تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المرأة الميسانية عناد مع الحياة وعيش على الهامش


غسان حسن محمد

شهدت الساحة الميسانية إبان مرحلة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات مشاركة واسعة للمرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن القول إن الطريق كان معبداً بالزهور، بل كان هناك العديد من العقبات والمنغصات والقيود الاجتماعية والعشائرية تجاه المرأة، لكنها صنعت أقدارها بنفسها متحدية تلك الصعاب لتسمو مع خيوط الشمس عبر نضالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكانت الفلاحة التي زرعت الأرض والسياسية التي دافعت عن الوطن والناشطة المدنية التي سعت الى تحسين أوضاع بنات جيلها وتحصيل الحقوق المدنية.


 

حضور المرأة في تلك الفترات كان مائزاً، فلم تخل صالات السينما عن المرأة وهي تجلس لمتابعة عوالم الأفلام دون ان تتعرض لتحرش ما.. وكذلك كان لها الدور الكبير في ممارسة فنون الجمال وحضور المسارح والمشاركة بمعارض التشكيل والأعمال اليدوية.

 

ميسان النفط والهور

وعلى الرغم من كل هذا، إلا أن دوام الحال من المحال كما يقول المثل، إذا تبدلت الأجواء وانقلبت المناخات السياسية لتتوالى الأزمات السياسية والحروب والحصارات وتدخل المرأة في نفق ضيق استطاعت أن تصنع لها بصيص ضوء في آخره بصبرها وعزمها وقوة إرادتها على صنع الحياة وهي الصانع الأمهر الذي يشتد عوده مع اشتداد الأزمات ولتعبر بالجيل إلى بر الأمان..

«ميسان» مدينة النفط والهور والسمك، كيف هي حياة حفيدات السومريات فيها؟.. وما هي أبرز الظواهر التي تحيطهن، وممّ يعانين؟ (نرجس) تفتح ملفها في هذا العدد لتجيب على هذه الأسئلة، وتقرأ قصة عناد من أجل الحياة. 

 

المرأة والتعليم

تبتدئ (نرجس) ملفها بالتطرق الى واقع التعليم النسوي في مدينة العمارة التي عانت ويلات الحروب والإهمال على مضي عقود من الزمن فـ»للمرأة بالغ الأهمية في بناء الأجيال وتحديد مسارات النجاح للأمم والشعوب والمجتمعات منذ بدء الخليقة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.. فهي كائن جمالي وأس التقدم في المجتمعات وقد رفدنا وحدثنا التاريخ عبر سيروراته المتقادمة والحديثة بالدور العظيم الذي مارسته المرأة ومازالت لتؤكد أهميتها كجوهر في الوجود وصناعة الامم والحضارات المتقدمة. هي المدرسة الكبيرة التي أثمرت وأبدعت وأهدت العالم الإنساني العلماء والمفكرين والادباء والفنانين والعقول الكبيرة التي أسبغت على حيواتنا عوالم الجمال والمعرفة والتنوير الفكري, وبناء الحجر والإنسان على حد سواء»، بهذه المقدمة ابتدأت التربوية رؤى الساعدي كلامها وأضافت أن «المرأة العراقية والميسانية على الخصوص لها خصوصية كبيرة في عالمنا هذا.. ذلك لما مرّ به العراق من حروب وحصارات وتدهور للأوضاع السياسية التي انعكست على باقي جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.. فكانت المرأة في تلك المآسي والمحن التي شهدها الشعب العراقي الام والاب في العائلة العراقية وقد مارست مسؤولياتها الجسام في الوصول بالأبناء الى شاطئ الامن والسلام والتقدم والارتقاء بسلّم التحضر الانساني.. فكانت وما تزال المرأة الصابرة، المجتهدة، المثابرة والمفكرة ببناء مستقبل الأجيال.. فهي المرأة المثالية التي صمدت امام المشاكل والازمات الكارثية التي من شأنها ان تهدّ اكبر القلاع.. لكن المرأة اثبتت جدارتها في حب الحياة والتكيف مع المجريات العامة والخاصة التي القت بظلالها الثقيلة على كاهل البيت العراقي».

 

الريفية والحضرية

وتابعت الساعدي حديثها بالقول «قد تكون المرأة في مناطق الحضر نالت شيئاً من التعليم ان لم تكن قد اكملت الدراسات الاكاديمية والعليا منها.. طبقاً لبيئتها، المؤسسة لحاضنة علمية وتربوية تسعى الى تعليم النساء أسوة بالرجال واخذ دورهن  في مؤسسات الدولة وقطاعاتها ومرافقها المختلفة.. لكن المرأة الريفية لم تحظ بتلك الفرص في التعليم ونيل ما تستحق، وهذا ما ينطبق على نساء العمارة اذ ان بيئتها الاجتماعية تختلف اختلافاً كبيراً عن بيئة المدينة المنفتحة على عوالم المعرفة والتقدم والاندماج في المجتمع كعنصر بناء وحيوي ونافع في صناعة الحياة الحرة الرغيدة.. فالمرأة الريفية عانت الصعاب بسبب تقاليد وأعراف وعادات القرية المتوارثة عبر تعاقب الازمان».

