تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


فنانون وأدباء لـ(نرجس): المسرح التجاري تهريج رخيص لن يدوم


عادل الصفار

فرّق مثقفون ومسرحيون وأدباء بين المسرح الجاد المحافظ، وبين ما يطلق عليه بشكل عام المسرح التجاري، لكنهم انتقدوا بشدة هذا الأخير، معتقدين أن «ما يقدمه هو التهريج والزعيق والألفاظ البذيئة ومشاهد الاثارة، وهي بمجملها لا تنتمي للفن وبعيدة عن الثقافة الشعبية».


بضاعات «البالة»!

وفي هذا الصدد، يقول الدكتور صلاح القصب «إن هناك فرقاً مسرحية تعمل ما بين التسميتين المسرح التجاري والشعبي الذي يعد حقلاً من حقول التواصل بين طبقات اجتماعية في وسط بيئي يؤسس لثقافة جمالية ترتقي بهذا النوع من الفن».

 ويضيف «أما مصطلح المسرح التجاري لا وجود له الا في بضاعات الجملة لمواد مستهلكة أشبه بالبالات التي نجدها في أسواق شعبية متعددة.. علينا ان نرتقي بالحس الشعبي وان نسحب كلمة تجاري الى شعبي، لأن ثقافة الشعوب راقية والموروث التاريخي له عبارة عن تراكمات من ثقافات فطرية متعددة انها اقرب الى الحس المتوارث». 

ورأى أن «ما يقدم على مسارح بغداد من أعمال شعبية بعيد عن أي ارتقاء يرفع درجات حرارة المجتمع، لأنها مازالت بدائية وليست بمعناها الشعبي للموروث المسرحي الذي يمتلك زخات مطر لذكريات الثقافة الشعبية». مشيرا الى أن «الكوميديا هي ارتقاء بمحيط الألم، هي فلسفة الألم، والضحكات التي تنتج عنها هي ارتعاشات ترفعها النفس كشعارات تحد لقسوة الحياة». واستدرك «لكن هناك مخرجون وفنانون ارتقوا بالنص الشعبي كالفنان يوسف العاني وطه سالم ومحسن العلي وحيدر منعثر». داعيا الى تأسيس «ورش فكرية وجمالية تتبناها وزارة الثقافة من خلال مؤسسة السينما والمسرح للارتقاء الى مسرح يخاطب الجمال.. فالمسرح الشعبي ليس مهزلة وسقوطا رثا يسخر من الانسان».

 

نماذج متقدمة

واختتم حديثه معرجا على المسرح الحالي بالقول «ان ما نراه اليوم هو الفراغ في تلك النماذج المتوزعة على قاعات تفتقر الى كل مقومات معنى المسرح.. فقد كانت فرقة المسرح الحديث واليوم والشعبي نماذج متقدمة للمسرح الشعبي كأعمال قاسم محمد وسامي عبد الحميد ومحسن العزاوي وآخرون.. المسرح الشعبي عبارة عن تشكيلة معادلة لموروث وثقافة الشعوب، تشتغل حلقاتها على رؤى تحاكي الأنسان لترتقي بذائقته الفكرية».

 

إنكار!

لكن الكاتب والمخرج عباس الخفاجي أنكر وجود مثل هكذا مسارح قائلا انه «لا يوجد مصطلح في العالم باسم مسرح التهريج، وانما تم اطلاق هذه التسمية على الاعمال التي تخرج عن ذائقة المتلقي ولا وجود لهذا المسرح اطلاقا في العراق».

 

التهريج ليس فناً

ويرى القاص حميد عمران الشريفي أن من الحياء ذكر مسرح التهريج ضمن الحركة الفنية العراقية باعتبار كلمة فن تطلق على التميز.

 ويقول: ان انتعاشه لا يعني انه اخذ مجالاً في الفن الراقي للمسرح.. اذ ان الفن يقاس على اعتبارات نص مسبوك ومنظم وجمهور متذوق يستفيد من كل مايقدمه المسرح ويبقى في الذاكرة لعقود من الزمن .. وليس حوارات مرتجلة تتضمن الاسفاف والاستهانة بالعقل او جلب مطرب او مطربة لا علاقة لهما بالربط بين سطور النص المسرحي.. فهو كوميديا تخريب لا كوميديا بناءة، والدليل ان جمهور ورواد مسرح التهريج محدود وبسيط وساذج واغلبه من غير المثقفين بثقافة المسرح ورسالته، اذ ان مسرح التهريج لا يخاطب العقول وانما يخاطب الغرائز والرغبات ولايمثل مرحلة كبرى او مرحلة حاضرة تدفعك الى المستقبل وانما هو يمثل مرحلة آنية حسب الدقائق التي عرضت بها ولافرق بينه وبين النكتة او المقلب العفوي الذي يجري خارج اطار المسرح وفي اماكن محدودة.

 

المسرح صناعة الجمال

جليل خزعل كاتب مختص في أدب الطفل وحاصل على جائزة النص من الهيئة العربية لمسرح الشارقة يقول: المسرح هو صناعة الجمال، وهو على الدوام صنو الرقي و الرفعة، والأناقة، والذوق السليم. وهو يتعارض بالتأكيد مع مظاهر القبح، والفوضى والتهريج..

