تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المرأة الريفية قهر.. معاناة.. وأمل!


عدوية الهلالي 

أيامها متشابهة، كأجنحة مروحةٍ لا تنفك عن التوقف، تبدأ بالعمل المبكر، وتنتهي بالنوم المبكر، لغرض النهوض المبكر أيضاً، وهكذا تستمر الدوامة اليومية وتدور المرأة فيها طوال اليوم دون كلل أو جزع، فهي حياتها التي اعتادتها ولم تجد بديلا عنهاً.. لم تعتد الشكوى أو التوقف لالتقاط الأنفاس فهي مطالبة بالعمل وتحمل المسؤولية باستمرار ومنذ طفولتها. 


 

 

 

إنها المرأة المنزوية بين النخيل والزرع والماشية، لإنجاب الأطفال وإدارة شؤون المنزل والخروج في الوقت نفسه إلى الحقل لتمارس مهام الرجل الخشنة، وعزاؤها الوحيد في حياتها هو رؤية أولادها يكبرون وينجبون، وخلال تلك الرحلة الشبيهة تواجه المرأة الريفية معوقات وواقعا مأساويا ربما كان السبب في منحها الصلابة والصبر فضلا عن سمرة مكتسبة من حرارة الشمس وخشونة في اليدين ووعيا وبصيرة تلقائيين، في الوقت الذي تترك فيه آلاف النساء الحضريات بصماتهن على خارطة التطور في المجتمعات كافة. 

تفتح (نرجس) ملفها في هذا العدد لتسليط الضوء على واقع حاملات المنجل، وللولوج إلى هذا العالم الكبير لا بد من معرفة تفاصيل حياتية وقصص لأولاء النساء، والغريب أن «أكثرهن لا يرين ضيراً في العيش بظل هذه الحياة القاسية»، كما تقول (سعاد) التي كانت في ضيافة (نرجس). 

 

اعتياد!

ولا تشكل معيشة سعاد بهذا الشكل مشكلة بالنسبة لها فقد تربت منذ صغرها على مساعدة اهلها وطاعتهم طاعة عمياء وخدمة الأشقاء دون مناقشة لأنهم ذكور ولا يمكن للمرأة أن تتفوق عليهم بأي شيء.. ورغم ان طموحا متواضعا نما لدى سعاد حين بلغت المرحلة المتوسطة بإكمال دراستها والعمل كمحامية لإعجابها بالمحاميات في المسلسلات والأفلام العربية لكن عدم وجود مدرسة متوسطة للفتيات في منطقتها الريفية في أطراف بغداد منعها من الاستمرار فضلا عن الأعراف العشائرية التي يؤمن بها أهلها والتي تقضي بان مكان المرأة الحقيقي هو المنزل وواجبها الرئيسي هو خدمة الزوج وتربية الأولاد.. وهكذا التحقت سعاد بركب فتيات قريتها فانتظرت الزوج الذي لا يخرج حتما عن دائرة ابناء عمومتها وبدأت معه حياة شبيهة بحياة والدتها وجدتها من قبلها. 

 

زحف الحضارة!

ومن جانبها، تعترض الحاجة الريفية ام حميد على مقارنة الحاضر بالماضي فهي ترى ان الريف الحالي يختلف كثيرا عن ريف الماضي فلم تكن هناك حنفيات للماء النقي او تيار كهربائي، كما أن الحالة المادية في الأرياف اختلفت فضلا عن التأثر بالحضارة في المدينة فامتلأت المنازل الريفية بالأجهزة الكهربائية المختلفة التي سهلت عمل النساء لذا تعتبر ام حميد النساء الريفيات الان متبطرات وكسولات لاعتمادهن على الطباخ الغازي والتنور الغازي والغسالة مؤكدة على ان الريف العراقي فقد طعمه وجماله منذ ان زحفت نحوه مظاهر الحضارة.

