تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


طقوس الشاي وطقوس الكتابة


لطفية الدليمي

قبل أن يصدر كتاب الشاي للكاتب الياباني اوكاكورا كاكوزو بالعربية في سنة 2009 بترجمة سامر هواش عن مشروع كلمة في الإمارات –كنت قد أعددت ست نصوص طويلة عن الشاي لـ"كتاب الشاي" نشرت معظمها في موقع كيكا الثقافي وموقع الأوان سنة 206 و2007-


 وكنت قد نشرت أول نص به لمحات صوفية عن الشاي سنة 1978 في مجلة الطليعة الأدبية بعنوان "موسم الشاي" افتتحته بالعبارة التالية:  

"يشرب الناس المسكرات لينسوا أحزانهم وأشرب الشاي لأحصيها"، واعتبرت الشاي شرابي المقدس الذي لا يدانيه شراب وقرأت عن أصل تحضير الشاي من قبل رهبان الصين في أديرتهم النائية حين اكتشف احدهم نبتة الشاي مصادفة عندما أغوته رائحة الأوراق الشذية فقطفها ومضغها واستطاع تلك الليلة أن يسهر طوال الليل ليؤدي طقوس التعبد فأطلقوا على الشاي قبل ان يتوصلوا الى ابتكار طرق تصنيعه وتجفيفه اسم (خمرة الصالحين) وقيل أن الراهب راقب الماعز الجبلي الذي يستمر صاحيا أياما عديدة لأنه يرعى نبات الشاي فجرب أن يمضغ الاوراق الشذية.

 كنت أحضر الشاي الأخضر الآسيوي الصيني او الياباني في أكواب من البورسلين الأخضر منقوشة برسومات يابانية رقيقة واشربه على مهل مع أصدقائي وصديقاتي صحبة موسيقى صينية عتيقة تشيع جوا من السمو والتأمل والصفاء الروحي في عشيات الحروب والحصارات، لعلنا نسهو برهة تأمل عن أحزاننا وأسى الروح.. 

 مع الشاي اشرع بالكتابة كل صباح يوم كان لي بيت ومكتبة عامرة قبل تشردي خارج العراق. يحضر الشاي على منضدة الكتابة مع أقلامي المترعة حبرا أسود وأوراقي البيضاء ويتصاعد شذاه الطيب العذب وكأنه الترياق الذي يعزلني عن العالم الخارجي ويهيئني للعمل والانغمار في أجواء القصص أو الروايات مع عبير زهور وزنابق اقطفها أوان الشروق من حديقتي لتكتمل طقوسي الصباحية وعندما تستغرقني الكتابة يبرد قدح الشاي فأهيئ قدحا ثانيا وتتكرر الحكاية وكأنها تمرين على مواصلة الانغمار بطقس الشاي الملازم لطقس الكتابة وانعزالي عن العالم الخارجي، كان الشاي وسيبقى بالنسبة لنا نحن العراقيين رفيق أيامنا مهما تناقضت أمزجتها وأحداثها المبهجة مثلما يبقي حاضرا في أيام الأسى والأحزان والفقدانات فنحن نشربه في الأعراس وحفلات الطهور والمآتم ونحتسيه على الطرقات النائية بين بغداد والسجون الصحراوية البعيدة عندما نقوم بزيارة أهلنا المعتقلين ونشربه عندما نعود مريضا أو نبارك بفرح او خطبة او عودة من سفر.. 

 نحضر شاي العصر على الجمر أو في السماورات المزخرفة الأنيقة، ونشربه في حفلات نسوية تسميها النساء في مدن ديالى وقراها (شاي العباس) تنذر الواحدة منهن حفل شاي باسم العباس عليه السلام مثلما ينذرن خبز العباس إذا نجح لها ولد أو بنت او تحققت أمنية عزيزة، وفي الحفل تقدم الكليجة وخبز العروق والرقاق والمكسرات وتقوم الفتيات بالرقص والغناء وهن في اجمل ثيابهن وزينتهن، وكنا نشربه في مقهى صندور عندما نذهب الى مصايف الجبل بين أشجار التين والتفاح و قمريات العنب ونطل من هناك على الوادي المزروع وقرية صندور ويحضر لنا ابو عمر مالك المقهى ابريق شاي على الجمر مع خبز الرقاق وقشفة اللبن.

في وقت ما اكتشفت ان مذاق الشاي يكون حقيقيا تماما إذا شربناه صرفا كما يفعل الاسيويون دون اضافة السكر إليه على عادة البريطانيين، وجعلت للشاي نسبا عراقيا إذ صرت اشربه مع حبات التمر وأصبح طقسا عراقيا أصيلا.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2