تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أقوال فقهاء المذهب الجعفري تناقض مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد


هادي عزيز علي 

أحال مجلس الوزراء مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري الى مجلس النواب لغرض تشريعه. وقد اثار هذا المشروع ردود افعال كثيرة، وقوبل بحركة احتجاج ملموسة من قبل الناشطات في منظمات المجتمع المدني النسوية، 


باعتباره يتقاطع مع ما اكتسبته المرأة العراقية من حقوق في قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل، فضلا عن كونه لا ينسجم مع الحريات والحقوق الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الانسان المصادق عليها من قبل العراق التي اعتبرت جزء من تشريعه الوطني، ولا ينسجم مع الحقوق والحريات الواردة في دستور 2005. وفي موضوعنا الوجيز هذا سننأى عن مقارنة احكامه بالشرعة الدولية لحقوق الانسان أو قانون الأحوال الشخصية 188 لسنة 1959، ونكتفي ببعض أراء الفقهاء من المذهب الجعفري التي تتناقض مع احكام المشروع. كذلك لم نورد أراء العلماء في الحوزة  العلمية الشريفة حالياً دفعاً للحرج.

سن الزواج 

من خلال قراءة المواد 43. 50 . 147 . 154 من المشروع، يتبين  ان سن الزواج للبنت هي البنت التي لم تبلغ مبلغ النساء لأن نصوصه تنص على سن أقل من التسع سنوات ، وينزل بسن الزواج الى الصبي المميز كما في المادة (43/سادساً). ومعلوم ان الصبي المميز في التشريعات العراقية النافذة هو من بلغ السبع سنوات، ولكن النصوص لم تكتف بالسبع، بل انها توحي احياناً بسنٍ أقل من ذلك. والسؤال الذي يمكن اثارته هنا وهو : هل ان سن زواج البنت الذي يطرحه المشروع محل اجماع في المذهب الجعفري؟

الجواب كلا بالطبع ، فهناك من العلماء من يذهب الى خلاف ما  ورد في المشروع اذ يحددون سن زواج البنت  بثلاث عشرة سنة حسبما ورد في (موثقة عمار الساباطي)، الوارد ذكرها في كتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي، ولما لهذا المصدر من رصانة معهودة في فقه الامامية،فضلاً، عن ورود هذه الرواية توثيقاً في كتاب (جواهر الكلام)، وكتاب (الحدائق الناضرة) للبحراني. كما عمل بهذه الرواية شيخ الطائفة (الطوسي)، والكل يعرف موقع هذا الشيخ الجليل في الفقه الجعفري.

اضافة لما تقدم، فان الفقهاء الرواد في الفقه الجعفري  – وقبل عصر الطوسي – لديهم معيار آخر لسن البلوغ وهو ليس معيار السن، اذ يروي الشيخ الصدوق (381) هـ  في كتاب (المقنع): (على الصبي إذا احتلم الصيام وعلى المرأة إذا حاضت الصيام والخمار). وبنفس النص تقريباً يقول السيد المرتضى (355 – 436)هـ  في كتاب (رسائل المرتضى): (الغلام إذا احتلم والجارية إذا بلغت المحيض)، اي ان معيار البلوغ هنا موضوعي وهو البلوغ البايولوجي من دون الاعتداد بمعيار السن، اذ لا يمكن اعتبار الصبي بالغاً مهما كثرت سنين عمره ما لم يحتلم.

 

وهذا المعيار يستمد أحكامه من القرآن الكريم الذي لم يرد فيه السن معياراً للبلوغ. فالآية الكريمة (6) من سورة النساء: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأن آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم أموالهم). وسن البلوغ هنا متعلق بشرطين: الأول بلوغ النكاح، أي بلوغ الصبي مبلغ الرجال وبلوغ البنت مبلغ النساء. وان سن البلوغ ليس أذناً بالنكاح، بل هو علامة على القابلية والقدرة عليه ما لم يقترن بالشرط الثاني وهو الرشد، الذي تقول عنه معاجم اللغة (اهتدى واستقام)، وان تخلف هذين الشرطين يعني ان البنت والولد لم يغادرا مرحلة الطفولة تيمناً بحكم الآية الكريمة المرقمة (59) من سورة النور: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلكم).

مما تقدم يدل على ان سن البلوغ في المذهب الجعفري مسألة خلافية بين فقهاء المذهب وعلمائه، والراجح فيه ما ورد بأقوال الفقهاء الرواد المستند لحكم الآيات الكريمة.

 

الولاية على البنت البالغة الرشيدة

تنص المادة (53) من المشروع على ولاية الأب والجد على البنت البالغة الرشيدة البكر، فلا يحق لها أن تتزوج من دون أذنهما، أي أن عقد الزواج هنا ليس عقد رضائياً حسبما تقتضيه أحكام الشريعة الاسلامية والقوانين الوضعية، بل هو عقد معلق على موافقة الولي. وهذه مسألة خلافية أيضاً في المذهب الجعفري، فآية الله العظمى يوسف صانعي وهو من رجال الدين الإيرانيين المعاصرين يقول في كتابه (مقاربات في التجديد الفقهي): (والذي أراه عدم ولاية الأب على البنت البالغة الرشيدة في عقد الزواج الدائم).