 

وتتفق المعلمة نور صباح التي تمارس التدريس في الريف منذ ثلاث سنوات مع الحاجة ام حميد في هذا الجانب ولكن فيما يخص تأثر الفتيات الريفيات بما تعرضه القنوات الفضائية فقط وما جلبه لهن الهاتف الخلوي من متاعب كن في غنى عنها فحياة الريف المغلقة لم تعد ترضي بعض الفتيات فلجأن إلى استخدام الهاتف المحمول –سرا– لإقامة علاقات مع أبناء قريتهن أو القرى الأخرى أدت أحياناً إلى نتائج وخيمة لأن ابنة الريف لا تجد من يتفهم حاجتها إلى الحب لذا تضطر إلى الرضوخ لما يحكم به أهلها في حالة اكتشاف علاقتها فإما يتم إجبارها على الزواج من احد أبناء عمومتها حتى لو كان متزوجا أو اكبر منها بكثير.. أما إذا تجاوزت علاقتها الخطوط الحمراء فستكون عرضة للقتل عملا بمبدأ (غسل العار).

 

بين الأمية والزواج 

في قرية (الرواشد) القريبة من ناحية الكرمة التابعة لقضاء الفلوجة، تم افتتاح فرع للفتيات في الثانوية الوحيدة فيها بعد ان كانت مختلطة وهو السبب الذي كان يجبر الأهالي على حرمان بناتهم من إتمام دراستهن الثانوية.. ولاقت هذه الخطوة قبولا لدى عدد لا بأس به من الأهالي الذين سمحوا لبناتهم بإتمام دراستهن واستأجروا لهن خط نقل لتجنب السير إلى المدرسة لمسافة طويلة.

احدى الطالبات قالت انها تمكنت من إقناع أهلها بإتمام دراستها لكنها لا تثق في قدرتها على إقناعهم بدخول الجامعة بعد إتمام المرحلة الثانوية فلم تصل إليها اية فتاة من القرية من قبل مادام العريس ينتظر وهو غالبا ابن عمها الذي لا يمكنها رفضه مهما حاولت إذ مازال قانون (النهوة) العشائري ساريا في تلك المناطق. 

ومازال بعض ابناء الارياف يصادرون رغبات بناتهم مهما كانت مشروعة، فحين يلوح شبح ابن العم، لابد ان تختفي ملامح كل من يمكن للفتاة التفكير فيه خارج تلك الدائرة الصغيرة التي تسجن فيها منذ ولادتها.

 

النهوة!

يقول هاشم محمد، وهو باحث اجتماعي ان ظاهرة «النهوة هي من الحالات السيئة الموروثة بسبب الظروف القاسية التي عاشها البلد منذ سقوط بغداد على يد المغول وتجمع العشائر في اماكن متفرقة بحكم ظروف المعيشة وفقدان الأمن، وهنا ظهرت « النهوة « كحالة محرمة ومرفوضة قانونيا وإنسانيا لأنها عبودية لكنها مورست بكثرة في الأرياف ومازالت موجودة رغم التطور العلمي والثقافي ورفض القوانين الحديثة لهذه الظاهرة المجحفة.. وللنهوة آثار سلبية عديدة فهناك مثل شائع تردده النساء المرغمات على الزواج في الارياف وهو «من الباب للكوسر فرج» والمقصود به ان يطرأ طارئ مفاجئ يغير الامور لصالح العروس وتجد نفسها فجأة وقد تخلصت من الزوج الذي أرغمت عليه لتختار نصيبها بنفسها.

 

 باعوا مريم!

ومريم واحدة من تلك العرائس، فقد وجدت نفسها فجأة ضحية لمبدأ (النهوة) حين تقدم ابن خالتها لخطبتها إذ اعترض ابن عمها لأنه أولى بها..، وتحول الامر الى ما يشبه التهديد، ثم فوجئ الجميع بمطالبة ابن عمها بمبلغ كبير يدفعه له ابن خالتها ليمنحها حريتها، ورغم استهجان الجميع لأسلوب «التسول « و»الابتزاز» الذي مارسه ابن عمها فقد وافق ابن خالتها في الحال وعادت لمريم حريتها بينما حصل ابن عمها على مبلغ لم يكن يحلم به ليتزوج بدوره من فتاة اخرى!!

