تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


عراقيات في تركيا..فصول من المعاناة في جنة آل عثمان


أسيل علي الجبوري

وأنت تسير في بلاد العثمانيين الأوائل في غابة من جمال الطبيعة والعمران، ينزّ منك الشوق  إلى نهري دجلة والفرات وجلسات العائلة المتحوّطة حول المدفأة النفطية، لكن ما يخفف عنك حرارة الشوق أن هناك آلافاً من بن بني جلدتك يزاحمونك، عائلات تدفأت بقلوبها الحارة من برد تركيا، وهي تبتدئ عاماً جديداً من الألم والأمل.


(نرجس) رحلت بداية العام الجديد إلى تركيا، لتحتفل هناك مع العائلات العراقية المغتربة، وتفتح ملفها للوقوف على معاناتهم وكيف تسير الحياة هناك، وممّ يشتكون وكيف يمضون أيامهم.

تقول مراسلة (نرجس) إنها كلّما طالعت وجوه العراقيين هناك، لا يقع نظرها إلا على ملامح شاحبة أرهقها الشوق والحنين إلى الوطن الذي أجبرتهم ظروفهم على مغادرته. حتى أن أغلب من سألتهم مراسلة (نرجس) عن محطاتهم في العام الماضي أصروا على أنهم عاشوا "عاما من الالم والمعاناة والحرمان والفقر والعزلة وملامح الحياة المؤجلة".

 

27,000 لاجئ في الانتظار

يواجه اللاجئون العراقيون الذين يقدر عدد المنتظرين مقابلة أولى مع منظمة الـ(UN) بـ27,000 لاجئ موزعين على محافظات تركيا، يواجهون مشاكل عديدة في تركيا تحت ظل الضوابط التي فرضتها السلطات هناك، فتختلف أوضاعهم بحسب قومياتهم وأديانهم، ففيما يندمج التركمان في المجتمع التركي لمعرفتهم بلغته وعاداته، يحظى المسيحيون بمساعدات الكنائس في توفير مستلزمات الحياة الضرورية إضافة إلى تخصيص رواتب شهرية لحين السعي بتوفير لجوء في دوله ثالثة، لكن العرب والأكراد يجاهدون من اجل الحصول على عمل يضمن لهم اقامة في تركيا وبعكسه يضطرون الى العودة لبلدهم.

الحكومة التركية بدورها لا تقدم أية مساعدات إلى اللاجئين بذريعة الخوف من تدفقهم إليها ليشكلوا عبئا إضافيا على اقتصادها الذي يعاني من وجود ملايين العاطلين عن العمل، رغم ان بعض اللاجئين يؤكدون بانهم احد الأسباب في إنعاش الاقتصاد التركي لأنهم يستنزفون كل أموالهم خلال الفترة الانتقالية التي يعيشون بها هناك والتي لا تقل عن سنتين، لاسيما أنها تخصص لهم محافظات بعيدة وشبه ريفية.

 

سجن "الأمنيات"!

اللافت هناك، أن اللاجئ لا يحق له مغادرة المدينة التي يسكنها إلا بإجازة من مركز الشرطة والذي يسمى (الامنيات) الذي يذهب اليه اللاجئ أسبوعيا لإثبات وجوده والتوقيع بسجل الحضور، وهو واقعٌ يقول اللاجئون العراقيون عنه، أن مناطقهم لا تعدو عن أن تكون سجنا مفتوحا لا يحق لهم مغادرته جغرافياً. 

 

اللاجئون المحظوظون!

أعداد اللاجئين العراقيين في تركيا في حالة تزايد مستمر وبصورة لافتة، وخصوصا هذه الفترة التي شهد العراق فيها تدهورا أمنياً ملحوظا، حين عادت قصص القتل والخطف والتهجير.

يتوزع اللاجئون هناك على مدن ثانوية في جنوب تركيا، ومن هذه المدن التي يسكنها العراقيين: اماسيا،غازي عين تاب، اسكي، هير، افيون، جرووم، كاستمونه، كوتاهيا، قيصري، توكات، سمسون، سكاريا، كيرشهير، قونيا، بالإضافة الى اسطنبول التي تسكنها عشرات العوائل والتي تتمركز في منطقة (كرتلوش) والتي تقع جنوب المدينة.. ويعد هؤلاء من المحظوظين لأنهم ليسوا في المحافظات الاخرى, وذلك لان اسطنبول هي قلب تركيا النابض فتتوفر فيها فرص عمل كثيرة اكثر من بقية المدن.

