تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


ابنة الريف .. يدٌ في الحقل وأخرى في المدرسة


غفران حداد

المرأة الريفية هي «مزارعة وصائدة أسماك وراعية ماشية وصاحبة أعمال، وهي حافظة للهويات الإثنية والمعارف التقليدية»، على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة، ورغم كل هذا إلا أن أحلامها وطموحها تواجه مصدات متعددة تحدّها العادات والتقاليد العشائرية التي تنظر إلى إكمال تعليمها على أنه خروج عن العادات المتبعة ولا بد لها أن تتعلم كيف تقرأ وتكتب فقط،


 وتكتفي بالدراسة الابتدائية ثم تسجن في البيت بانتظار العريس الذي سيجعلها تخدم في بيته بدل بيت اهلها باشغال شاقة مؤبدة وليس لها ان تعترض أو تطالب بالتغيير!!

صراع من أجل التعلم

الفلاحة ميسون أحمد من قضاء الطارمية شمال بغداد تسرد حكاية كفاحها في إكمال تعليمها المدرسي لمجلة «نرجس» فتقول: أسكن في قرية ريفية, وفي عرف العشائر لا يسمح للفتاة بإكمال تعليمها فقط إكمال السادس الابتدائي, بعكس الصبي الذي يقدم له كل الدعم المادي والنفسي لإكمال تعليمه حتى لو كان غبياً، حسب تعبيرها.

وتضيف «إلا إنني قررت أن أكمل تعليمي بعد سنوات من ترك الدراسة من خلال تقديمي للامتحانات الخارجية».

وتضيف «عائلتي تربي الأبقار فأعمل في الحقل لحصد الحشيش طعاما لهذه الحيوانات وتنظيف الحظائر, ونؤجر بساتين الفاكهة في كل موسم من مالكيها  وما من وقت, إلاّ إني نظمت وقتي ووفقت بين العمل في المزرعة والدراسة». مبينةً»لقد نجحت بتفوق ولم يظن أهلي أنني سأنجح فهم كانوا يظنون أنني راسبةٌ لا محالة». وتتابع حديثها «قدمت هذا العام للدراسة  في كلية التربية فحلم حياتي أن أكون مدرسة لأعلم الأجيال العلم الذي حرمت منه في مدد طويلة من حياتي».

 

ضرب وشتائم وتهديد

ومن جانبها، الفلاحة هجران حمد من قرية المشاهدة التي تخرجت من كلية الآداب في العام الماضي روت حكايتها لـ»نرجس» بالقول: «أكملت تعليمي رغم معارضة أهلي ورغم العادات والأعراف البالية التي تسلب حقوق المرأة التي أحلها الله سبحانه»، وتضيف أن «الله عز وجل  لم يخصص التعليم للصبي فقط بل قال «أقرأ» ولكننا نحن نعيش في مجتمع ذكوري ظالم، وحين قررت إكمال الدراسة الكل وقف بوجهي ولم يدعمني أهلي بأي شيء بل حاربوني فلم يشتروا لي القرطاسية أو يضعوا لي المدرسين الخصوصيين».

وتكمل «قدمت للدراسة الخارجي للثالث متوسط خفيةً دون علم أحد من أهلي واشتريت الكتب المدرسية من شارع المتنبي بنقود وفرتها من بيعي الجبن وحليب البقر وأخفيت الكتب في صندوق بغرفة لتربية البط والأوز التي أدخلها بحجة تنظيف مكانها وأبدأ بالقراءة».

متابعة حديثها «حين علم أهلي بأمر تقديمي للدراسة الخارجية للثالث متوسط  والنجاح فيها ضربني أبي «بالعقال» فمن وجهة نظره أنني ارتكبت خطيئة».

مؤكدة «لكن هذا العنف الجسدي الذي تعرضتُ له جعلني أصر على إكمال الدراسة الخارجية للسادس الأدبي وهددتهم بترك المنزل وكنت ألاقي الضرب والشتم بعد هذه التهديدات لكنني  وصلت الى ما أريد».

متابعةً «أخيراً دخلت كلية الآداب قسم اللغة العربية وتفوقت وتخرجت.. وأدعو كل فتاة تركت الدراسة برغبتها أو رغماً عنها سواء في المدينة أو الريف أن تتسلح بالدراسة لتبني شخصيتها المستقلة ومستقبلها الذي سينعكس على عائلتها ومجتمعها».

 

الأمومة بعمر الطفولة

 والوضع ذاته في قرى التاجي وسبع البور والعبايجي للفلاحة العراقية هناك، حيث أمنيتهنّ إكمال الدراسة وعيش حياتهن كأي فتاة بكل مرحلة عمرية لا أن تعيش حياة الأمومة وهي في سن الخامسة عشرة والبعض منهنّ قررن أن يتحدين العادات البالية التي تسمح للذكر بإكمال الدراسة وبمراحل متقدمة في الحياة العلمية، بل إنه يختار شريكة حياته بعكس الإجبار بالزواج بالنسبة للفتاة القروية.