يؤكد احد وجهاء عشيرة بني تميم وجود مثل هذه الحالات المنبوذة واستخدام النهوة كوسيلة للابتزاز حيث يطلب ابن العم مبلغا معينا من الراغب في الزواج من ابنة عمه مقابل موافقته على زواجه منها حتى لو كان طالب الزواج هذا لا يناسبها فالمهم هو الكسب المادي في هذه الحالة، وقد تضاعف انتشار هذه الظاهرة مع تزايد العنف وتسلل الخوف الى اهالي القرى والارياف عندما غاب القانون وعاد مبدأ القوة ليصبح فيصلا بين الناس...

ويصعب على الأرجح ايجاد جانب ايجابي لمبدأ (النهوة) مادام يعبر عن الإرغام والإكراه ويقود الى عواقب وخيمة أحيانا لكن الشيخ سهيل الحمداني يرى فيها جوانب ايجابية في بعض الاحيان إذ يمكن اعتبارها نوعا من الاعتزاز ببنت العم والحرص عليها في حالة كون الزوج غير مؤهل وعليه شوائب كثيرة، ففي العرف العشائري يؤخذ عامل النسب بعين الاعتبار، وفي حالة ارتباط المرأة بشخص لا يمتلك نسبا أصيلا او توجد مؤشرات سلبية على سلوك عشيرته أو عائلته فمن حق أقارب الفتاة الاعتراض ومنعها من الزواج منه.. كما يجد الحمداني في الزواج احيانا إنهاءً للخلافات بين ابناء العم او العشائر لأن لهذا الامر دوره في ادامة صلة الرحم والقضاء على العداوات والبغضاء...

لكن الحمداني يرفض في كل الأحوال ارغام الفتاة على الزواج ويعتبر ذلك «بيعا لها» ولا يتناسب مع مروءة وشهامة أبناء العشائر ويفضل إقناعها وجعلها تدرك ان ارتباطها بأبناء عمها أفضل لها. 

 

 وجوه أخرى للزواج 

مازال ريفنا العراقي يزخر بالكثير من حالات التخلف وغبن المرأة خصوصا –ومنها تزويجها وفق نظام (المقايضة) او (البدل) او (كصة بكصة) كما يطلق عليه في العراق، اذ يلجأ بعض الآباء الى هذا الزواج لإدامة الصلة بين الأشقاء بتزويج أولادهم وبناتهم فيما بينهم ويستخدمه احيانا شباب يقيمون علاقات مع شابات من قريتهم او قرى مجاورة ولتجنب (نهوة) ابناء العم يزوجون شقيقاتهم لاشقاء حبيباتهم كنوع من (البدل ) ولا ينجح مثل هذا الزواج غالبا اذ يتزوج احد الطرفين بناءً على علاقة عاطفية بينما يجبر الطرف الثاني على الزواج لارضاء الاشقاء فقط، وعندما يختلف احد الطرفين او يحصل اطلاق يتضرر الطرف الثاني حتى لو كان على وفاق ويحصل الطلاق للجميع فيكون الكل ضحايا واولهم اطفال الطرفين!!

وترى الباحثة الاجتماعية نهلة سليمان ان ظاهرة زواج البدل التي تنتشر في الأرياف تعود بالضرر غالبا على طرف دون الآخر وسبب لجوء البعض لهذا الزواج هو محاولة زيادة التماسك الاجتماعي بين العوائل او اختصار النفقات، لكن النوايا الطيبة التي تختفي خلف هذا الزواج سرعان ما تنتهي وتتحول احيانا إلى عداوات بسبب المساوئ الناتجة عن زواج البدل وابرزها انهيار زواج دون الآخر او انهيارهما معا فضلا عن تساوي المهور وطريقة تجهيز العرسان وفي هذا ظلم للعرائس اللواتي ينتظرن أيام الزواج بلهفة لتحقيق أحلامهن في شراء ما يرغبن به ويتميزن به عن سواهن.