 

المترجمة الحجرية!

وحين يعاني اللاجئ الذي تجبره المفوضية على التوزيع الجغرافي للسكن في مناطق محددة فأن المفوضية ممثلة بشخص المترجمة، وهي الشخص الوحيد الذي يمكنه الكلام معه في عراء الشارع وصقيعه ومن خلف زجاج محكم يحميها من برد الشارع، مبرمجة كالروبوت لتلقي عليه ما لقنته لها المفوضية من دون أن تسمع شكواه؛ بمعنى أن اللاجئ الذي يذهب للشكوى يذهب ليس لتسمع شكواه بل ليسمع من موظفة حجرية الملامح والصوت أن ليس له عند المفوضية أي شكل من أشكال الرعاية غير البحث عن وفد يقابله وليس من مسؤوليتها إن جاع أو عري أو سكن في الشارع، وحين يعجز اللاجئ عن ايجاد سكن متوافق مع مقدرته المالية ويراجع المفوضية لتقبل بتغيير المحافظة الى اخرى فأن تلك "الموظفة بالوجه المعدني" ستعلمه بأن ما يطلبه يتعارض مع محددات الحكومة التركية التي تحدد عددا من اللاجئين تقبل بهم في منطقة ما وان عليه ان يدبر حاله بأية طريقة حتى لو نام في الشارع فتلك ليست من مهامها!

 

اللغة والأسعار

وتعد اللغة سببا أساسيا في عدم تمكّن اللاجئ "العربي" من الحصول على اي فرصة عمل مهما كانت بسيطة، وقد تكون الحالة اقل صعوبة بالنسبة للتركماني وبدرجة اكبر بالنسبة للكردي لكنهما يبقيان أفضل حالا من العربي لكون أصل اللغة الكردية والتركمانية تنبع من مصدر متقارب في العديد من المصطلحات والألفاظ ويمكن لهما تطويع التعامل مع اللغة التركية. 

أما في ما يخص الأسعار، فأن ان تركيا بالنسبة للسائح لا تعتبر مكلفة أما بالنسبة للاجئ وبالمقارنة مع سوريا والاردن التي كان يقيم بهما معظم اللاجئين فهي مكلفة ومكلفة جدا. فالصعوبات المالية هي في مقدمة المشاكل التي يعاني منها اللاجئ العراقي لانهم يرغمون على دفع اجور سكناهم ومدارس أولادهم الذين تم تسجيلهم بمدارس خاصة لان المدارس الرسمية لا تقبل من لا يملك إقامة دائمة، اضافة الى ان الحصول على اقامة دائمة صعب وصعب جدا وفقا للقوانين التركية.

 

الإصرار على الهجرة 

معاناة اللاجئين العراقيين في تركيا والحالات المأساوية التي يمرون بها كبيرة وصادمة في بعضها، لكنهم مصرون على الهجرة. ويقول كثيرون لمراسلة (نرجس): "نتحمل كل ما يجري لنا في تركيا على أمل الشعور بالراحة والطمأنينة والاستقرار في بلد الاستيطان.. نريد أن نوفر حياة لأبنائنا بعيدة عن القتل والخطف ودوي الانفجارات"، كما يعبرون. إلا انهم ورغم كل هذا مستمتعين بمزاولة أحلامهم اليومية بالعودة لبلدهم وعودة الأمن والاستقرار دون ان يزاولوا هذا الاقتلاع القسري الذي وجدوا أنفسهم مجبرين عليه بعد ان ضاقت أمامهم فرص العيس بسلام وأمان وحرية.

 

هل هناك متسولون؟

بعض وسائل الإعلام المكتوبة نقلت تقارير وعبارات إعلانية مكتوب فيها "هل أنت عربي؟ ساعدني بأي مبلغ يخفف من اعباء العيش هنا".

هذه الجملة يمكن ان يسمعها السائح العربي في تركيا من قبل أطفال عراقيين صغار يتسولون في الازقة والشوارع للحصول على ما يسد الرمق في بلد يصعب الحصول على عمل فيه، حيث تتطلب عملية الحصول على عمل في تركيا تصريح من وزارة العمل والذي يتطلب بدوره موافقة صاحب العمل الذي تم التقديم له.