عزا وجوده الى «دخول أشخاص طارئين على الوسط الفني، أشخاص متخلفين وغير متحضرين ، شجع على شيوع موجة التهريج، والقبح في المسرح العراقي في غفلة من الزمن ، وخاصة في سنوات الحصار الثقافي والاقتصادي حيث سادت الفوضى حياتنا الثقافية، وقد تأثر المسرح كثيراً بهذه الفوضى، فدخله الغجر ، والتجّار، والعاملون في الملاهي الليلية. وحجزوا لهم موطيء قدم في خارطة المسرح العراقي، 

واليوم ساعدت المؤسسة الرسمية -وزارة الثقافة التي جاءت بصيغة المحاصصة على شيوع هذه الظاهرة سواء عن قصد أو دون قصد فهي لم توفر البنية التحتية المناسبة التي يحتاجها الإنتاج المسرحي الحقيقي، فليس لدينا قاعة واحدة تصلح للعرض المسرحي باستثناء قاعة المسرح الوطني، وحتى هذه القاعة فهي بائسة اذا ما قورنت بقاعات المسارح الحديثة في الدول المجاورة، فهي تفتقر إلى أجهزة الإضاءة الحقيقية، واجهزة الصوت المتطورة، وهذا ما يجعل الأعمال المقدمة عليها غير متكاملة عادة. إن ضعف أداء المؤسسة المختصة بفن المسرح، وتوالي المدراء المتهمون بالفساد المالي والانحراف الاداري ،ساعد على التساهل في اجازة هذا النمط من الأعمال وشيوعه، حتى اصبح يشكل ظاهرة تهدد المسرح العراقي المعروف بانجازاته الرائعة.. المشكلة أن ظاهرة التهريج انتقلت إلى مسرح الطفل أيضاً. للأسف الشديد، بعضهم استسهل الأمر ، وصار يقدم أعمالاً هي أقرب للتهريج منها إلى المسرح، مستغلاً ميل الأطفال إلى الإيقاع والتصفيق وحب الرقص، والحركة. وهذا الأمر خطير جداً علينا الانتباه له، إن تجربة حضور الطفل إلى عرض مسرحي هي بحد ذاتها تجربة مميزة في حياته، فهي تحرره من الكثير من الضغوط، وتجعله يشعر بأهميته كإنسان، وترسخ انتماءه للمجتمع، واحترامه للذات، وتعمق وعيه بوجود مجتمع متنوع يدرك ملامحه بالتدريج من خلال مشاهدة العروض المسرحية، واكتسابه الخبرات المتنوعة من الأشخاص العاملين في المسرح، من مؤلفين ومخرجين وممثلين. 

فالمسرح هو مدرسة شاملة بحق تقدّم كل مايثير فضول الطفل، ويحلم به. فكيف إذا كان العرض مجرد تهريج، وصراخ وسخافات يقوم بها الممثلون أمامه بطريقة ساذجة، لا تحترم وعيه، ولا تنمي فيه التذوق الفني، وحب الاستطلاع الذي يتمتع به في هذه المرحلة العمرية من حياته. أعتقد جازما أن صدمة الطفل ستكون كبيرة، وهو يشاهد هذا النوع الهابط من عروض الفوضى والتهريج الذي يعتقد من يقدمها واهما أنها عروض مسرحية. 

 

حزن وألم

وفي غضون ذلك يذكر الكاتب حسين علي غالب قائلاً: كم شعرت بالحزن والأم يعتصر بداخلي عندما رأيت ممثل عراقي معروف ومن العيار الثقيل قد شارك بمسرحية تجارية، وظهر بدعاية للترويج للمسرحية على أحدى القنوات الفضائية التي تعرض الأغاني الهابطة.. المسرح التجاري بات له ثقل وتواجد على أرض الواقع خلال السنوات العشر الماضية، والبعض من المسرحيين والمثقفين يقلل من قيمة هذه العروض ويعتبرها ظاهرة سوف تتلاشى وتنتهي وتمر مرور الكرام، ولكنها ما زالت باقية ولها دعم مادي وإعلامي للأسف الشديد.. التاريخ المسرحي في العراق ليس بالمتواضع أو وليد الساعة فالمسرح عندنا عرف بالعروض الراقية المتزنة وبالتركيز المفرط على المسرحيات المأخوذة من التراث العالمي فالمصادر التاريخية تذكر أن مدينة الموصل قد شهدت بدايات النشاط المسرحي في العراق، وفيها طبع أول كتاب مسرحي عام ألف وثمانمائة وثلاثة وتسعين.. ان ما يمر به المسرح في العراق من ظروف تعصف به بشدة لا تتحمل دائرة السينما والمسرح مسؤوليته لوحدها بل وسائل الإعلام أيضا ونقابة الفنانين، واتحاد الأدباء والكتاب لأن المسرح هو خليط مشترك يضم كل هذه المكونات.. أنني أدعو إلى دعم المسرح ماديا وتوفير قاعات ومسارح لكي يستمتع بها الجمهور ولو ليوم واحد كل شهر بدلاً  من عروض مسرحية تجارية ليس فيها مضمون مفيد و تحتوي على فتيات يدعون أنهن ممثلات وفقط يعرضون أجسادهم المكتنزة على خشبة المسرح مصحوبة بنصوص ركيكة ونكات تافهة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2