تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


نازك الملائكة ( 1923 _ 2007 )


سليم شريف 

اعترف النقاد والباحثون العرب وبالإجماع بأن لنازك الملائكة الدور الأول في تحديث وتطوير الشعر العربي – باختراعها ( الشعر الحر )، أو شعر التفعيلة، وسمي فيما بعد بالشعر الحديث الذي يقابل مصطلح ( الشعر العمودي )، أو شعر ( نظام الشطرين )،


  وقد سجلت لها هذه الريادة في 1947 وهي بلا شك ريادة تجديد القصيدة الإيقاعية. 

 

وأيضا هي رائدة في وضع وهندسة ( عروض الشعر الحر )، وكتبت عنه دراسات مستحدثة جديدة في كتابها الخاص بهذه الموضوعة في بداية ستينات القرن العشرين، فهي إذاً رائدة لأنها سبقت الآخرين في ابتكار الخط الجديد في داخل منظومة الشعر العربي وقامت ريادتها على فكرة ( التأسيس )، وفكرة إبداع تراث وضعته على طريق مستقبل الشعر العربي ..! هي لم تبدع من فراغ تاريخي، بل جاء انجازها وفقا لداخلها القلق المبدع، ولأنها أيضا عاشت في بيئة، وبيت ثقافي ممتلئ بالحيوية والحركة والعطاء الأدبي. فأبوها صادق الملائكة شاعر وله ديوان، وأمها شاعره أصدرت ( أنشودة الفجر )، وهي سلمى عبد الرزاق وتكنى بأم نزار ونزار هذا شاعر، أما أختها ( احسان ) فهي أديبة ثرة لها عدة مؤلفات .. وكان ضمن بيتها أخوالها : عبد الصاحب وجميل الملائكة، وهما شاعران يفيضان حسا ورقٌة، وكان الجدل اليومي عن ثقافة الشعر هو السائد بين أعضاء أسرتها الكريمة .. التي لها امتداد بشعراء البادية من أجدادها القدامى الذين ينتسبون إلى قبيلة ( لخم ) التي ينتسب لها ملوك العرب ومنهم الملك الشهير النعمان بن المنذر ..! وسكنت أسرة نازك في الكاظمية منذ زمن بعيد وفي بداياتهم لقبوا باللخمي، ثم القحطاني ثم الجلبي، أما لقب الملائكة فقد لحق بهم في أواخر العهد العثماني. والجيران هم الذين لقبوهم بهذا اللقب لأنهم في بيت لا صوت لهم ولا أحد يسمع منهم شيئا كما الملائكة تماما. ثم انتقلوا من الكاظمية إلى عدة مناطق وأخيرا سكنوا الكرادة الشرقية . 

وكان لأسرة نازك تقاليد متوارثة منها أنهم وضعوا لهم سجلا كبيرا يسجلون فيه يوميات أعضاء الأسرة وكأنهم أرادوا منه إن يوثقوا فيه يوميات أدبياتهم وإبداعاتهم، وكانت لنازك حصة الأسد في هذا السجل، ومن يومياتها فيه : قصتها في كتاب أول قصيدة من الشعر الحر سنة 1947 وتحمل عنوان ( الكوليرا )، وأصبح ذلك العام هو الذي أرخ فيه المؤرخون حركة الشعر الحر في الوطن العربي. والغريب أنها لم تتلق تشجيعا من والدها الشاعر وأمها الشاعرة وسمي شعرها الجديد ( بالشعر الجنوني )، والأسرة كلها سخرت من غرابة هذا الشعر الذي أبدعته، وكانت نازك تقابل هذه السخرية بابتسامة وتقول لهم: ( هذا الزمن لي وليس لكم ). وقرأت أول مقطع من شعرها الحر أمام أسرتها : ( طلع الفجر / أصغ إلى وقع خطى الماشين / في صمت الفجر , أصغ / أنظر ركب الباكينا / عشرة أصوات / عشرونا لا تحصى / أسمع صوت الطفل المسكين / الخ القصيدة .. إن نازك الملائكة عندما كتبت ( الكوليرا ) إنما هي قد استجابت لحركة الواقع العربي، حيث صورت في هذه القصيدة معاناة شعبنا في مصر العربية عندما انتشر فيها الوباء. وهي أيضا كانت تصدر عن ثقافة عميقة حديثة وقديمة فقد تخرجت في دار المعلمين العالية 1944. ولحبها للنغم انتسبت إلى معهد الفنون الجميلة قسم الموسيقى ( العزف على العود ) 1949، ثم درست اللغات الأوربية واللاتينية، ونالت الماجستير في الأدب المقارن من الجامعات الأمريكية 1959. وعادت وعينت أستاذا للآداب في بغداد والبصرة، وتخرجت عدة أجيال بين يديها وجميعهم أيقن أن الملائكة لم تكن معلما حسب أو محاضرا حسب، إنما كانت في عين الأجيال الجديدة تاريخا مؤثرا، رفيقا من الحرية المبدعة، أو روحا سامية وتحلق بهم عاليا عاليا ..! وأخرجت من دواوينها ( عاشقة الليل  1947 )، و ( شظايا ورماد  1949)، و ( قراءة الموجة 1957 ) و ( شجرة القمر 1968 ) و ( مأساة الحياة وأغنية للإنسان 1970 ) و ( للصلاة والثورة  1978 )، أما كتابها تحت عنوان ( قضايا الشعر المعاصر 1962 ) فقد لقي شهرة واسعة في مكتبات الوطن العربي، وترجم إلى بعض اللغات الأجنبية. ولها كتاب آخر تحت عنوان ( التجزيئية في المجتمع العربي 1970 ). وتبدو نازك في جميع مؤلفاتها وفي مجموع شعرها ذلك الطائر الذي يحن للتحليق فوق مشارف الوجود، وباحثة عن الآفاق البعيدة في ذلك الوجود. 