وتلجأ بعض العوائل عراقية في فصل الصيف وأعياد رأس السنة الميلادية بتكثيف عملية التسول وزيادة الوقت المخصص لها إذ يقوم خلال هذه الأيام العديد من السياح العرب بالسفر الى تركيا، وفي تلك الأوقات يصبح مشهد تسول بعض العراقيين من السياح العرب واضحا اذ من غير الممكن ان يتجول شخص حاليا في المناطق السياحية داخل تركيا من دون ان يمر في طريقه لاجئون عراقيون لطلب المساعدة المالية، في إشارة إلى مدى الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراقيون في تركيا.

ورغم ما ذكرته هذه التقارير فأن واقع اللاجئين العراقيين يشير الى ان العراقي لا يمكن له ان يتسول هناك تحت ظرف أي واقع يكون فيه وحين تنتهي المبالغ التي جلبها معه، والمفوضية ما زالت لاهية عنه فأنه سيقرر مجبرا العودة الى العراق حتى وان كان يتوقع أن يلاقي حتفه هناك.

 

كآبة في أجمل البلدان!

عندما يقرر أي شخص ان يأتي لتركيا كزيارة فلا بد له أن يبدأ رحلته من اسطنبول، هذه المدينة الجميلة والضاجة بالسحر والطبيعة، يطلع السائح فيها على بعض من معالمها التاريخية المهمة ويقصدها السياح من كل بلدان العالم. ومن هذه الاماكن السياحية التي لابد من زيارتها هي متحف اية صوفيا ومسجد السلطان احمد ومتحف الاثار الشرقية والقصور العثمانية ولا سيما قصر هويام.  كذلك زيارة ميدان أتاتورك وشارع الاستقلال ....ونزهة على بحر مرمرة وجزر الأميرات.

ان كل هذا جميل ورائع عندما تكون مجرد سائح وليس لاجئا. فاللاجئ العراقي ورغم انه يعيش في تركيا الا انه لا يستطيع زيارتها والتنقل بين مرافئها الجميلة.

يقول أبو مصطفى، أحد اللاجئين الذين يعيشون في مدينة تبعد عن اسطنبول تقريبا بثماني ساعات في السيارة إنه يعيش في تركيا منذ عام ونصف تقريبا الا انه لم يذهب لزيارة اسطنبول ولم يرها نهائيا لأسباب كثيرة. ومن هذه الاسباب انه لا يستطيع الخروج من مدينته الا بأذن من مركز الشرطة التابع لمدينته، كذلك فانه ملزم بالذهاب أسبوعيا إلى "الأمنيات" لإثبات وجوده والتوقيع بسجل مخصص للاجئين في تلك المدينة ولو خالف هذه التعليمات ووصل الى فترة اكمال مقابلاته مع بلد الاستيطان الذي قبل به فأنه لا يستطيع السفر الا بعد ان يدفع غرامة تقدر بـ1500 دولار في حال عدم ذهابه للتوقيع أسبوعيا..  وقد تختلف القيمة المادية بحسب الفترة التي لم يذهب بها اللاجئ للتوقيع. أما السبب الاساسي والعارض الرئيسي في عدم الذهاب هو عدم توفر المال الفائض عن حاجة القوت اليومي ليتم إنفاقه على المناطق السياحية.

من يعيش في إسطنبول من اللاجئين العراقيين تجد حاله أفضل بكثير من ذلك اللاجئ الذي يسكن في إحدى المحافظات التركية. فالحياة في إسطنبول تسير أفضل بكثير مما هو عليه في بقية المحافظات فالعمل متوفر هناك، لكن ليس إلى حد بسيط جدا مع اللاجئين العراقيين.

 

آمال برنة هاتف!

جهاز الموبايل مهم جدا في حياة اللاجئ العراقي في تركيا. فتراه وكما يقول احمد وهو احد اللاجئين هناك انه ممكن أن ينسى أي شيء الا جهازه النقال، لأنه ممكن أن تتصل (اليو ان)  او سفارة دولة الاستيطان في أي لحظة لتقديم موعد مقابلة او اجراء مقابلة جديدة.. وفي بعض الاحيان قد لا يعاودون الاتصال فيما اذا لم يرد اللاجئ في حينها إضافة الى صعوبة الاتصال بهم من قبل اللاجئ.