وتعتبر تلك المرأة في مجتمعات الارياف –بحسب الساعدي- عنصراً من الدرجة الثانية وتعامل كما الآلة في ادارة شؤون الرعي والزراعة وانجاب الابناء كأيد عاملة تساعد في زيادة الغلال الزراعية.. ومن مشاهداتنا لذلك الواقع فالمرأة الريفية تبدأ عملها في ساعات الصباح الأولى اذ تحلب المواشي وتعد لها الطعام ومن ثم تهيئ الطعام لعائلتها وبعدها تذهب الى الحقل لسقي المزروعات مصطحبة الماشية معها للرعي الذي لا ينتهي الا في الساعات الاولى من الليل.. لتعود بعدها الى البيت وفي جعبتها العديد من الأعمال التي تمارسها في الليل من إعداد الحضائر واطعام صغارها والوقوف على طلبات الزوج، الآمر الناهي دون ان يكون لها رأي في مستجدات الحياة مع إغفال الجوانب الإنسانية والاحتياجات الشخصية والعامة التي تتطلبها حياة تلك المرأة.

 

آفة التعليم

ورأت سمية موسى، وهي ناشطة مدنية، ان «من اخطر الآفات التي تصيب المرأة الريفية هو انعدام التعليم فمعظم فتيات الريف لا يرسلن من قبل اهلهن الى المدارس للتعليم بحجة مساعدة الام في تدبير وادارة شؤون البيت والحقل.. وان ارسلت نسبة ضئيلة من تلك الفتيات الى المدارس فتحدد دراستهن بالثالث او الرابع الابتدائي او السادس الابتدائي على اكثر تقدير.. ليأتي الامر الابوي بترك المدرسة ومن ثم مساعدة الام كما اسلفنا وتزويج الفتيات بسن مبكرة وهذا ما تقتضيه الاعراف العشائرية والاجتماعية في قرى وارياف العراق».

وتقول في إشارة إلى طاقات العمارة المبددة «كم من المواهب في صفوف المتعلمات والقدرات التعليمية الباهرة والإبداعات التي ظهرت بوادرها عليهن في تلك المرحلة القصيرة من أعمارهن الا ان كل ذلك قد ذهب أدراج الرياح.. فينبغي الاهتمام من قبل مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة بتلك الشريحة المهمة والتي تشكل نسبة كبيرة من السكان في العراق».

وتضيف «شاهدنا بعض النشاطات من قبل بعض المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة في ميسان التي اخذت على عاتقها تطوير المرأة الريفية ولو بنسبة ما طبقاً للصعوبات التي تواجههم من قبل مجتمع الارياف وانغلاق المرأة الريفية على نفسها وحداثة التجربة في الاستماع الى مشاكل النساء وتطلعاتهن في العيش بكرامة والحصول على تعليم متقدم من شأنه ان يؤكد دور المرأة الفعال في بناء المجتمعات والاوطان وانشاء جيل قادر على مواصل التقدم وبناء ركائز التقدم العلمي والحضاري في عراق عظيم بأولى حضاراته وبإنسانه المبتكر والخلاق في مجالات الحياة كافة».

الا ان نسب تخلف النساء عن الالتحاق بالدرس قد انخفضت الى حد كبير في الاعوام (2012-2013)، اذ ايقنت المرأة بأن قوتها في تحصيل الشهادة والالتحاق بركب الحضارة.. فمنذ ما يقرب من خمس سنوات والنساء يحصدن المراتب الاولى في الدراسة المنتهية في عموم العراق وتلك بادرة ايجابية تطورية عززت من دور المرأة في المجتمع. 

 

أحلام شيبوبة الضاد

وفي ما يخص مراكز محو الأمية في العمارة تقول تحرير الركابي، ناشطة مدنية، إن هذه المراكز ساهمت إلى حد كبيرة في إضاءة الطريق لنساء كثيرات يحتجن إلى التعليم، ولاقت هذه المراكز التي افتتحت العام الماضي إقبالا كبيرا من نساء ميسان. وتروي الركابي قصة امرأة  كهلة متأملة عقارب الساعة إلا أنها لا تعرف قراءتها تظل مترقبة أفول شمس الصباح لتبدأ بالنداء على أحفادها الصغار لتسألهم هل حان وقت الاتصال بابنها المغترب في أوربا الذي لم تره منذ أكثر من ربع قرن! لذا كانت فرحتها بفتح مراكز لمحو الامية لا توصف بعد ان شاهدت الخبر على شاشة التلفاز، فأخذت تسأل الجيران عن كيفية الاشتراك بالمركز فراحت تراودها الامنيات وهي تتأبط حقيبتها المدرسية كطفلة خجلى لتعود لأيام الممحاة والقلم لتبدأ بالكتابة فتطلق العنان لأصابعها الذابلات من جديد، عازفة أجمل الحان المحبة لولدها الغائب.. التقاها الكثير من موظفي تربية ميسان، بغية مساعدة بشرح المناهج لها وتوعيتها بأهمية القراءة والكتابة فقد فتح في ميسان نحو (20) مركزاً لمحو الامية بدوام يومي الجمعة والسبت من كل اسبوع.. لملمت معلوماتها وتهيأت للذهاب كي تسجل اسمها كأول الملتحقين بمراكز محو الامية في ميسان آملة من الله ان يمد بعمرها لتكمل دراستها لتتمكن من حفظ الحروف وتعلم القراء والكتابة بقوة الرغبة والارادة الكبيرة.، ولتكتب اولى جملها(متى اراك ياولدي الحبيب؟)»، هذا ما روته الركابي لـ(نرجس).

