تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


في دمي امرأة


علي خيون

أستطيع أن أقول الآن بصراحتي المعهودة، إنها هجرتني، أدارت ظهرها لكل ما يجمعنا من مشاعر وذكريات، ومضت بقلب قاس ولئيم، حسناً، لم يحدث شيء بعدها، أشرقت الشمس في الصباح التالي، المدارس فتحت أبوابها،


 محطة الوقود التي قصدتها كانت تستقبل المركبات مثل كل يوم، وحين أوقفني شرطي المرور وسألني عن حزام الأمان، لم أكن شارد الذهن بسببها، قلت له: ليست هي السبب، لا علاقة لنسيان الحزام بموقفها، هز الرجل يده بغموض وأوسع لي الطريق.

هجرتني، لا أنكر ذلك، تلك حقيقة، لكنني استطيع أن أثبت لها أن السماء لم تنطبق على الارض، وما فتئ الليل يعقب النهار، حتى الطيور رأيتها تعبث غير عابئة بالأمر، بائع السكائر المغفل اختارني من بين كل زبائنه، ليخبرني أن الاسعار ارتفعت على نحو مباغت، غبي، الاسعار ترتفع لتطورات اقتصادية ضاغطة وليس لأنها هجرتني وأدارت ظهرها لأجمل الذكريات.

هجرتني، صحيح، لها ظروفها، لا يصح أن أظل رهين كلمة لا معنى لها، هجره، هجرا وهجرانا، تركه وأعرض عنه، ليكن، فلا شيء تغير أو تبدل أو ناله السوء، أخبار العالم تتلاحق سيئة، الشاشات تنقل أنباء أحداث مؤسفة، لكن أسبابها المباشرة وغير المباشرة لا صلة لها بهجرانها، شيء رائع ان تشاطرونني الرأي بأن هجرانها لم يؤثر على صفاء ذهني، امر مفرح حقا أنكم واثقون بان الامر تافه، واشاركم الرأي بانها ستندم، فأين تجد قلبا ملتاعا مثل قلبي، من يهمس باذنها بكلمات الحب مثلي، من يكتب لها رسائل رقيقة...أوه، ستندم، ذلك أمر يعرفه القاصي والداني، ندمها أمر مفروغ منه، ستندم ندم طائر هجر عشه، ليست فلسفة فارغة ولا رجما بالغيب، المسألة لا تحتاج الى خبير في الحب، نعم، أنا معكم، ربما هو الدلال، معكم مائة في المائة، هو ضرب من ضروب الدلال، ولم لا ؟ لعلها تنهج نهج ليلى التي فتنت بقيس وجن بسببها، كانت تعانده فينشد في صراحة ووضوح:

- كلانا مظهر للناس بغضا

وكل عند صاحبه مكين 

لكن التشبه بسوانا أمر غير مستحب، ظروف ليلى في الصحراء ليست مثل ظروفنا، رحم الله فتاة عرفت قدر نفسها، وأنا لست قيساً، ليكن معلوما لكم أنني ارفض رفضا قاطعا منهج قيس في التذلل، إن مرت فتاتي أعطيتها ظهري بصلابة جبل، على اية حال لا أريد أن يتسرب الى نفوسكم أي شك بموقفي، اعني باهتزاز إرادتي، لأنني ببساطة صامد كالجبل قوي كشجرة، غير عابئ بهجرانها، ما أقوى إرادتي بإزاء متغيرات العواطف؟ حبها صار شيئا من التاريخ، والتاريخ ظاهره أخبار الأيام والدول وباطنه حكمة وعبر، من قال تلك العبارة؟ نعم، ستأخذ عبرة من سخافاتها حين تجيء نادمة، تذرف دمعا ساخنا، بينما أقف قويا مثل جذع شجرة صامدا كالجبل.

صرت أمشي وأحدث نفسي، تلك هموم عابرة، وليس لأنها هجرتني، لست مثل قيس، المقارنة تزعجني، لسنا في الصحراء إنا ابن مدينة الشعراء والأدباء والصور، ستضحكون، تقولون إنك تمشي وتحدث نفسك مذ هجرتك، تبت يد كل مسرف كذاب، أنا غير عابئ بشيء، واقف مثل شجرة، صامد كالجبل.