فقد أخبرتنا ام نهاد (42) عاما أنها تعتبر محظوظة بنظر أقرانها من اللاجئين لكونها قد حصلت على صفة لاجئ بعد ثلاثة ايام من تقديمها على منظمة الامم المتحدة لشؤون اللاجئين اي قد حصلت على (الفسفورة) وبعدها بفترة حدثت صفحتها على موقع المنظمة وحصلت على دوله الاستيطان وبقيت تنتظر اتصال سفارة التوطين لتحديد موعد مقابلة. هنا بدأ امل العائلة ينتعش عسى ان يرن الهاتف.

وأضافت "أن جسدها يرتعش ويتشوش ذهنها في كل مرة يرن هاتفها لكن يكون المتصل احد الأصدقاء او الأقارب. وظلت على هذا الحال لمدة 8 أشهر.

ويقول احمد (28) عاماً انه طلب من أهله وأصحابه عدم الاتصال به الا بعد الخامسة عصرا وهو موعد انتهاء دوام المنظمة لأنه يقول واصفاً "أصاب بالخوف المشاب بالأمل حين يرن الهاتف وأخشى النظر لشاشة الهاتف كي لا أحبط عندما أرى المتصل ليس المنظمة".

 

انتظار الأربعاء!

من يقدم طلب لجوء لمنظمة الأمم المتحدة سواء في تركيا او عمان او سوريا وبعد ان يحصل على صفة لاجئ (الفسفورة) تصبح له صفحة خاصة به على موقع منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لا يستطيع احد فتحها إلا برقم سري تزوده به المنظمة. ومن خلال هذه الصفحة يعلم اللاجئ ما هو الجديد من ملفه. فهناك مواعيد قد تكون ثابتة لتحديث الصفحة. وهو يوم الأربعاء واذا لم يتم التحديث يوم الأربعاء فيكون يوم الخميس. لذا وحسب ما سمعت من اللاجئين بانهم يجلسون الأربعاء وهم يترقبون تحديث صفحتهم ويدعون الله عسى ان يكونوا من المحظوظين وتنزل عليهم رحمة التحديث التي ينتظرونها. 

تقول ام ياسر (29) عاماً إنها دخلت تركيا منذ عام وخمسة أشهر وقد حصلت على الفسفورة بعد عام تقريبا وهي منذ اكثر من اربعة اشهر تنتظر التحديث عسى ان تحصل هي أسرتها على دولة الاستيطان, وتضيف "أني اجلس يوم الأربعاء منذ الصباح وأكمل كل أعمالي البيتية واجلس امام جهاز الحاسوب وأترقب عسى ان تتحدث الصفحة وتظهر لي دولة استيطان واكون أول من ينقل البشرى لزوجي الذي أتعبه التفكير بوضعنا وتدبير أمورنا وتوفير الحليب للأطفال ومستلزمات اخرى غير الايجار والفواتير. لكن سرعان ما ينقضي اليوم وتتلاشى الآمال. لكنني لا افقد الامل ففي اليوم الثاني اقوم بكل ما قمت به يوم الأربعاء لأنه ممكن ان يتم التحديث، لكن الى الآن لم تدخل الفرحة بيتنا، عسى ان تكون قريبة".

أما ام نور والتي طال انتظارها فتقول "أنا اغمض عيني وادعي الله وزوجي يقوم بفتح الصفحة وأخشى النظر الى الشاشة فانا لا اريد ان احبط في كل مرة".

ويظل اللاجئ يحيى على أمال ووعود من مقابلة ودولة توطين...وآخرها رنين الهاتف.

 

قصة موت هادئ!

