تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


حكاية من زقاق بغداديأم خماس وزوجها «سلومي»


وداد إبراهيم 

اعتادت أم خماس النهوض قبل ان يشق الفجر كبد السماء. تدخل غرفة المطبخ وتفتح دولابا خشبيا، لتخرج منه ادوات مطبخها الصغير. تمسك بذلك الإناء المعدني وتضعه على طباخها النفطي الصغير، ومن ثم تقطع شرائح من البصل لتعد منها وجبة إفطار إذ تخلطها بعدد من حبات البيض، فتكون وجبة كبيرة تملأ الصحن المعدني،


 واحيانا تقول لأولادها ان الإفطار سيكون (طاوة) وتقصد بذلك أنها ستدللهم، اذ سيكون مع خليطها هذا حبات من الطماطم وذرات من اللحم المفروم وحبة من الباذنجان، تعده في صحن من اكبر المعدن ليكون وجبة دسمة، لخمسة أطفال ينامون قربها وقرب زوجها في باحة صغيرة يتربع فوقها سقف من خشب.سلومي «أبو تك»

 ما أن تنهي هذه الوجبة حتى توقظ زوجها سلمان (ابو تك) فهي تناديه بذلك الاسم، إلا أنها وحين تكون في حالة من الحب والرومانسية تناديه «سلومي»، وسلمان اتخذ اسم (ابو تك) حين دخل في عراك كبير وهو يراقب ديكه في حلبة لصراع الديوك، قرب الدهانة وعلى أطراف سوق الغزل، وما ان انتهى الصراع لصالحه حتى شب شجار مع خصمه تحول في لحظات الى عراك بالأيدي، فعاد الى البيت ومعه جمهره من  محبي شجار الديوك، الا انه كان بخف واحد، فحمل اسم سلمان (ابو تك)، وان كان هذا الاسم يثير اشمئزازه ويذكره بذلك اليوم، الا انه اعتاد عليه بعد ان صار يسمعه في كل الزقاق.. 

يقول سلمان: اعتقدت أن اسم (أبو تك) سيختفي إلى الأبد وينساه أهل الزقاق، حين أتزوج، الا انه التصق بي حتى بعد ان أصبح لدي خمسة أطفال، حتى بعد ان نسيت العمل في مهنة صراع الديوك، قال لها ذلك وهو يهم بالنهوض من الفراش. تضحك ام خماس وتقول له: أتدري أن هذا الاسم هو الذي شجعني لأتزوج بك، لاني احب الرجل الشرس. يفتح فمه الكبير وبصوت أجهش يقول «هااااااااااااا».

ام خماس معوقة الا انها تملك ما لم تملكه الكثير من النساء 

تتحرك ام خماس بجسدها الذي يترنح على رجل تعوقت اثناء الولادة، ولولا انها تمتلك ملامح دافئة وشعرا ذهبيا وبشرة بيضاء مصفرة ما كانت لتتزوج، هذا (ما كانت تقوله لها شقيقتها ام سعد).

 