أما الراحل محمد حسين فضل الله وهو من علماء الدين الأفاضل في لبنان يقول عن المراة: (شخصية قانونية مستقلة ولا ولاية لأي إنسان عليها إذا كانت بالغة رشيدة سواء من الناحية المالية ...او من الناحية العائلية في مسألة اختيار زوجها بكراً كانت أم ثيباً، في استقلال العذراء في اختيار زوجها والارتباط الشرعي به دون اشتراط أذن الأب أو الجد).

 

عدم زواج المسلم من كتابية

تنص المادة (63) من المشروع على: (لا يصح نكاح المسلمة من غير المسلم مطلقا، ولا يصح نكاح المسلم نكاحاً دائمياً من غير المسلمة).

في الشق الثاني من هذه المادة يتناقض المشروع مع الغالب من أحكام الشرعية في المذهب الجعفري. فالغالب من فقهائه يجيزون زواج المسلم من كتابية، واختصر أراء الغالبية بما يرويه الراحل محمد جواد مغنية في كتابه المبسط الموسوم: (الزواج والطلاق على المذاهب الخمسة) بيروت 1960، إذ يقول: (ان الكثيرين من فقهاء الإمامية في هذا العصر يجيزون تزويج الكتابية دوماً، فالمحاكم الجعفرية في لبنان تزوّج المسلم من الكتابية وتسجل الزواج ويترتب عليه جميع الأثار). والأبعد من ذلك ان آية الله العظمى يوسف صانعي، وفي كتابه المشار اليه اعلاه، يشير الى جواز توريث غير المسلم من المسلم أحياناً.

 

ميراث الزوجة

نصت المادة (212) من المشروع على: (يرث الزوج من جميع ما تتركه الزوجة المتوفاة منقولاً كان أم غير منقول).

المادة (213) تنص على: (لا ترث الزوجة مما يتركه الزوج المتوفى من الأراضي لا عيناً ولا قيمة وترث المنقولات، وما يثبت من الأرض من الأبنية والأشجار والآلات، وللوارث ان يدفع لها قيمة الأشياء الثابتة في الأرض، وهي ملزمة بقبول القيمة).

يلاحظ ان المادة الأخيرة بنيت على أساس التمييز بين المرأة والرجل وبكل وضوح. وعلى فرض أن زوجاً توفي وكانت تركته بستاناً، فالزوجة لا ترث شيئاً من الأرض، وان أرثها ينحصر بالأشجار والبناء المشيد على أرض البستان، وان لأي وارث ذكر أن يخرجها من المسألة الأرثية بأن يدفع لها ما يعادل حصتها من الأشجار والأبنية وتطرد خارج اطار الأرث، لأن النص يلزمها بقبول القيمة المقدرة لهما.

ويبدو ان المشروع كان متأثراً بالتشريعات الإيرانية الحالية، وخاصة القانون المدني الإيراني والمادة (949) منه التي تنص على: (عندما لا يكون هناك وارث آخر غير الزوج أو الزوجة يأخذ الزوج تمام تركة زوجته المتوفاة، أما المرأة فتأخذ – في هذا الحال – نصيبها فيما تظل بقية تركة الزوج محكومة بحكم المال الذي لا وارث له)، أي أن الزوجة حسب النص الإيراني تأخذ الربع من تركة زوجها فقط والباقي لا وارث له. ومصطلح لا وارث له أي ان الباقي يكون من حصة بيت المال حسب المذهب الحنفي، ومن حصة الإمام حسب المذهب الجعفري.

هذا الموضوع مسالة خلافية في المذهب الجعفري وتتنازعه أربع فرق، ولكل فرقة من تلك الفرق حججها وأسانيدها، ولا نريد الدخول في تفاصيل الفرق الأربع، بل نكتفي بقول الإمام جعفر الصادق الذي أورده الطوسي عن ابي البصير إذ يقول: (رجل مات وترك أمرأته، قال المال لها، قلت امرأة ماتت وتركت زوجها قال المال له)، وقد ورد هذا النص ايضا لدى الشيخ المفيد.

يتضح مما تقدم ان الامام جعفر الصادق يساوي بين الزوج والزوجة في الأرث إذا توفى أحدهما ولم يكن لأي منهم عقب وارث أو وريث أخر، ونحن هنا أمام وضوح وصراحة النص النازع نحو المساواة التي تتناقض تماماً مع الأحكام التي اوردها مشروع القانون.

 

التبني

لا يخفى على أحد ان التبني في الاسلام محرم بموجب نص قرآني آمر: (ادعوهم لآبائهم ..)، وقصة زيد بن حارثة مولى الرسول، إلا ان الأحكام الشرعية الاسلامية تناولت موضوع الاقرار بالنسب لمجهول النسب، الذي تناولته المذاهب الاسلامية بشيء من التفصيل بما في ذلك المذهب الجعفري. إذ أفردت اللمعة الدمشقية للعاملي باباً خاصاً بالنسب، واللمعة الدمشقية هذه واحدة من أرصن مصادر الفقه الجعفري حتى يقال عنها ان طلبة علوم الدين لا يحوزون الألقاب الدينية الكبيرة ما لم يأتوا على هذا الكتاب، ومن دونه يبقى في مرحلة السطوح دائماً.

لما تقدم فان المشروع جاء خالياً من هذه الأحكام التي تنظم هذه الحالة، وترك الأمر سائباً لحالات الضم الواردة في قانون رعاية الأحداث.

هذه مسائل محدودة تم تناولها على عجالة لإثبات التناقض بين أحكام المشروع وما تناوله الفقهاء في المذهب الجعفري في هذا الموضوع.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2