وابتعدت عن الحزبية والسياسة المقفلة لكنها كانت تدعو إلى تنشيط حركة القومية العربية باعتبارها جذر الحرية في أعماقها الرحبة. 

كانت رائدة حقا حين أسست مناخا لحرية وانطلاق الفكر من الأقبية، وكانت ريادتها تتعمق في النفوس والعقول كلما أبدعت الشيء المضاف، أو كلما دعت إلى غد جديد وفجر يطل قريبا ..! 

وكانت تراثا حيا لأنه من مزيج القديم الحي، والمعاصرة المفتوحة على رحابة العقل العربي،  كانت الجديد والأصالة والجدل المبدع ..! 

 

من مذكرات نازك الملائكة

معالجة قضايا المرأة في العصر الحديث

في الشارع عند عودتي إلى البيت لقيت النحات خالد الرحال، فسار معي حتى محطة الباص، ووقف حتى أقبلت الحافلة، يكلمني عن شظايا ورماد. قال إن قصيدة «مَرَّ القطار» تمثل له الدورة الدموية للحياة البشرية تمثيلاً دقيقاً، وانه أحب قصيدة «كبرياء». ثم قال انه منغمس في صنع تماثيل جديدة. أشعر إنني أريد أن أؤلف كتاباً فكرياً خالصاً أعالج فيه قضية المرأة في العصر الحديث، وتاريخها في العصور الماضية، وما أرجوه لها في المستقبل، وسبب رغبتي انني ألاحظ أن نظرية هامة قد تكونت في ذهني، وترسبت تفاصيلها ببطء طيلة السنوات الماضية، وانني خير من يستطيع الكلام حول الموضوع، لأنني احدى القليلات اللواتي يملكن من قوة الرغبة في حياة الفكر ما يجعلهن يحتملن التضحية بسعادة الحياة كلها من أجل الأدب، ولذلك استطعت ان أتفرغ للدراسة هذا التفرغ، وبذلك تهيأ لي سبيل الردّ على مهاجمات أعداء المرأة مثل توفيق الحكيم، وشوبنهاور، وزكي مبارك، وغيرهم.

 

من مذكراتها...

الفترة الثالثة: 1935 – 1939

كانت دروس اللغة العربية شديدة الامتاع لي ، وقد لقيتُ هذا العام اول مدرسة ادركت مواهبي ، وشدهت بثقافتي الواسعة التي لم يكن من الممكن مقارنتها بثقافة طالب الثانوية الذكي على الاطلاق . كانت المدرسة لبنانية ، عجوزاً غريبة الطباع ، واسعة الاطلاع ، اسمها «ماري عجمي»، وقد سبقتنا اليها شهرتها بانها اعظم مدرسة للغة العربية في الشرق كله . وانها مثقفة حقاً ، لا كسائر معلماتنا السابقات . الا انها حين قدمت الى المدرسة احدثت في انفس التلميذات رد فعل قبيح اكره ان اتذكره . 