بيت الدجاج

ام خماس امرأة قوية في داخلها تمتلك ذهنا ثاقبا وعقلا متفتحا متقدا، حنونة، لها صوت ناعم، تشعر انها وان كانت معوقة الا انها تمتلك ما لم تمتلكه غيرها من النساء من صبر وقوة ومعرفة، كونها تجيد مهنة الخياطة، الا انها حين تزوجت من ابو تك قررت عدم اظهار معرفتها في مهنة الخياطة،  ذلك حتى لا يتكئ عليها ويصيبه الخنوع والكسل، الا انها تدبر له أموره وتبحث معه عن كيفية شراء الديوك وكيفية بيعها، وهي من شجعته على ان يكون في البيت مكان لتربية الدجاج، فاقترحت عليه ان يصنع بيتا للدجاج في سطح المنزل، ما جعل زوجها يتعامل وكأنه الابرز في امتلاك الديوك التي تجيد العراك وبيعها. نفضت الفراش داخل الباحة فتسللت الى انفها رائحة الارض الرطبة والمختلطة برائحة الطعام، ففتحت باب البيت فدخل الهواء عبرة ستارة متهتكة وضعت ما بين الباب والممر المؤدي إلى باحة المنزل الصغير، حليمة اكبر البنات تركت المدرسة، فيما اصبح خماس يرافق والده الى سوق الغزل فترك هو الاخر المدرسة، على الرغم من عدم رضا ام خماس بذلك، الا انها ادركت ان ابنها له ولع في الديوك كما والده، فارادت ان تسير امور بيتها بهدوء وتروٍ، وحاولت عدم السير عكس التيار، وأدركت انها قد تجد الوقت المناسب لتصنع من خماس رجلاً. ساترك لخماس ما يحب حتى ينتهي من نزق الشباب، ومن ثم بعدها أكون قد صنعت له شيئا لمستقبله، هكذا حدثت نفسها وهي تنظف باحة البيت الصغير، الذي عاشت فيه خمسة عشر عاما مع ابو خماس.

 

جبار ريشة!

ما هي إلا دقائق حتى طرق الباب طرقا قويا، فصاحت (اي.. اي ) تركت المقشة من يدها، وحتى تصل الى الباب تسلقت سلمة واحدة بصعوبة، ولم تتسلق الاخرى ومدت جسدها النحيل وفتحت الباب، واذا بجمهرة من الرجال يمسكون بزوجها سلمان وهم يقولون سلامات سلامات، رجعت للخلف وفتحت الباب الاخرى بعد ان نزلت السلمة بصعوبة كادت ان تقع على الارض بعد ان شعرت بأنها ارتطمت باحد الرجال وهو يهم بوضع زوجها على الاريكة القريبة من الباب، تمتمت بكلمات: ماذا حدث وما حصل مع (ابوتك)، غادر الجميع واغلقوا الباب فاقتربت من سلمان وهي تتأمله بسرعة هل حدث له شيئا، فعرفت من ملامحه انه كان في عراك، وكان ابو تك قد ترك العراك منذ سنوات ومنذ ان ترك  الدخول في صراع اليوك، حركت يدها على وجهه الذي يتصبب عرقا وهي تنظر الى جسده فلا تجد شيئا، فقالت له: شجار مع جبار ريشه مرة اخرى ام ماذا؟؟ هل ستقضي حياتك في العراك من اجل الديوك. تمالك سلمان نفسه وقال: وهل هناك غيره!! هو من يثير المشاكل في المحلة وفي السوق، لكن ان كان الكل يتقي شره فأنا لا اخافه..سكت قليلا ثم صرخ: انا لا اقبل (بالمغلوانية)، وكنت اراقب من بعيد عراك الديوك دون ان اتدخل، لكن حين خسر ديكه مع ديك وحودي ابو الدهن،  سمعته يلعن الديك ومن باعه، والكل يعرف اني انا من ربيت ذلك الديك، وانا من بعته له، فتماسكـت وكتمت غضبي، وانا ارى عيون الاخرين تحق بي وكأنها تقول لي: كيف تسكت على من يلعن الديك الذي تربي وتبيع، ومع هذا تغاضيت، وكأن لي اذن من عجين واذن من طين، لكن تطاول علي وجاء بالديك وقال لي: اعد الي مبلغ الديك. وكيف اعيد له المبلغ وكان قد اشتراه قبل أسبوع، فاشتد الشجار بيني وبينه فأخرج سكينة كان قد حشرها بين بطنه وحزام الدشداشة، وكاد ان يطعنني بها لولا اهل السوق، تمتم (ابو تك) هو شاب وقوي، ولا اقوى على اخذ السكين منه، فقد انزلقت يدي منه وافلتت السكين فشعرت اني لا أقوى على حسم العراك، ولكن تجمع الناس في الوقت المناسب، ومنهم من اخذ منه السكين والا لكنت الآن في المستشفى. 

