تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المثقف والبُعد عن السياسة.. البرج العاجي أم التهميش؟!


غالبا ما يوصف المثقف بأنه محبوس في برجه العاجي، فهو ينأى بنفسه عن السياسة، إلا أن هذا النأي لا يبرر من قبل الجمهور، لكن متخصصين في الوسط الثقافي كشفوا أن غياب دور المثقف عن المشهد السياسي العراقي يعود لاضطهاد الثقافة وإغفال دورها ومحاولة فرض ثقافة السياسيين في التسفيه وكتم الأنفاس.


تهميش!

وفي هذا الصدد يرى الأستاذ جميل رماح باحث أكاديمي في كلية الفنون الجميلة أن ذلك يكمن في عدة أسباب منها القولبة السياسية وعدم فتح المجال أمام الاستئناس برأي المثقف واعتماد رأيه في الكثير من المشكلات التي يعاني منها البلد. واضمحلال الثقافة العامة لدى المواطن والتوقف في منطقة محايدة بين السياسي والمثقف. بمعنى آخر توقف الدعم الشعبي لاستجلاب ما يملكه المثقف من فكر بأي اتجاه كان وتدعيمه مقابل السياسة العامة. والسبب الآخر يعود بتقديري الى نكوص بعض قامات الثقافة العراقية ورجوعها القهقرى نحو ثقافة بدائية وذلك يعود الى الخوف الشخصي من الواقع المعاش, فضلاً عن اختلاف المثقفين بعموميتهم باتجاهاتهم الثقافية وعدم إيجاد أبعاد وروافد مشتركة فيما بينهم بين مثقفي بغداد من جهة وباقي المحافظات، مبيناً أن هذا أدى بالضرورة إلى اعتلال الرأي الثقافي بمجمله وعدم إيجاد التأثير المناسب في السياسة العامة للبلد.

 

وأكد: للأسف لا توجد في العراق سابقاً ولا حالياً ثقافة الرأي والرأي الآخر, وإنما توجد عسكرة المجتمع التي أخذت مدى واسعاً منذ مطلع ستينات القرن المنصرم. وهذا أدى بالتالي إلى سياسات قمعية دكتاتورية مورست من قبل السلطات الحاكمة حتى يومنا هذا, وبالتالي يشعر المثقف ان هناك حاجزاً لا يمكن تهديمه بين دكتاتورية المسؤول المحب لرأيه الخاص وبين عقلية المثقف المنفتحة الداعية الى احترام الرأي الآخر, ناهيك عن ان غالبية المسؤوليات السياسية والحكومية يتقمصها أناس لا ينتمون الى الثقافة العامة بل وحتى ثقافة الاختصاص بصلة تذكر, وهذا من سوء حظ العراق ان يقوده أناس لا يملكون الكفاءات لادارة شؤون الدولة أو الاستعانة بالمثقفين لمساعدتهم كما يحدث في عديد من الدول المتقدمة حضارياً.

 

محاربة الثقافة

ومن جانبه أكد الدكتور جبار محبيس استاذ قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة ان عدم تأثير المثقف العراقي في المشهد السياسي يكمن في محاربة الثقافة وتغييبها من قبل المسؤولين والساسة. وقال: المتأمل والمعايش والمشارك في الواقع السياسي والثقافي في العراق يلاحظ بوضوح تام تغييب الثقافة والفنون الجميلة بانواعها لصالح نظام سياسي ذي صبغة دينية تلغي وتهمش وتزيح الفنون وتغتصب حقوق المثقفين والفنانين بدءاً من أكبر كلية متخصصة في البلد التي تنكرت لقواها الجماهيرية والشعبية والفنية واقتصرت على أنماط ونشاطات روتينية باهتة ذي صبغة دينية مزيفة واتخذت من هذا البديل قناعاً للكسب الحرام واغتصاب حقوق المجتمع ومنها الثقافة والفنون فلا مهرجانات مسرحية ولا معارض تشكيلية ولا مؤتمرات علمية وحجبت الميزات المخصصة للفنون والثقافة من قبل كل الجهات السياسية بدءاً من السياسات الثلاث ومحافظة بغداد وسواها من المؤسسات القمعية الأخرى ومنها مجالس المحافظات والبلدية التي وضعت أناسا غير معنيين ونمطيين وليسوا من ذوي الاختصاص بدلاً من المثقفين والفنانين وغيبت تماماً كل النشاطات الفنية والفكرية والمسرحية. 

 

السيسي!

وأضاف: طالبنا مراراً بغلق وزارة الثقافة لأنها باتت مستعمرة للصوص والأدعياء والسارقين لفرص العراق الجديد وحجبهم للاصوات الحرة الثقافية والفنية. وأكد: أنها وزارة مستهلكة ورتيبة وعاجزة الا في قدرتها الفذة لسرقة الأموال وما حدث في نشاطات بغداد عاصمة الثقافة فساد مالي تمترس خلفه المسؤولون ومنهم فوزي الآرتوشي الذي طالما كذب علينا وحجب أصواتنا ولم يستجب لمطالبنا. وتابع: كذلك مراوغة المفتش العام للوزارة الذي كذب علينا بدوره ولم يدافع عنا ويحمينا من الاضطهاد والقمع, وما يفعله حامد الراوي الآن يثير السخرية للاسف لأنه عاد ليحتضن البعثيين الذين حسبوا على الفن ليعطيهم الفرص ثانية. وأوضح: اني ادعو الى أن يتحول كل مثقف الى عبد الفتاح السيسي ليقلب الطاولة على هؤلاء المتاجرين بأحلامنا وآلامنا والضاربين على صدورنا من حرس الوزارة وشرطتها الذين لا يعرفون سوى القمع. وبين: انها دعوة صريحة نابعة من صميم آمالنا لمثقفين في ظل قيادة سياسية نحبها ونحترمها لكننا نختلف معها في ظل اصرارها على تغييب الفنانين ورعايتها للطغاة الذين ظلمونا بلا رحمة. وأكد: ومن يراجع أوليات ما قلناه سيجده موثقاً في أروقة المسؤولين الذين تم ذكرهم.