ترامت الينا الانباء من الصفوف المجاورة اولاً ، بانها انسانة فظيعة ، جافة ، خشنة الصوت ، قصيرة القامة ، تتكلم بالفصحى وتلتزمها التزاماً مضحكاً يجعل التلميذات يواجهنها بالسخرية واستعدت تلميذات الصف الاول لاستقبالها استقبالاً يناسب هذه الاشياء .. ولكن شيئاً واحداً بقى يصحب اخبار السخرية ، وهو ان ماري عجمي عميقة ، عظيمة ، فاهمة . وكان هذا يهمني لانني لم اكن اصدق ان هناك معلمة تفهم اللغة العربية كما يجب . فانا اعلم ماذا يعاني المرء ليصل الى مثل هذه الثقافة وادرك ان المرأة العربية ما زالت في المرحلة الاولى من ثقافتها ولذلك لا يمكن..

وقد ملأني هذا كله تحدياً وكنت اشعر بثقافتي شعوراً لا مفر منه. فانا على مقعدي في الصف الخامس ، احمل في رأسي الجرجاوي وابن هشام والبغداديّ وابن قتيبة والجاحظ وابن رشيق ، وعلماً زاخراً بالادباء والشعراء من الجاهلية حتى هذا اليوم واحفظ الافاً من ابيات الشعر . وقد دارت هذه الثقافة برأسي دوراناً خطراً وانا استقبل مدرستنا ماري عجمي اول مرة.

وقد دخلت ملتفة بشال غليظ النسج وبادرتنا بصوت هاديء فيه خشونة: «طاب صباحكن.» ثم بدأت تتحدث عن ابن هائيء الاندلسيّ ، وتسألنا بين الحين والحين . واذكر انها راحت تشرح احدى قصائده ، فمرت بلفظٍ وشرحتهُ فنهضت وسألتها في لهجةٍ لم تخل من وقاحة ظاهرة ، الا ان قصدي كان بريئاً : «عفواً ، اذكر ان القاموس شرح معناها بكذا..» فقالت لي حالاً: «كلا .. ان معناها ما قلتُ كما يدل السياق «. فأعترضتُ وكنتُ مخطئة ، الا ان القاموس كان يسندني حقاً . ولم تكن ماري عجمي تعرف أي شيء عني طبعاً اذ ذاك ولذلك انهالت علي بكلام جارح معناه. «لقد غرك ان عندك قاموساً ياصغيرتي! وانا انصحك بألا تغتّري. فالمستوى في مدرستكم واطيء الى درجة لا يمكن ان تعرفيها، فلا داعي للغرور».. وقد كاد هذا الكلام يبكيني . انا مغرورة ؟ مستواي واطئ؟ آه لو عرفت! اتدري انني احفظ الجرجاوي كله؟

وجلست واجمة .. وقررت ان اتحداها ..وقد جاءت الفرصة في درس الادب وكانت المدّرسة تتحدث عن أحمد أمين وتثني عليه وكنت في تلك الايام اقرأ في الرسالة مقالات زكي مبارك المشهورة «جناية أحمد أمين على الادب العربي» ..فلاح على وجهي تحمس مكتوم ، وانفعال ورغبة في الكلام .. ولاحظتني هي وادركت انني اريد ان اتكلم فقالت بخشونتها الطبيعية التي لا تقصدها كما عرفنا فيما بعد : «انتِ .. يامن تناقشت حول كلمة جَيِد .. اتريدين ان تقولين شيئاً؟» وقد اثارتني باشارتها الى حادثة ابن هاني فنهضت وقلت لها: «انا لا اعد احمد امين عربياً ، ولا اديباً ، ولا لغوياً.» وقد شدهها جوابي واتسعت عيناها وقالت: «انت جريئة جداً في احكامكِ! كيف توصلت الى هذا الحكم؟» وبعد ان سألتني بضعة اسئلة ، اخبرتها انني افضل «زكي مبارك» على «أحمد أمين» وفي هذه اللحظة رن صوت الجرس وخرجت المدرسة مغضبة مني ثانية.. والحق انني كنتُ الوح «وقحة» رغم برائة قصدي. واظن احد العوامل المساعدة ضخامة احكامي ، فانا كلما تحدثت ذكرت كتاباً او نحوياً ، او حكمت على اديب كبير لا يمكن ان اطاوله من فوق رحلتي الصغيرة ، وكان هذا يضفي على كلامي مسحة التطاول خاصة والمدرسة لا تدري ان ثقافتي حقيقية لا محض ادعائات ارتبها بعناية لاضايقها واحرجها امام التلميذات.