تقول الفلاحة قسمة أحمد من قرية دير الزور «لقد أجبرت على ترك الدراسة والزواج مبكراً، وأنا بعمر السادسة عشرة ولكن طموحي كان يرافقني ويسري بدمي وأنا احلب الأبقار وأجمع الحطب».

وتضيف «حين يأتي شهر رمضان كانت امنيتي أن أعرف القراءة والكتابة لذا قررت ان ادخل محو الأمية وتعلمت القراءة والكتابة واليوم أنا أتهيأ لعام دراسي جديد وأنا أدرس خارجي للسادس الابتدائي».

 

أمنية بدخول الجامعة

فيما تقول الفلاحة «ن,خ» والتي تكنى بأم علي «أمنيتي هي دخول الجامعة ولكن هذا الأمر مستحيل في حياة ذكورية بحتة ومجتمع غابت فيه المساواة بكل شيء ليس فقط بالتعليم وإنما حتى بالاحترام».

وتؤكد «الحياة هنا أشبه بغابة فيها شجرة واحدة فالحياة هي للرجل القروي والمرأة ما هي الاّ خادمة وهي التي تعمل في الحقل والزوج يعيش على عاتقها ومع ذلك فهو المستبد ويعاملها أقسى معاملة من ضرب وشتم واهانة». 

وتضيف «كنت مصرة أن تعيش بناتي الحياة التي تمنيتها ولو بإكمال الدراسة الابتدائية ليس مثلي لا أجيد قراءة حرف واحد والحمد لله لقد تحقق ذلك».

 

من فلاحة الى مهندسة

اما المهندسة ميسون أحمد تقول «افتخر بأنني كنت فلاحة واليوم ينادونني المهندسة كنت مصرة على إكمال الدراسة والوقوف بوجه أخوتي الذين كانوا يحرضون ابي وأعمامي ضدي ولكنني درست في البداية بالخفاء واتخذ من علب الزيوت النباتية كمسودة للدراسة لأنه لا احد يشتري أوراق مسودة أو أقلام رصاص».

وفي ايام الامتحانات، كما تقول «كنت أذهب الى بيت أختي المتزوجة باتفاق مسبق معها وهي الوحيدة مع زوجها الذين وقفوا الى جانبي ايام الامتحانات وحين ظهر قبولي بالدراسة كمهندسة معمارية فوجئ الجميع بذلك ورفض الجميع باستثناء اختي وزوجها الذين دعموني وأقنعوا أبي وأخوتي بدخول الجامعة ووعدتهم بأنني سأكون خير مثل وقدوة للأخلاق الحسنة بين زميلاتي وسأتفوق في دراستي وفعلا تحققت أمنيتي».

ودعت ميسون «كل فتاة وخاصة القروية أن لا ترضى بالظلم وأن تحرر نفسها من الجهل لكي تربي وتنشئ جيلا مثقفا وإذا كان زوجها غير مثقف، فلتكن هي من  توعيه من خلال حبها وحنانها من خلال عدم التقصير في واجباتها تجاهه حينها سوف يتعاطف مع طموحها وأحلامها المشروعة فالفرصة مثل الغيمة ان لم يغتنمها احد سوف تمر».

 

 فتاة المدينة أوفر حظا

 الناشطة في مجال حقوق المرأة الإعلامية نجوى القيسي قالت في حديث لمجلة «نرجس»: نتحدث دائماً على أهمية تعليم المرأة,  ونشدد على أهمية أن تحظى بالاهتمام والرعاية لا العنف والتهميش, سواءٌ في المدينة ام في الريف».

وتضيف «بالتأكيد المرأة في المدينة يعتبر حظها أوفر مما تعيشه المرأة الريفية التي لا تملك حولا ولا قوة ولا تستطيع أن تطالب بحقوقها إلا ما ندر في بعض الحالات، بل ولا تعرف كيف تدافع عن نفسها وهذا سببه هيمنة وسيطرة الرجل  الريفي والتنشئة الأسرية الخاطئة التي يتربى عليها الرجل».

مشيرة إلى أن «واقع المرأة العراقية ازداد قسوة وعنفاً بعد 2003, لقد انحدر مستوى التعليم نحو الأسوأ وزادت نسبة الأرامل والأيتام والعوانس, نحن نسعى دائماً لبث الوعي عبر منظمات المجتمع المدني من خلال دورات  لتعليم مبادئ الحاسوب والخياطة والتطريز والرسم ودورات تثقيفية, وندوات توعية للنهوض بواقع المرأة».

مؤكدة أن «الفرص تؤخذ ولا تمنح والمرأة التي تريد تغيير حياتها نحو الأفضل هي التي تخلق لها مناخاً يساعدها على ذلك حتى لو وقف أمامها المجتمع كله»، حسب وصفها.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2