صمت الاثنان وكأنهما يعدان لشيء ما، هي كانت تفكر في ان هذا العمل صار غير مجدي لزوجها، كما ان زوجها كثيرا ما كان يبيع الديوك او الدجاج بسعر قليل واحيانا يبيع لاجل اخر، وفي بعض الاحيان يصرح امامها قائلا: ابن الحجية اشترى مني اليوم دجاج مرة اخرى، ولم يدفع دينه القديم، لكن وعدني بأنه سيدفع لي، فيما كان يخفي ديونا اخرى لاتعلم بها زوجته ام خماس.استغرق ابو تك في  تلك الديون وادرك ان هذا هو السبب في كونه لم يحقق نجاحا او ارباحا في هذا المهنة ، ليكون في حال افضل، حتى استفاق على صوت ام خماس وهي تقول له: علينا ان نترك هذه المهنة الى الابد، وغدا عليك ان تذهب الى سوق الدجاج وتبيع كل ما نمتلك من الدجاج، وانا سأنظف المكان وسأزيل اي اثر للديوك، فقال لها: قد يستغرق هذا ايام وقد لايباع كله في نفس اليوم، ومع هذا انا اوافقك على ذلك، لكن ماذا سنفعل بعد ذلك؟ قد اشتري بالمبلغ حبوبا او طعام الطيور وابيعها في ذات السوق او اشتري اقفاص من ذات السوق وابيعها قد تجلب لي مردود جيد كما انها مهنة لاتكلف جهد كثير.استمعت ام خماس الى حديث ابو تك دون ان تتفوه بكلمة واحدة لانها كانت ذات ذهن متقد وعقل ثاقب تعرف ان المصاعب حين تأتي ستنقلها الى الافضل والاحسن، وقد وجدت ان ما حدث مع زوجها ماكان ليحزنها ابدا، بل كانت دائما تقول له: في المصاعب علينا التفكير بما نستطيع وبما علينا ان نعمل لنجتاز المحنة. وما وجدته ام خماس هو ليس محنة بل دعوة للتخلص من مرحلة كان عليها ان تغادرها، الا انها انتظرت ما يحملها على المغادرة دون فوضى، وجاءت الفرصة لها..

عاد ابو تك بمبلغ جيد من المال وقال لها: هذا ما كان من بيع كل الموجود على الرغم من اني متألم كوني بعت افضل الديوك في السوق، لكن لم اجد في نفسي الرغبة في العمل بهذه المهنة بعد ما حدث معي بالامس، قالت له ام خماس: اذن فلنقتسم المبلغ نصفه لمصروف البيت والنص الاخر لي لاشتري لي قطع من القماش، ماكان سلمان ليرفض ان تشتري ام خماس شيئا لها، فكثيرا ما كانت تثير انتباهه حين تلبس الجديد في صباحات العيد، خرجت ام خماس الى السوق وطلبت من بائع القماش ان يبيعها لفة كاملة من القماش على ان تسلمه نصف المبلغ واتفقت معه ان تجلب له ملابس جاهزة ليبيعها ويستقطع النصف الثاني، عادت الى البيت وفتحت صندوق من الخشب كان غلافا لماكنة خياطة احتفظت بها من قبل زواجها نظفتها وسكبت على ثقوبها قليل من الزيت، لفت بيدها وحركت برجلها على مدوس الماكنة فدارت ودارت حتى أكملت قطعتين من الملابس، وفي اليوم الثاني اخذت بالملابس الى صاحب القماش وهكذا حتى صار ابو تك هو من يذهب الى السوق ويجلب القماش والمستلزمات ويأخذ بقطع الملابس الى المحلات حتى عاد للبيت ومعه ماكنة كبيرة عرضها عليه احد الباعة في السوق، ودهش حين وجد ابنته حليمة هي من تكمل تفاصيل الخياطة مع امها.. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2