وتروي مراسلة (نرجس) قصة أخرى قائلة "بينما أحاول ان اسمع هموم عدد من اللاجئين العراقيين في تركيا سألتني إحدى السيدات هل تمانعين ان تأتي معنا لبيت ام رائد؟ فقلت لها: دعينا نذهب. وأثناء الطريق عرفت بان ام رائد قد توفي زوجها منذ شهر وهن مواظبات على زيارتها كي يخففن عنها ما مرت به من مصائب. ورغم برودة الجو القاسية جدا وصعوبة السير بسبب الثلوج المتراكمة وصلنا لبيت ام رائد التي بان على وجهها آلام الفراق والحزن الشديد. فسلمت عليها ودعوت بان تكون وفاة زوجها خاتمة أحزانها الا انها اجابت وهل هناك حزن اشد وقعا على قلبي من فراق والد أولادي؟ فقصت لي قصتها فقالت "لقد هربت من العراق انا وابني رائد وزوجته وحفيدي وزوجي. اتينا الى تركيا عسى ان نشعر بالراحة والامان بعد ان فقدناه في بلادنا. وعند تقديمي على منظمة الامم المتحدة قابلوني لكن ظل ملفي معلقا لأن لديّ نقصاً بالمستمسكات الا وهو دفتر الخدمة العسكري لزوجي الذي يبلغ عمره 71 عاما والذي فقد احدى ساقيه بسبب مرض السكر. فأعطوني موعدا لإعادة المقابلة بعد9 اشهر الا ان الـ9 اشهر كانت قاسية علينا، وبعد مضي 8 أشهر و22 يوما وافى الاجل زوجي الغالي .مع العلم قبل شهر من وفاته قد حضرت لجنة من منظمة الامم المتحدة الى المدينة التي اعيش بها للنظر بأمور اللاجئين. واخذت زوجي وذهبت اليهم عسى ان يقدروا وضعه الصحي السيئ ويحاولوا تقديم العون لي من ناحية الدواء والعلاج او تسريع ملفي.. لكنهم وعدوني بوعود وهمية كالوعود التي وعدوها لمئات اللاجئين معي".

 

يوم المقابلة

وتضيف مراسلة (نرجس) نقلاً عن لسان (أم رائد) إنه "حين حان موعد المقابلة ذهبت الى منظمة (اليو ان)  في أنقرة، وسألوني هل أحضرتم دفتر الخدمة العسكرية للزوج، فاخبرتهم: نعم لقد جلبت لكم دفتر خدمة الحياة التي انتهت في الغربة.. قلت لهم ان السفر لن يعني لي شيئاً بعد الان، لأني خرجت من العراق بعد تهجيرنا من سكننا لسببين الأول ان احافظ على حياة ابني والثاني والاهم هو كي أعالج زوجي الغالي. لكن الموت كان ينتظره هنا. ولم املك النقود التي تكفي لنقل جثمانه الى العراق فاضطررنا لدفنه هنا... حيث جمع لنا اصدقاؤنا من اللاجئين المبلغ الذي طلبوها منا لدفنه وبناء القبر.

وتضيف ام رائد باكية "لقد فارقت رفيق عمري وشريك حياتي. لقد رقد تحت احد جبال تركيا الشاهقة وبعد فتره سأتركه واذهب لأدفن في بلاد اخرى. ولا اقول اكثر من ذلك الا ان ذنبي وذنب زوجي وكل عراقي هرب من القتل من العراق برقبة الإرهاب والقتلة والسياسيين الذين لا تشبع كروشهم.. حسبنا الله ونعم الوكيل".

 

الغربة والحياة الزوجية 

المشاكل الزوجية هي ذاتها، هنا حيث وجع الغربة أو هناك حيث دفء الوطن. لكن ربما تنشأ جراء الغربة مشاكل أخرى أو تتعاظم تلك التي تبدو بسيطة.فقد حدثتنا أم علاء عن علاقتها بزوجها قائلة "أنا متزوجة منذ (26)عاما ومؤكد لو لم نكن على علاقة جيدة ببعضنا لما استمررنا طوال هذه السنين بحلوها ومرها...عشنا خلالها أيام الفرح والحزن والغنى والفقر والراحة والقلق. لكن ما أعيشه الان مختلف تماما عن تلك الاعوام التي مضت، فكل تلك السنين كنا بأحضان بلدنا بوسط اهلنا وأحبابنا.. لكن هنا في تركيا لا املك سوى رحمة ربي وزوجي وأبنائي....فهم الذين خرجت بهم من هذه الدنيا، العوز في الغربة خصوصا ومتطلبات الحياة من توفير أيجار الشقة وتسديد أجور الفواتير من كهرباء وماء وتوفير (فحم) للتدفئة... جميع هذه الامور جعلتنا في حالة هستيرية على مدار الوقت، فلا نقاش بيننا الا المشاجرة والصراخ والصراع بين تحمل الوضع هنا او العودة للموت في بلدنا.