وتقترح الباحثة نهلة سليمان قيام المنظمات والجمعيات الحكومية بتنظيم ندوات وجولات في القرى والمناطق الشعبية لتوعية السكان بضرورة نبذ العادات البالية في ما يخص الزواج لأن الضحايا دائما هم جميع الاطراف بمن فيهم الأولاد، كما تدعو إلى تضمين المناهج الدراسية الجديدة مواد عن حقوق المرأة والمعاناة التي تواجهها بسبب التقاليد البالية وتوعية الطلبة بكيفية محاربة هذه التقاليد لئلا يكون احدهم يوما ضحية لأحدها..

 

فصلية!

وهناك صيغة أقسى لتزويج الفتاة الريفية وهي إعطاؤها كـ(فصلية) لدى اجراء فصل عشائري لحقن الدماء في حالات القتل وتكون جزءا من (دية) الفصل وتعامل غالبا بازدراء وسلبية.

اما الصيغ الاكثر انتشارا في الريف فهي تزويج الفتيات في سن مبكرة جدا وتعدد الزوجات فهناك مثل يقول بان القروي اذا تحسنت حالته المادية فاما يشتري بندقية او يتزوج بامرأة اخرى، ورغم صحة المثل الا ان الرجال في الريف لا يهمهم حتى موضوع المال لو فكروا في الزواج بامرأة اخرى فالزواج الريفي اقل تكلفة من الزواج الحضري كما ان الرجل الريفي لا يواجه رفضا كبيرا من زوجته الاولى اذا اراد الزواج بثانية ولارفضا من الثانية لو اراد الزواج بثالثة لأنها سترضخ في النهاية لأمره حتى لو رفضت وسيتزوج رغما عنها ولن يردعه اهلها لأن هذا الامر معيب في الريف فمن حق الرجل الزواج باربع نساء لذا تضطر النساء الى الترحيب بزواج الرجل والاعداد له والاحتفال مع المحتفلين به والا تتعرض للسخرية من (غيرتها) غير المبررة عليه!! 

ولأن الزواج من القاصرات مرفوض قانونا وكذلك الزواج بزوجة ثانية دون موافقة الزوجة الاولى لذا يلجأ اغلب الرجال في الريف الى الزواج خارج المحكمة او الاكتفاء بعقد رجل الدين الذي يتم في المنزل ودون تصديق في المحكمة، وهناك حالات في الريف تم فيها عقد قران الزوجين في المحكمة بعد زواجهم بسنوات وإنجابهم عدداً من الاطفال ولغرض استخراج شهادات ميلاد لاولادهم وبطاقة تموينية للعائلة..

ورغم تأكيد القاضي ناصر الموسوي على وجود نص قانوني في قانون الاحوال الشخصية يفرض عقوبة على الشخص الذي يتزوج خارج المحكمة كما جاء في المادة العاشرة الفقرة الخامسة (يعاقب كل من يتزوج خارج المحكمة بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة او بغرامة لاتقل عن 300 دينار ولاتزيد على الف دينار كل رجل عقد زواجه خارج المحكمة، وتكون العقوبة الحبس مدة لاتقل عن ثلاث سنوات ولاتزيد على خمس سنوات اذا عقد خارج المحكمة زواجا آخر مع قيام الزوجية )، الا ان الكثير من الناس يتبعون طريقة الزواج خارج المحكمة بسبب الجهل القانوني –كما يرى الموسوي –لاعتقادهم بان هذا الزواج امر مشروع... ويدفع الموسوي تهمة التقصير عن القضاة بحجة عدم ترديدهم صيغة العقد (الايجاب والقبول) بين الزوجين فالقاضي ملزم باجراء صيغة العقد وفقا للمادة الرابعة والسادسة من قانون الاحوال الشخصية التي تدعو الى وجوب الحضور للمحكمة واجراء عقد الزوج بدلا من الزواج خارج المحكمة مادام ذلك يعد جريمة قد تسجل كسابقة له في مكتب الادلة الجنائية.

