تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الأدب النسوي والتأسيس: أوروبا أم آداب الأمم الأخرى؟


لطفية الدليمي

أكد الباحثون والآثاريون المعنيون بالتاريخ والحضارات الرافدينية أن الشاعرة الأكدية انخيدوانا كانت أول شاعرة في التاريخ تدوّن اسمها على نصوصها وتصف حالها تحت حكم الغزاة الذين نفوها عن مدينتها وفي قصيدتها الشهيرة سيدة النواميس الإلهية تخاطب الإلهة إينانا لتشهد على ما جرى لبلادها ونساء مدينتها،


 وقد وجدت قصائدها مدونة بالكتابة المسمارية واللغة الاكدية وترجمت الى العربية ولغات عالمية أخرى، وقد سبقت انخيدوانا الشاعرة الاغريقية سافو بنحو الف وسبعمائة سنة غير ان الباحثين الأوروبيين يتجاهلون هذه الحقيقة التاريخية الموثقة ويحيلون البدايات الى سافو الإغريقية التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد في جزيرة ليسبوس.. 

وكثيرا ما يعمد الدارسون المعاصرون والباحثون الأوروبيون إلى إحالة كل تأسيس في الأدب والفن والفكر إلى جذر أوروبي إغريقي أو روماني او من القرون الوسطى، متجاهلين آداب وفنون الحضارات الأخرى في آسيا وافريقيا والأمريكتين، فهذه الباحثة الفرنسية (د. لوري آن تيرو بينوني) تعلن في دراسة لها أن نساء التروبادور (الشعراء الجوالون) في أوروبا هن من أسسن للأدب النسوي منذ نهاية القرن الثاني عشر بتقديمهن الشعر المغنى صحبة الموسيقى، مما حدا بالطبقات الارستقراطية للاحتفاء بهذا الشعر وتحويله إلى فن مركزي في ثقافة البلاط حيث النساء المترفات المغرمات بالشعر العاطفي وقصص الفروسية والحكايات العشقية النموذجية.

 صحيح ان نساء التروبادور بدأن عبر نشاطاتهن حركة نسائية تطالب ببعض الحقوق وانتشرت القصائد المعنية بالقضية في جنوب فرنسا حيث أوضاع المرأة تتمتع بشيء من الحرية فالنساء متساويات في الميراث مع الرجال ويقمن بإدارة املاكهن دونما وصاية من رجال العائلة، وكانت اوضاع النساء في شمال فرنسا متردية جدا وكانت المرأة محط احتقار ووصاية إقرارا بعجزها وقصورها، وانتقل شعر نساء التروبادور الشجاعات إلى شمال ايطاليا، وانتشر في اماكن عدة باعتباره ظاهرة أدبية تعبر عن أسلوب المرأة المختلف في النظر إلى الأمور في قصائد تتحدث عن الحب ولوعة العشق والرغبة المتأججة والحاجة إلى رفقة صديق مخلص متفهم في مجتمع قاس كما تتحدث عن الشخصية الذكورية المتسلطة.

وعند بدء شن الحروب الصليبية على المشرق في القرن الثالث عشر انحسر ادب التروبادور إذ هيمنت النظرة العنيفة واحتقار النساء على نحو كبير كشأن جميع الحروب التي تتخذ من الدين مبررا للغزو والقتل، ونتيجة لتلك الحملات فقدت النساء الأوروبيات كثيرا من حقوقهن، فمنع القادة الحربيون امتلاك النساء للعقارات والأراضي وحظروا على النساء ادارة الأملاك التجارة واستولوا على ممتلكات النساء، ومع هذا التدهور المريع تدهور الأدب وشعر الشعراء الجوالين كما أصبحت النظرة للحب الراقي المهذب الذي يقابل الحب العذري في التراث العربي والحب الافلاطوني الاغريقي، نظرة متخلفة شأن جميع الحركات والحروب الدينية التي تحارب جميع العلاقات الإنسانية السوية، ونتيجة لذلك اصطحبت الجيوش الصليبية في حملاتها أعدادا كبيرة من الغانيات وبائعات الهوى للترفيه عن المقاتلين كشأن نكاح الجهاد الذي أفتى به شيوخ وهابيون متشددون.

 وعمد شعراء التروبادور إزاء هذه الهجمة على النساء والشعر والأدب والفنون الى حفظ وتوثيق الكتابات النسوية، وكثير من الحكايات القصص العاطفية الرقيقة، ووثقوا تلك النصوص التي عبرت فيها النساء بحرية عما يختلج في نفوسهن، غير ان هذه الحقائق لا تبيح للباحث الرصين والدارس المتأني إغفال دور الشاعرات الشهيرات في الحضارات الغابرة التي سبقت الميلاد وسبقت سافو الإغريقية بقرون.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2