تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


جرائم غسل العار


محمد فوزي

 جرائم غسل العار أو جرائم الشرف من الجرائم الخطيرة التي تهدد حقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة يرتكبها الرجل بقيامه بقتل امرأة من أفراد عائلته بسبب وجود علاقة محرمة على وفق القيم الاجتماعية السائدة بينها وبين رجل آخر وأحيانا لمجرد الشك بوجود تلك العلاقة ويتخللها سفك الدماء باستعمال 


الأسلحة النارية أو خنق الضحية أو إنهاء حياتها بآلة جارحة، دون أن تلقى هذه الظاهرة ردا مجتمعيا حادا، لا سيما أن هناك من يحاول شرعنتها اجتماعيا.

(نرجس) رصدت قصصاً مأساوية وتجارب معاشة في جولة واسعة سألت فيها قانونيين وقضاة عن مدى الخطوات المتخذة لمواجهة مثل هكذا جرائم، لاسيما أن بعضاً منها يرتكب لأجل الشك فقط، وسط عادات بعيدة عن أيّ تفكير بمشاعر المرأة ووضعها وسط تابوات تحرم عليها الحب والحياة وتفرض عليها رجلاً لم تختره أبداً، كـ(أمل) التي سيقت لابن عمها.

 

حلم أمل المذبوح!

  فتاة جميلة تعيش في مجتمع تسوده عقلية همجية، تحلم أن تكمل تعليمها وان تختار بنفسها الرجل الذي يستحقها كي تعيش معه حياة ملؤها الحب والتفاهم، تمنت أن تغفو يوما بين يدي حبيبها وإذا بصرخات وسياط الجلادين توقظها من غفوتها ويقتل حلمها الوردي، حكم عليها القدر أن تكون زوجة لابن عمها الذي خصصت له منذ اليوم الأول لولادتها وهكذا صعقت أمل صعقة اشد قوة من الصعقات الكهربائية قتلت أحلامها واغتيلت مشاعرها والكل تناسى إن أمل هي إنسانة لها مشاعر شأنها شأن أي إنسان لم تكن قادرة على البوح بسرها الذي طالما كتمته داخل قلبها ومشاعرها الشفافة وزفت إلى ابن عمها وكأنها قد زفت للمنية والموت المحقق مرت الأيام ومالت عواطفها إلى (ب) ذلك الشاب الذي كان زميلها في الدراسة وقد بادلها حبا مبهما صامتا واستطاع أن يوقظ كل أحاسيسها ويلتقيان خفية حتى تم اللقاء عند خروج زوجها وكان ما كان إلا إن القدر لعب دوره وعاد الزوج فجأة إلى الدار وصعق بما رآه، ظل صامتا وسلم أمل إلى أهلها كي ينفذوا حكم الإعدام بها غسلا للعار وأما (ب) فقد هرب إلى بلد آخر وترك حبيبته سابحة بدمائها مقطوعة الرأس وطفلها الرضيع يبكي جائعاً.

 

فرح بلا فرح

فرح هي الأخرى تعيش بلا فرح، تحيا حياة قاسية حزنا على مقتل شقيقتها على يد إخوتها قبل سنوات بجريمة غسل العار وهي تشاهد كل يوم شقيقها قاتل أختها كما تشاهد كل يوم الشاب الذي غرر بأختها وهي مارة إلى عملها أصبحت حياتها جحيماً، على ما تقول لـ(نرجس) رافضة الكشف عن تفاصيل القصة بسبب تأثرها.

 

إعفاء!

نجد من خلال الاطلاع على القوانين العقابية في اغلب البلدان العربية والإسلامية أن هناك نوعا من تخفيف العقوبة بحق الرجال الذين يرتكبون هذه الجريمة ضد أفراد عائلاتهم الإناث وقد تصل إلى الاعفاء، وبهذا الصدد يوضح القاضي باهر نجم عبد الله العزاوي وهو قاضي تحقيق في رئاسة محكمة الكرخ الاتحادية إن «المادة 409 ق.ع تنص على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من فاجأ زوجته أو احد محارمه في حالة تلبسها بالزنا أو وجودها في فراش واحد مع غريمها فقتلهما في الحال أو قتل احدهما أو اعتدى عليهما أو على احدهما اعتداء أفضى إلى الموت والى عاهة مستديمة».

وأشار القاضي العزاوي إلى شروط تطبيق النص وهي أن يقع قتل أو ضرب مفض إلى موت أو الى عاهة مستديمة ويكون الجاني رجلا والمجني عليه زوجته أو إحدى محارمه أو شريكها والاهم من ذلك أن يرتكب القتل أو الاعتداء حال المفاجأة بالزنا أو الوجود في فراش واحد مع الشريك في الجريمة ولا تهم طريقة القتل ولا الوسيلة المستعملة وبغض النظر عن النتيجة قتلا كانت أو ضربا مفض إلى الموت أوالى عاهة مستديمة أي لا يهم مستوى الاعتداء بل يجب أن يكون ذلك الاعتداء صادرا عن رجل وهذا الرجل هو الزوج أو شريكها أو على كليهما أو عن محرم على إحدى محارمه أو شريكها أو على كليهما كما يجب وقوع الاعتداء حال تلبس المجني عليها بفعل الزنا وأمر ذلك متروك لتقدير المحكمة وبالإمكان تحديد حالة التلبس بفعل الزنا على ضوء ما أشار إليه الفقه فهو أما وقوع الفعل الجنسي وقت المفاجأة ا وان هناك قرائن قوية تبعث على الاعتقاد بوقوع فعل الزنا أو بقرب وقوعه.

