تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


هل قدر النساء العراقيات أن ينتهين وحيدات؟


لطفية الدليمي

 على مدار أكثر من خمسين عاماً تضافرت في بلادنا الحروب والسلطة على إنتاج مجتمع يعج بالمشكلات الإنسانية، مجتمع يحاول إعادة بناء نفسه لكنه يصطدم بانعدام العدالة في توزيع الثروات وغياب الاهتمام بمشكلات النساء المتفاقمة فقد أنتجت الحروب وفترات العنف والاحتلال أعدادا لا تحصى من النساء العراقيات الوحيدات وتغاضت السلطة عن مشكلاتهن،


 أكاديميات وموظفات وطالبات وعاملات وربات بيوت وفتيات عوانس، نساء عاطلات عن العمل لا يملكن مصادر رزق ثابتة او مؤقتة يكافحن ببطولة فليس من ضمان اجتماعي يقدم لهن الأمان ويحفظ الكرامة ونساء لا يملكن اية معرفة بحقوقهن بسبب الأمية والعنف الأسري وهيمنة النزعات الذكورية على المجتمع، نساء لم يمنحهن الوطن المبتلى بالحروب والاضطرابات المستمرة غير وحشة القلب و وحدة الروح والحرمانات، إلا أن هناك نسبة كبيرة من بين هؤلاء النساء صممن على مواجهة مصاعب الحياة ومشكلات العيش بإرادة صلبة وعزيمة باهرة وهي سمات أصيلة جبلت عليها المرأة العراقية فجعلتها تقاوم وتتماسك وتتشبث بالحياة وهي تواجه التحديات الكبيرة.

قد تعجز فئة من النساء عن مواجهة المصاعب ولا تملك حلولا لمشكلات العيش الاقتصادية فتستسلم للهزيمة وتنهار مقاومتها وتتحول إلى حطام يستغله المجتمع الذكوري القاسي وقيمه المتحولة في غياب روابط أسرية واجتماعية سليمة فوجود هذا العدد الهائل من الأرامل واليتيمات نتيجة عنف الإرهاب والقتل اليومي وعدم اهتمام الدولة بإيجاد حلول للهجمات الإرهابية ونتائجها الكارثية على المجتمع يضاعف أعداد النساء المحرومات ويحولهن الى طاقات انسانية معطلة او مهدورة وهن عاجزات عن تدبير وسائل العيش لهن ولأيتامهن في غياب معيل يشاركهن أعباء الحياة وصعوباتها.

تنعكس الفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي بسبب الفساد المتفشي في مفاصل السلطة على سلوك المواطن وعلاقته بالوطن، فالسلطة لا تقدم خدماتها للمجتمع ولا تمنح المواطنين حقوقهم في العيش الكريم والكفاية الاقتصادية الضامنة وليس بوسع المواطن أداء الواجبات المطلوبة منه وهو يعيش جحيم الحرمان من الخدمات الاساسية والحقوق المدنية، وتتحمل أعداد غفيرة من النساء نتائج هذه الفوضى وانعدام العدالة والضغوط الاجتماعية التي يفرضها بعض من يدعون الفضيلة على النساء والفتيات، بدل البحث عن حلول جادة لمشاكلهن المزمنة وتأسيس شبكة رعاية اجتماعية تماثل ما هو سائد في دول كثيرة عاش فيها قبل تولي السلطة وزراء ونواب وقادة احزاب ومازالوا يتسلمون رواتبهم من مؤسساتها الاجتماعية هم و عوائلهم كمواطنين لتلك الدول مع رواتبهم الخرافية هنا دون ان يجتهد أو يحاول بعض هؤلاء التفكير بمشكلة الارامل والنساء ممن فقدن المعيل في الحرب الأهلية المتفاقمة، لتوفير قدر معين من الدعم الاقتصادي الذي يوفر احتياجات الحياة الأساسية ويحفظ كرامة هذا العدد الهائل من أرامل العراق الوحيدات والصابرات على ضيم انتمائهن لوطن نخره الفساد وسرق موارده اللصوص الكبار وجوعوا أهله وشردوا مثقفيه وأطباءه وأكاديمييه. 

 التقيت صديقة أكاديمية حصلت على الدكتوراه من جامعة أوهايو ونالت الأستاذية في اختصاصها منذ سنوات وعرفت باجتهادها وتفانيها وإيمانها بالقيم الإنسانية وإسهامها بالخدمات الاجتماعية طوال أربعين سنة من عملها الجامعي، تقاعدت وهجرت العراق بعد أن اختطف زوجها وقتل سنة 2005 في بغداد، وهي أنموذج لامع لسيدة تمتلك كنوزا من الخبرات، تحيا متغربة وحيدة كملايين الأرامل العراقيات، لكنها وفي عمرها المتقدم لم تستسلم أو تنكفئ بل تواصل جهودها في التأليف الأكاديمي ويغذي روحها حب العراق وأمل ان ينعم بالسلام لتعود الى بيتها وتشم أريج تراب العراق بعد المطر. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2