 

ومتاعب اخرى 

ويرى الباحث الاجتماعي مؤيد الابراهيمي من كلية الآداب في جامعة بغداد ان التقاليد الريفية تندرج تحت النظام العشائري الذي ينظم حياة الأفراد في الارياف بقدر مايفرض عليهم احيانا أعرافا جائرة كما يحدث في حالات تزويج الفتيات، ويؤمن الإبراهيمي بضرورة صيانة كرامة المرأة الريفية من خلال اختيارها لزوجها ومعاملتها كإنسانة ومساعدتها على اتمام تعليمها مؤكدا على دور منظمات المجتمع المدني في مد يد المساعدة لها ومسؤولية الدولة في رعايتها صحيا وتربويا واجتماعيا.

واضافة الى متاعبها الاجتماعية، تعاني الكثير من الريفيات من مشاكل صحية يعود سببها الى عدم اتباع الوسائل الخاصة بحياة المرأة ويقف وراء ذلك الجهل والبعد عن الحضارة فالزواج المبكر والولادة على ايدي القابلات وكثرة الانجاب واتباع مفاهيم خاطئة واهمال جوانب الصحة العامة تؤدي كلها الى تفاقم الازمة الصحية للمرأة الريفية بشكل عام.. وعن تأثر الاطفال بالواقع الصحي المتردي في الارياف يقول الدكتور محمد غني من مستشفى الاسكان للطفل ان المستشفى يستقبل يوميا من الأرياف عشرات الأطفال المصابين بالجفاف والالتهابات المعوية والتيفوئيد ولين العظام وسبب ذلك هو ان العديد من العوائل الريفية لا تلقح اطفالها وتهمل النظافة العامة فالاطفال يتناولون الاطعمة دون غسلها ويسبحون في السواقي ويخضعون لمفاهيم خاطئة في العلاج احيانا فأغلب سكان الريف لا يعتقدون بوجود الجراثيم أو الالتهابات وانما يعتقدون بان الرضيع قد (كرف) شيئا ما، أي انه تنفس رائحة احدى الحيوانات مثل القنفذ، فيستخدمون (الكي) على بطن الطفل ويضعون الكحل في عينيه ويستخدمون دهن الطهي لمعالجة الحالات الجلدية والثوم المحروق لمعالجة التهاب الأذن.. وينصح الدكتور غني بضرورة تكثيف الاهتمام بصحة الاطفال في الارياف خاصة مع انتشار الامراض الانتقالية مؤخرا..

الدكتورة ايمان عبد الرزاق نائبة رئيس منظمة تطوير مهارات المرأة الريفية قالت بدورها ان المنظمة التي تنتمي اليها سعت الى توعية النساء الريفيات صحيا من خلال اقامة الندوات واجراء الاحصائيات عن كثرة حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية رغم صعوبة التعامل مع اهل الارياف فالبعض يتجاوب مع نساء المنظمات وهناك بعض آخر لا يرحب بهن خوفا من تطلع نساء الريف الى ما يدور في المدينة.

الناشطة سعاد خيري اوضحت بدورها ان المرأة الريفية تحمل اعباءً كثيرة وتمارس حياة رتيبة بحيث لا يسعفها الوقت حتى للاعتناء بنفسها كما انها محرومة من التعليم وحضانة الأطفال وتتعرض لضغوط اجتماعية متعددة ما يفرض على المسؤولين مساعدتها على النهوض صحيا واجتماعيا من خلال الإكثار من المراكز الصحية والمدارس ودورات محو الأمية.. وقد دفعت المرأة الريفية ثمنا باهظا وهي تتعرض للواقع المتردي طوال سنين لذا تستحق شيئا من الاهتمام كما تقول المحامية سحر الياسري من مركز الدفاع عن حقوق المرأة العاملة ملفتة الانتباه الى عدم وجود اي نص قانوني يمنع تملك المرأة للأراضي الزراعية بيعا وشراء او حتى عن طريق الارث لكن هناك عوائق دينية واجتماعية وأعرافا عشائرية تمنع انتقال الاراضي الزراعية ارثا فلا تسلم للمرأة الارض الزراعية بوصفها رمزا للعائلة ولا يسمح لغير ذكور العائلة بتملك الارض الزراعية اضافة الى وجود فتاوى دينية تؤيد ذلك، وتشير الياسري الى صعوبة العيش في المجتمع الريفي الذكوري الذي يهمش دور المرأة مايعرضها لاستغلال اقتصادي مجحف من الرجل فهي تعمل لساعات طويلة دون اجر بوصف العمل عائليا ومن دون اي حماية قانونية او ضمان اجتماعي او تأمين صحي لحمايتها من مخاطر العمل علاوة على اضطرارها الى إهمال أطفالها ومظهرها واحتياجاتها الخاصة كالتعليم وتطوير خبراتها وما إلى ذلك.