 

الفراش الواحد!

أما اصطلاح الفراش الواحد –والكلام للقاضي- فليس المقصود به وجود الزوجة أو أحد المحارم مع غريمها في سرير واحد بل يعتبر فراشا واحدا كل خلوة وفي أي مكان سواء على الأرض أو على السرير أو في السيارة أو أي مكان آخر شريطة توفر صفة العشق في الشريك أي إن الشريك له علاقة جنسية غير مشروعة بالمرأة وفي جميع الأحوال فالأمر متروك لرأي المحكمة تستخلصه من ظروف الواقعة وملابساتها.

ويؤكد القاضي أن عنصر المفاجأة ضروري لتطبيق النص وفيه تكمن علة التخفيف والمفاجأة تجعل الرجل في حالة استفزاز شديد وتهيج عصبي ونفسي يجعله أعمى البصيرة غالبا ما يدفعه إلى الاعتداء المميت وقد يكون اعتداؤه معاصرا للمفاجأة أو قد يكون اعتداؤه لاحقا لإصابة الرجل بالذهول بعض الوقت أو قد يكون ليس لديه سلاح فيقوم بالبحث عنه لإتمام عمله.

 

عادات وتقاليد

لقد ازدادت ظاهرة قتل النساء بشكل كبير في العراق تحت مسمى غسل العار وهذا يعتبر اخطر ما ورثه الإنسان في المجتمع العراقي من آبائه وأجداده الأولين وهي بعض العادات والتقاليد المقيتة والمنبوذة والتي لم يستطع التحرر منها لغاية هذا اليوم ويدفع ثمن هذا التخلف المجتمع الحالي في الوقت الذي شهد تطورا ملحوظا في المجالات الاجتماعية والإنسانية والعلمية كافة تلك العادات المتمثلة بالقتل المتعمد بسبب ما يسمى غسل العار أو ما شابه ذلك من تسميات قبلية وعشائرية.

 

عهود مظلمة

وتقول متخصصة في علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة بغداد أن العائلة التي يقع عليها الحدث هي من تدفع الثمن لهذا النوع من الفعل المتخلف والمرأة بالدرجة الأولى لأنها إما أن تترمل أو تطلق أو تقتل أو تعوق وغير ذلك نتيجة التقاليد والعادات الموروثة من عهود مظلمة سابقة.

وتضيف الاستاذة المساعدة الدكتورة  فريدة جاسم أن المعطيات الإحصائية خلال الأعوام المنصرمة في ظاهرة قتل النساء والتي ترتكب بمفهوم جرائم الشرف أو ما تسمى غسلا للعار في ارتفاع مستمر من عام إلى آخر وحسب نتائج دراسات منظمات دولية ومنظمات المجتمع المدني لعام 2007 قد ازدادت بشكل كبير وتشير كذلك الإحصائيات بزيادة حالات الانتحار للفتيات في إقليم كردستان بنسب كبيرة هربا من قسوة التقاليد والأعراف القبلية القديمة وقلة الوعي الثقافي مع جيل الشباب الحالي المتفتح الذي يعيش عصر الذرة والإلكترون.

ومضت في حديثها تقول «يقوم الكثير من أفراد العائلات بقتل النساء بذريعة غسل العار نتيجة شبهات أو اتهامات آو بسبب محاولة من البعض الإساءة المقصودة لهذه العائلة أو ما تقوم بها المجموعات الإرهابية من اختطافات لأسباب مالية نتيجة ضعف القانون بعد عام 2003».

 

الحاجة إلى توعية

إن مواجهة جرائم غسل العار لابد لها من مشروع شامل للتغيير الاجتماعي مشروع مبني على التنوير والتقدم والديمقراطية في المجالات كافة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة القانونية بين الجنسين ولابد من وضع برامج لمكافحة العنف ضد الفتيات والنساء والتعاون بين الجهات الرسمية المختصة والمنظمات الدولية والمنظمات النسائية غير الحكومية من خلال توعية النساء والفتيات بحقوقهن القانونية عن طريق الندوات والمحاضرات والنشرات الإعلامية.

ويؤكد الإعلامي الأكاديمي الدكتور كاظم المقدادي إن ظاهرة غسل العار في العراق لا تشكل خطرا اجتماعيا على الحياة المدنية في العراق إلا أن حقوق المرأة بشكل عام في خطر بسبب تجاهل المؤسسات الرسمية لهذه الحقوق.

ويضيف قائلا إن الموقف السليم هو أن تكون هناك توعية بهذا الاتجاه كي تكون صورة العراق في الخارج بمستوى يليق به حضارة وتاريخ.

من جهتها تقول الإعلامية سرى داود من إذاعة الرشيد أنني امرأة قبل أن أكون إعلامية إن كل معطيات الدولة العراقية لن تعطي المرأة حقها حتى بعد سقوط النظام وحتى نسبة الكوتا غير صحيحة والموضوع يحتاج إلى دراسات وتكاتف الجهود والتوعية لابنائنا وبناتنا والتضامن مع المرأة وتشكيل لجان للدفاع عنها وحمايتها من العنف والقتل ومراجعة شاملة لكل القوانين والأنظمة والتشريعات والتعليمات المتعلقة بحقوق النساء والفتيات بهدف إلغاء أشكال التمييز كافة ضد المرأة وحمايتها وإجراء التعديلات اللازمة التي تكفل المساواة بين الرجل والمرأة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2