تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


ما لم تقله شهرزاد


في واحدة من الحكايات المنسية التي تغافلت شهرزاد عن سردها تحسباً لمشاعر قد تصرخ رافضة وغير مصّدقة ومتوجّعة من هنا أو هناك، انبثقت الحكاية لتؤكد أنها لا يمكن أن يتغاضى عنها أحد أو يركنها الى أجل ما ووقت ما وزمن قد يأتي وقد يتأخر، تسللت الحكاية من بين شفاه الملكة دون ان تسيطر عليها وهي تؤكد أنّ التغافل حتى وإن كان تحسباً لمشاعر الغير لا يلغي أهمية التذكر والتأكيد وضرورة السرد اللامؤجل .


تسللت الحكاية لتروي للعالم دور امرأة لا تشبه النساء لا في الشرق ولا في الغرب، أسطورة خلقتها الأزمات والمحن وتواتر الالم النبيل، أنموذج صقلته الصعاب فكان قامة هائلة من قيم ومبادىء ومُثل عليا وتحدٍ وصبر واحتمال وقوة تليق بالقديسين وصفات الأتقياء، تلك هي المرأة العراقية الشامخة، أسطورة كل العصور، وسليلة كل الملكات المتوّجات من سومر وآشور وأكد وبابل، الى حفيدة تعيش اليوم تكامل صفات الأسطورة الخالدة بين تفاصيل لا حصر لها، ترمّلت فلم تركن الى سيل الدموع وتخفي وجهها وراء غلالة الحزن وتتوقف عن الحياة، بل لملمت شمل حزنها وابتدأت غدها بفكر مسؤول يعي حجم ما بانتظارها وما يحمله الغد من تحديات. تيتّمت فما كان غياب الأب الا ضوءاً متوهجاً أنار لها خطواتها بثبات وحزم ومنهجية تربوية وسلوكية هادفة وسامية. ثكلت، فحملت ثقل ألم فقد الأبناء وخبّأته جيداً بين ثنايا القلب لتعيد تشكيل الطمأنينة وتهدئة الجزع لتكمل فرش حنانها اللامحدود على جوانب اسرة تنتظر منها الكثير. ما تغافلت عنه شهرزاد كان أكبر من كل حكاياتها التي تذكرتها وربما نسيتها متعمدة فلم تكن تريد ان تثير جزع شهريار الذي قد يصرخ منادياً على السيّاف ليقطع رقبة من اوجعت قلبه واثارت مكامن حزن لا يريد له أن يقلق راحته، راهنت شهرزاد على أنّ إشاعة الفرح تأتي دوما بالغد المضيء الذي يرتب الاحزان هنا وهناك حتى لا يدع المستقبل يتوقف عبر زمن مظلم حاسر الرأس مكلوم الفؤاد والعين والقلب. تلك هي شهرزاد العراقية التي لم يحملها «سيزيف» فوق ظهره ويعبر بها البحار والسهول والجبال فيما هي غافية مستريحة على ظهر قوّسته الأحمال، إنها شهرزاد التي لا تتأوه رغم كل الاحمال التي ينوء بها ظهرها، وتمسح خطوط الألم والسنوات والذكريات المرّة لتثبت أنّ الغد يصنع دوما من بين الاصابع الملوّنة بحناء البصرة وأربيل والفاو ودهوك وسليمانية الجمال الباذخ. إنها حكاية سترويها شهرزاد يوماً بعد أن يهدأ «شهريار» وينسى حقده ومشاريعه السود ودمار الأفكار المعتمة، ليكمل معها تفاصيل حكاية تصلح دوماً أنموذجاً لكلّ نساء الأرض، مهما تباعدن او اقتربن من اسوار عظمة «العراق» الذي يعرف كيف يضم الجميع بلا استثناء ولا تغافل ولا نسيان.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2