ويمكن اعتبار المرأة الريفية ضحية للظروف التي يمر بها البلد باستمرار ابتداء من كونها ام ثكلى وارملة كتب لها ارتداء الثوب الاسود طوال عمرها وتربية الابناء بين عمومتهم فمن المعيب في الريف زواج الارملة بآخر الا اذا كان شقيق زوجها..لكن اكثر ما اوقع المراة الريفية ضحية لجهلها وولائها للرجل هو وقوعها بين براثن تنظيم القاعدة الذي اكتسح الارياف العراقية فقد سلبها حريتها بشكل كامل وجعلها اسيرة نقاب وصمت كامل ثم حولها الى أداة لتنفيذ عملياته الانتحارية.

ويعزو الدكتور نزار القصاب المتخصص في علم الاجتماع سبب موافقة الانتحاريات على تفجير انفسهن الى تعرضهن للتغرير بهن اعتمادا على ولائهن الشديد لرجالهن من ابناء التنظيم، فضلا عن لجوئهم الى اختراق النساء الفقيرات والبسيطات والاميات عبر اتباع اساليب (غسيل الادمغة) وسياسة الترهيب والتهديد واشاعة افكار تحريضية منها ان المرأة في العراق لم تحظ باهتمام الحكومة ومازالت تعيش اوضاعا مزرية...كما يشير القصاب الى وجود تحليلات تكشف قيام التنظيم باختطاف آباء وزوجات بعض النساء لإجبارهن على تنفيذ هذه الاعمال مقابل اطلاق سراحهم او استغلال النساء اللواتي قتل أبناؤهن وأزواجهن والاستعانة بهن في تنفيذ عمليات انتحارية من خلال تحريضهن على الانتقام والقصاص. 

 

انتحاريات!

وتعترف (م،ك) ان شقيقات زوجها كن مستعدات لارتداء الحزام الناسف في فترة من الفترات..  لكن تلك الايام ولت كما تقول (م، ك) ذاتها فقد كشفت الايام زيف تلك التنظيمات وبعدها عن الدين الحقيقي ومحاولتها قتل الأبرياء من العراقيين لذا ابتعد عنها الكثير من أبناء المنطقة وباتوا يكفرون عن ايمانهم السابق بها بالانتماء الى تنظيمات الصحوة ما انعكس على المرأة ايجابيا فعادت لتتنفس بعض هواء الحرية بالخروج من المنزل وخلع النقاب والذهاب الى صالونات الحلاقة في مناسبات الزواج وهو ماتم تحريمه عليها آنذاك فضلا عن السماح لها بمشاهدة التلفزيون ومواصلة دراستها احيانا لكنها فقدت الكثير من احبتها في تلك الفترة مابين شهيد مغدور وقتيل او معتقل بسبب اشتراكه في عمليات التنظيم فضلا عن ذهاب العديد من ازواج النساء وابنائهن ضحايا للاعتقالات الجماعية التي تعقب اي هجوم مسلح ويذهب ضحيتها العديد من الابرياء الذين مازال بعضهم في المعتقلات بينما نجا العديد من القتلة من العقاب ماالقى على النساء مهاما ومسؤوليات مضافة فصار عليهن اعالة اسرهن والاشراف على كل شؤونها وتدبير معيشتها بصعوبة فضلا عن قضاء ايام طويلة في محاولة الحصول على اذن بالسماح لهن بزيارة المعتقلين من احبتهن وانتظار عودتهم لمواصلة رحلة التكاتف (الريفية) الأزلية بين المرأة والرجل.