وانفجرت المدرسة في الصباح التالي فما كادت تدخل وتبدأ الدرس حتى نظرت الى فجأة دونما داع وقالت : «نازك!.. اليس هذا هو اسمكِ» انهضي..انهضي وقفي امام الصف كله …» ونهضت متثاقلة ، مستغربة ، فلما واجهت الصف قالت: «لقد قلت امس ان احمد امين ليس عربياً ولا اديباً ولا لغوياً ..فهل لك ان تشرحي لنا سر هذا الحكم العبقري لنحكم عليك؟» وكانت المدرسة العزيزة حانقة لانها تحسبني قصدتُ مجادلتها والتظاهر بثقافة لا أملكها .. ولذلك انفجرت تعنفني امام الصف كله ، وتتحدث عن الغرور والتظاهر ، وتطلب اليّ الا اعارضها حين تتكلم ، وهكذا. وكان الموقف مؤلماً ، وقد راحت الزميلات يتململن فهن يعرفنني منذ سنين .

ولم افه بحرف ، وانما سكت سكوتاً تاماً ، وعزمت على ان احاول تسوية الموقف مع المدرسة خارج الصف. فلابد من التفاهم ، وليس لطيفاً ان تمضي في فكرتها المغلوطة عني ، فهي بأختصار تراني تلميذة مشاغبة .

ومرت ايام هادئة لم تعد ماري عجمي خلالها توجه الي كلاماً . وسكت انا سكوتاً تاماً ، حتى حان موعد امتحان مفاجيء ذات يوم فقد دخلت المدرسة وقالت : «اوراق واقلام. اريد ان اقيس ثقافتكن الذاتية … اكتبن عن محمد عبدة ..» وكان محمد عبدة مقرراً للمنهج هذا العام ، الا اننا لم نكن بعد قد استعددنا لامتحان فيه… وكنت انا اقرأ اذ ذاك مجلة «السياسة الاسبوعية» واملك اعداداً منها جمعها أبي وقد مررت فيها بعدد خاص عن محمد عبده وقرأته حديثاً ، فكتبت مقالاً مدهشاً في نصف ساعة بلغ طوله ست صفحات كان خطي فيها رديئاً لاستعجالي. فقد كانت المعلومات غزيرة في ذهني ، الى حد ضاق به الوقت . وكانت ماري عجمي تقف في اول الصف ترقب التلميذات وهن يائسات عن التذكر وقد اسلمن اوراقهن نصف فارغة بينما ابقيت انا ورقتي الى اللحظة الاخيرة .. وحملت المدرسة اوراقنا وخرجت وعندما دخلت في الصباح التالي حدث شيء مدهش. 

دخلت وكانت منفعلة جداً فما كادت تحيينا حتى قالت : «نازك . اريد ان اعتذر اليك .. لقد ظلمتك حتى الان ولم اكن اعلم انني امام تلميذة موهوبة حقاً.» ثم التفتت الى الصف وقالت:

« ان مستواها يدهشني. وقد ظننتها مدّعية في الاسبوع الماضي لضخامة احكامها ، وصعوبة المادة التي تستشهد بها … وهذه اول مرة آسف فيها على موقف اقفه من تلميذه متطاولة …» . وكان الصف كله مندهشاً ، صامتاً .

وقد اصيبت ماري عجمي بمرض عصبي فظيع قبيل امتحان نصف السنة ، ولزمت فراشها واصابها نوع من الهذيان المضطرب . وآلمني هذا ايلاماً شديداً فقد كنت احب هذه السيدة الكريمة النبيلة واحترمها احتراماً لا حد له ، واشعر تجاهها بالصغر والضآلة واود بأي اسلوب لو محوت ذكرى اسبوعي الاول معها يوم تحديتها وآذيتها. قررت ان ازورها في منزلنا بصحبة خمس صديقات لي ، وقد فعلنا جميعاً فاتجهنا الى مسكنها.

وما كدنا ندخل ، حتى تلقتني بحرارة وراحت تسالني عن سير قرائتي الا ان حديثها لم يخلُ من اضطراب ، فقد قالت لي انها تتنبأ لي بمستقبل ادبي رائع تثق فيه وتراني احمل بوادر عبقرية وان كنت لم اصنع بعد أي شيء. دعوت السماء ان تشفيها . وكأن دعواتي المختلفة قد استجيبت فبعد اسابيع حضرت ماري الى المدرسة لتودعنا ، والتقطت لنا صورة معها … كنا اربعاً وقد سألتها احدانا ان تتفضل بأخذ صورة تذكارية معنا فقالت : «اوافق.» وما زلت احتفظ بهذه الصورة العزيزة حتى الان.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2