 

دور مميز

وفي غضون ذلك يؤكد الكاتب والاعلامي جمعه عبدالله بان للمثقف دورا متميزا في الحياة العامة ويلعب دورا مهما في اسلوب التفكير في العمل السياسي وفي مزاج الشعب وبهذه الاهمية ركزت عليه عهود الطغيان والاستبداد في جلبه الى صفها ليكون داعية وناطق باسمها والمدافع الامين عنها. والحقبة الدكتاتورية المنصرمة تعطينا امثلة ساطعة في تعاملها مع المثقف واصحاب القلم ومحاولة ارتباطه بها ليكون صوتا معبراً من وسائل الاعلام والوسائل الثقافية الاخرى من خلال اسلوب الترهيب والتغريب. لقد رفض الكثير من أصحاب القلم والفكر الحي  هذا النهج الإرهابي فكان مصيرهم القمع والارهاب والسجن والمحاربة في الرزق اليومي وتكميم الافواه والتشرد والتغرب عن الوطن  لان الحقبة الدكتاتورية تعتقد بشكل قاطع اهمية الاعلام ودوره في الحياة ويعتبر من مرتكزات بقائها واستمرارها في عرش الطغيان هو الاهتمام بالجانب الإعلامي الذي يزيف الواقع المرير بالنفاق والخداع, وتبييض صورة النظام وقائده الأوحد رغم استخدام العنف اللانساني واهدار ثروات البلاد بحروب مجنونة . وشراء الذمم في الداخل والخارج , لتغطية  جروح الشعب العميقة وبعد سقوط الدكتاتورية ظن الكثير بان العراق سيدخل رحاب الحرية ويسجل شهادة وفاة للمعاناة والمصاعب التي تجرعها كالعلقم من النظام المقبور. وينطلق صوب الحرية والحياة الكريمة ويمزق الواقع المر لكن هذا الحلم اصبح بعيد المنال وصعب الانجاز والتحقيق, بعدما فوجئنا بنفس اسلوب النظام البغيض، الترهيب والترغيب يتصدر المشهد السياسي ونفس معاناة المواطن وتفاقم الازمات وانعدام تقديم الخدمات الضرورية في الحياة اليومية, بسبب ان النخب السياسية المتنفذة تقوقعت واصبحت اسيرة في نشاطها السياسي بالعقلية الطائفية والتفكير الحزبي الضيق الذي جلب الخراب السياسي والفساد المالي , والعجز الفادح والفشل الواضح في ادارة شؤون البلاد .

 

طريق مسدود

 واقتصر هم الكتل السياسية التي تتحكم بالقرار السياسي على التناحر والتطاحن على الحصول على اكبر حصة في اقتسام الغنائم والمنافع الذاتية والمالية , وادخلوا العراق في ازمة سياسية طاحنة تجر بتبعياتها على الواقع المرير وتزيد من الجراحات العميقة التي انتجتها الحقبة المظلمة . اذ تسيد المشهد السياسي حفنة من السياسين  لا يهمهم سوى منافعهم الذاتية والمالية وقوقعتهم في دائرة بريق السلطة والنفوذ, وتركوا المواطن بدون معين او سند  ليغرق في بحر الازمات ان هذا الواقع المرير والاليم يحتم على اصحاب القلم الحر واصحاب الفكر النير, بالقيام بنقلة نوعية من اجل انقاذ الغريق المواطن من الغرق ومن براثن الواقع المزري في وضع الحقائق في نصابها العادل دون تزيف. وتمزيق القيم التي تساوي بين الاخضر واليابس, ووضع حد لفوضى السياسية التي تهدد الواقع السياسي الهش. لقد تعرت النخب السياسية وتجلت حقيقتها ولم يعد ينفعها ارتدى ثوب الاصلاح المتهرئ والمزيف بالوعود الكاذبة ولم يعد ممكن استمرار في خداعها ونفاقها وبفعل اعمالهم الشنيعة تحول العراق الى بلد فقير يعاني الجوع والحرمان رغم ان العراق يسكن فوق بحر من البترول. لكن يفتقد الايدي النزيهة والمخلصة والتي تشعر بعذابات المواطن يفتقد الى الكوادر والعناصر ذات الخبرة والكفاءة والقدرة على تحمل الصعاب بتحويل هذه الخيرات الوفيرة الى الصالح العام والمنفعة العامة.. لكن كيف وباي اسلوب وطريقة ؟ ومن يستطيع ان ينقذ العراق ومواطنيه من المأزق المرعب ويحوله الى بلد ينعم بالخيرات والاستقرار السياسي والامني.. ان تجارب الشعوب المكافحة في سبيل الحرية هي دروس دامغة  لايجاد مخرج للطريق المسدود والخلاص.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2