من جانبها، تسخر الناشطة النسوية ليلى عزيز من رابطة المرأة العراقية من فتوى تنظيم القاعدة التي تمنح النساء حق المساواة بالموت بينما تحرمهن منها في الحياة وتحرمهن من الحياة نفسها ! لكنها تؤكد ايضا على الدور الخطير الذي يلعبه عدم الاهتمام بواقع المراة العراقية من قبل الحكومة مادفع القاعدة الى استغلال اوضاع النساء البسيطات وتثقيفهن على انهن عناصر غير نافعة في المجتمع وعليهن التقرب الى الله من خلال تفجير انفسهن ضد الكافرين والاعداء، داعية الحكومة الى الاهتمام بقطاع المرأة ومحذرة من ان اهمال هذا القطاع سيؤدي الى اتساع ظاهرة الانتحاريات واتخاذها ابعادا اكثر خطورة..

 

بوادر.. 

حاولت عدة جهات مساعدة المرأة الريفية ومد يد العون لها لتتغلب على جهلها واميتها وصمتها فانتشرت منظمات المجتمع المدني لتعمل على توعية المرأة صحيا واجتماعيا وتعريفها بحقوقها القانونية..وكانت مشاريع محو الامية التي تم تطبيقها في الأرياف بادرة خير اسهمت في اخراج المرأة من الظلام الى النور رغم انها لم تستمر بشكل واسع لتلكؤ بعض مجالس المحافظات في تطبيق قانون محو الامية، جاءت بعدها محاولات انقاذ المرأة من العنف الاسري بالإكثار من حملات التوعية بضرورة لجوء المرأة الى القانون في حالة تعرضها الى العنف..

 

مشروع

من جانبها، أعلنت وزارة الدولة لشؤون المرأة إطلاق مشروع يهدف إلى تنمية المرأة الريفية من خلال استحداث مراكز متخصصة في المحافظات التي تسهم فيها بدور متميز، مبينة أن المشروع يقضي بإنشاء صندوق خاص لإقراض المشمولات ضمن المبادرة الزراعية، لتمكينهن من تنفيذ المشاريع التي يرغبن بها..

وقالت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، ابتهال الزيدي ان «الوزارة أطلقت مشروعاً خاصة بتنمية المرأة الريفية يمتد لثلاثة أعوام، ضمن الستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة التي تبنتها»، مشيرة إلى أن «المشروع يتضمن استحداث مراكز متخصصة في عدد من المحافظات التي تقوم فيها المرأة الريفية بدور متميز لاسيما في قطاع الزراعة».

وأوضحت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، أن «المشروع يقضي بإقراض المرأة الريفية من المصرف الزراعي لتمكينها من تنفيذ جملة من الأنشطة والفعاليات التي تدخل ضمن إطار القطاع الزراعي بما يلائم إمكانياتها ورغبتها»، مؤكدة أن «أعلى سقف لتلك القروض يبلغ خمسة ملايين دينار يتم الحصول عليها بعد تقديم المشروع المطلوب تمويله».

وذكرت الزيدي، أن «القروض ستمنح على وفق تسهيلات خاصة منها «عدم الحاجة إلى كفيل ضامن، والاستغناء عن شرط التقيد بسند الأرض، وغير ذلك من التسهيلات الداعمة للمرأة بعامة والريفية بخاصة».كما أن «الوزارة حددت بالتنسيق مع الجهات الأخرى ذات الصلة بالزراعة، أن تكون المشمولات بقروض المشروع بين 18 ـ 55 سنة..مؤكدة على ضرورة التوسع بالنشاطات التي تخدم المرأة مستقبلاً لتزيد من عطاء المرأة وترفع الحيف عنها».



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2