أما لمياء (36)عام فقالت أن زوجي هو كل شيء لي كما أني كل شيء له.. وان الغربة هي التي وثقت علاقتنا ببعضنا أكثر وأكثر.. فقد علمتني الغربة الصبر وقد تعودت عليه.. فليس أصبر من امرأة تغترب عن أهلها ووطنها... وما تواجهه من مصاعب قاسية، كما أنها علمتني الاعتماد على النفس...وتدبير الامور وقد تعودت عليه ايضا لأنه سيكون سهل جدا تدبير البدائل لأني في الغربة لا أستطيع توفير كل شيء كما في بلدي، وعلمتني القناعة ....وأصبحت والحمد لله شديدة القناعة اكثر من قريناتي في العراق....فأنا الان أطلب القليل وأقنع به.

وأضافت : إن الحياة في تركيا للاجئين قاسية جدا. فأنا وزوجي وأطفالي تأتي علينا ليال ننام بدون عشاء لكن نحمد لله ونشكره على أننا خرجنا أحياء من العراق بعد ان جرى علينا ما جرى في العراق. فبصبري وابتسامتي وتحملي لمصاعب شتى أصبحت أمل زوجي.. فقد أصبحت له الام والاخت والصديقة والحبيبة والزوجة.

 

حب عراقي تركي!

وهناك حالات كثيرة سمعتها مراسلة (نرجس) من اللاجئين في تركيا منها حالات طلاق بسبب مواقف تعرض لها الزوجان نتيجة لقساوة العيش، وهناك حالات زواج من عراقيين باتراك كثيرة ايضا منها قصة رهام التي جاءت إلى تركيا هي وعائلتها والتي أحبها شاب تركي يدعى (لقمان) لكنه يخشى التقدم لخطبتها خوفا من رفض والدها، الا انه وبعد ان علم ان عائلة رهام لم يبق لهم الكثير وسينتقلون إلى دولة الاستيطان جن جنونه وتقدم لخطبتها وقد وافق والد ريهام لأنه أيقن ان سعادة ابنته مع هذا الشاب وتزوجت رهام من لقمان وسافرت عائلة رهام الى كندا والان ريهام قد رزقت ببنت جميلة لكن رهام بالكاد تنطق العربية لأنها لا تستخدمها كثيرا فقد مر على زواجها 7 سنوات....وهي سعيدة بأسرتها الصغيرة.

 

للغربة أسباب!

للغربة أسباب و مخلفات كثيرة، وكثيرون ممن يعيشون في الغربة.  كلنا يعرف أن طعم الغربة مر، وأن مرارتها لا تطاق، تقضم جسد الانسان وتنهش من طاقته وإطلالته، تفتت حيويته وتقتل رغباته. لكن افضل ما يساعد المرء على الغربة وأهوالها ومصاعبها هو رفيق صالح...أخ في الدين أو زوج (زوجة) صالح يعين شريك حياته ويقف معه يدا بيد في وجه الريح.

هناك العديد من اللاجئين العراقيين في تركيا، ممن قابلتهم مراسل (نرجس) منهم من هرب منذ فترة النظام السابق ومنهم من دفعته الظروف الأمنية المتدهورة لترك البلد.

يقول عبدالله ابوهديل (33) عاما انه هرب لتركيا منذ14سنة وانه الان يملك معرضا للأجهزة الكهربائية ويصف حياته بالجيدة جدا رغم العقبات التي واجهها في بداية الامر الا انه مؤمن بان كل شيء ببدايته صعب..

اما مصطفى (21) عاما والذي اضطر الى ترك البلد لقتل والده من قبل جماعات مسلحة امام عينه فقد رحل هو ووالدته وشقيقته عسى ان يجدوا الامان الذي فقدوه. ويحمد الله لأنه وجد فرصة عمل رغم مشقتها الا انه قادر على توفير إيجار السكن ودفع الفواتير... وأضاف بانه في بعض الاحيان يأتي رجال الشرطة للبحث عمن يعمل من اللاجئين لان العمل ممنوع ويقول في حال رأيت رجال الشرطة اهرب وان مسكوني أتظاهر باني اخرس وأطرش.

وبعد الذي رأيناه من هموم اللاجئ العراقي في تركيا خصوصا وفي بلدان اخرى، اتفق جميع اللاجئين على جملة اسئلة وجهوها عبر (نرجس)  تقول: أين الحكومة العراقية من معاناة اللاجئ العراقي؟ وأين وزارة الهجرة والمهجرين من هذا؟ اين المنظمات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني من واقع اللاجئين الذين تتلقفهم أيادي الغربة كأنهم غنائم تعبث بهم كما تشاء؟

أين دور السفارة العراقية في تركيا مما يحدث هناك؟



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2