سمعت رجلا ـ كأنه يتقصدني ـ يقول بسذاجة :

ـ شيء عجيب ان تمطر السماء في حزيران ؟

لتمطر في تموز أو آب، ليس لتبدلات الفصول وجنون الطبيعة وعبث الأنواء دخل بموقفها مني، هجرتني، ليكن، لم يقطع التلفاز برامجه ليبث الخبر، لم يتوقف جريان دجلة، لم تغلق المدارس ابوابها، صرت اردد مع الشاعر العربي قوله:

ـ هجرُتكِ حتى قيل لا يعرف الهوى !

دعهم يقولون إنني لا أعرف الهوى: « وزرتك حتى قيل ليس له صبر « أنا لي صبر، أنا قوي، هاهي تبتسم، ما الذي جاء بها؟ لا تضعف، أنا ؟ محال، حتى أنني اهزأ بهذا المطرب المرهق وهو يردد بذهول إن حبيبته إن هجرته، تكف الأرض عن الدوران، يا للرجل المعذب، تكف الارض عن الدوران ؟ ينفخ في الصور لأنها هجرتني؟! أي تجديف هذا، وأي تدليس ؟!.

إياك ان تحدق في عينيها مباشرة، ساحرتان ؟ نعم، اوافقك على هذا، لكنك الآن صامد، لا تضعف، انها واهمة، تعتقد خطأ انها تدور في دمي، هراء، دمي تدور به كريات بيض وحمر وما شابه ذلك، لا مجال لها بدمي، تبدو رقيقة طيبة، لا تضعف، حنون، لا تضعف، حسناء، لا تضعف، تهذي من دونها، لا تضعف، أمطرت السماء في حزيران، لا أحد ينكر ذلك، أتظن السماء تبكي لفراقنا ؟ يا للغباء، اطرد الافكار الساذجة، كن قويا، لا تعبأ بكلمات العابثين:

ـ ما بك تبدو اصفر ذابلا ؟!

قل له إنك مريض، غادر هذا الثرثار الشامت، وجهي اصفر لأنني عملت كثيرا، لأنني أحب السهر، لا علاقة لشحوب وجهي بموقفها من تاريخ حافل بالحب والمشاعر والذكريات، لا صلة له برسائل معطرة مزقتها، بأحاديث أنفقت الساعات كي اهمس بها مثل أغنيات عذاب.

أيعقل أن تضعف؟ محال، وإذا ضعفت؟ أيكون ذلك لأنها تعدل في ذهني أشياء عزيزة، ألانها ترمز لكل الاشياء التي اعتز بها ولا استطيع هجرانها او نكرانها كتربة وضاحية ومسكن ووطن؟ أيعقل ذلك ؟!.

انك تقف وهي تتقدم، تحرك، ألم تقل إنها أدارت ظهرها لكل ما يجمعنا من مشاعر وذكريات؟ ما وقوفك الساعة، تحرك، أين قوتك؟!. 

ها أنذا اثبت لها أنني قوي، أنني قوي وصامد، إنها تبتسم وأنا أمد يدي لأصافحها ببرود، إنها تدعوني للجلوس، لكنني أقابلها بالمثل، ولست ضعيفا لا سمح الله، صحيح أن جمالها لا يقاوم، لكنني لست ضعيفا، لن ادع امرأة تهزمني، سحقا لقيس وجميل وعنترة! سحقا لكل محب يظن أن الارض ستقف إن غادرت حبيبته أو هاجرت مثل طير تائه.

لا بأس، سوف اجلس قليلا لأبصر عينيها، غير أنني مصمم على أنها لن تقهرني، لن تضعف تصميمي وقوة إرادتي، لديّ القدرة على أن اثبت لها ان مطر حزيران جاء نتيجة اختلال كتلة هواء باردة اصطدمت بأخرى حارة وليس لأنها هجرتني، لا أنا لم أعد إليها ولن أعود، وآمل أن ينسى الجميع خرافة أنها تدور في دمي.

ـ لماذا بقيت واقفاً إذن؟! 

الحق، ان وقوفي لا صلة له بالهجر، بل من اجل امر يخصني أنا وحدي، هو أن أبصر عينيها الساحرتين، أبصرهما لتقر بهما عيناي، اقسم ان ذلك هدفي، وهو هدف إنساني عابر، أبصر عينيها ليس غير، أبصر عينيها صدقوني، صحيح أنني أرد على ابتسامتها، أجلس الى جوارها، لا تحملوا الامر ما لا يحتمل، أعطيتها كفي صحيح، أنا لا أنكر ما أفعل، أنا رجل صادق، لكنني افعل ذلك -لن تصدقونني طبعا- لأثبت لها أنني قوي مثل شجرة صامد كالجبل!.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2