول لها لم تتزوجي لأنك لم تمتلكي مثل جمالي وقوتي فتضحك وتقول: انا امتلكت مهنة وحرفة فتقدم لخطبتي الكثيرون لكني رفضت ان اكون زوجة ثانية وذلك لان الرجل المتزوج هو من يعرف قيمة المرأة فيلجأ للزواج من اخرى وأخرى.

وتكمل فهيمة الحديث قائلة:  ولو كنا قد تزوجنا فأن اولادنا كانوا الان قد تزوجوا والمعروف ان الجيل الجديد يرفض العيش في هكذا بيوت، لذا فمن  المؤكد من اننا سنتقاسم الوحدة في بيت قديم يعود بناؤه لاكثر من قرن ان لم اكن قد ابالغ في ذلك. احيانا اقول مع نفسي نعم تزوجت وأنجبت وأولادي يعيشون في مناطق بعيدة، فالمعروف ان من يتزوج في هذه الازقة لايعيش في ذات البيت اولا كونه صغيرا جدا اضافة الى ذلك ان الشباب لايحب العيش في هذه الازقة القديمة، وما حدث لجارنا انه وبعد مرور شهرين من زواجه حصلت مشاكل كبيرة لضيق المكان فترك اهله واستأجر بيتا في مكان بعيد، وهذا الحال يجعلني اصدق بأني حتى لو تزوجت فأني الان اقاسي وحدة فلا مكان لحياة جديدة او مكان تغمره الشمس والهواء، لذا اشعر بأني حتى لو تزوجت لكنت لا التقي ابنائي الا في مناسبات قليلة بالاخص حين يطرق بابي احد اولاد شقيقي الاصغر في عيد الفطر او عيد الاضحى، فتضحك شقيقتي مني وتقول: تكذبين على نقسك وتصدقين كذبتك.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2