 

الأسطورة والخرافة

وفي ميسان، عانت المرأة من تخلف مستمر فكان بديهيا أن تأخذ الخرافات والأساطير مأخذها في الحياة الاجتماعية، وكان اللجوء للسحر والشعوذة مهنة الكثيرات، وتتبع النساء هناك هذه الطرق للتنافس وتزويج العوانس وطلب الرزق وغيرها من الأمور.

والخرافة هي وليدة الخيال الذي يسبق حب الاستطلاع والعزوف عن التفكير في الظواهر الطبيعية وفي المعتقدات والشعائر الاجتماعية. اما الأساطير فهي تستند الى اساس تاريخي وان امتلأت احياناً بالتفاصيل الخرافية، بينما الاسطورة هي كالخرافة وتشبهها الى حد كبير على الرغم من وجود بعض الاختلافات بينهما..ولدينا العديد من الأساطير كأسطورة خلود كلكامش وأساطير الطوفان وأساطير الخليقة. 

اذن الأسطورة هي قصة حقيقية في أصلها وبمرور الزمن اضيفت لها العديد من السرود الحكائية والمقاطع الشعرية التي أثرت أحداثها درامياً وروائياً باختلاف مستويات تلقي الأحداث وتطور المعرفيات عبر المراحل التاريخية.. لهذه الاسباب تبدو الاسطورة خيالية للاجيال التالية، هذا الكلام جاء على الباحثة الاجتماعية صبا الاسدي واضافت: 

اما فيما يخص «الخرافة» فيروى ان رجلاً اسمه «خرافة» من بني (عذرة) كان قد غاب لفترة طويلة وعندما عاد الى اهله كان يتحدث بحكايات غريبة وغير واقعية مدعياً ان «الجن» قد اختطفته فسمي كل حديث مما يصعب تصديقه بحديث «خرافة» فصار بمرور الوقت اصطلاحاً لغوياً درجت عليه الأجيال بالتتابع.

مما سبق نعرف أن هناك اختلافا واحدا قد يلاحظه الكثير من الناس بين الأسطورة والخرافة الا وهو ان الاسطورة تقوم على أساس تاريخي بخلاف الخرافة المختلقة من قبل عقل إنساني تهدف الى التشويق وسرد الحكايات، وقد عرف «فيكتور هيجو» الملحمة بقوله (هي التاريخ يُنشدُ على باب الأسطورة).

في وقتنا الحاضر كثيراً ما نسمع عن شيء يدعى «السحر والشعوذة» وهي ايضاً تشبه الخرافات وما يفعله المشعوذون في تصوير الباطل على انه حق. يقول العلماء انه طريقة لخداع الاعين والسحر من المعتقدات الشعبية القديمة، ويلجأ البعض الى تصديق الخرافات والاعتقادات بالشعوذة والمشعوذين ويذكر علماء الاجتماع ان ارتفاع نسب لجوء الناس الى هذه الخرافات مؤشر واضح على الجهل وفقدان الثقة بالنفس وبالأجواء المحيطة بالإنسان. وهو ما يحدث في ميسان فعندما يعتقد الناس انهم بالاستعانة بالسحرة يستطيعون ابعاد سوء الحظ او جلب الخير وإبعاد الشرور عنهم فأنهم يعيشون في دوامة نفسية معقدة تخرجهم من دائرة المعقول وتدخلهم الى دوامة الاوهام والخزعبلات والاضطرابات النفسية.

 

عنوسة وسحر!

من المشاكل التي باتت تعالج (وهماً) بتلك الطريقة الخاطئة مشكلة «العنوسة».. فلا يمكن لأحد ان يتجاهل أعداد النساء المحرومات من الزواج ولم يلحقن بقطار الزواج بسب الحروب والازمات الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالعراق لأكثر من ثلاثة عقود وخاصة في ميسان فقد زادت هذه الإشكالية الاجتماعية الإنسانية، بالإضافة الى عوامل الهجرة وارتفاع «المهور» مما يجعل الشاب عاجزاً عن ان يلبي هذه الطلبات وكذلك اختلاف المستوى الثقافي بين الرجل والمرأة. وتتحرك أغلب النساء إلى العرافات لأخذ الحروز والحجابات وليس بعيدا إيقاع شاب ما في شرك السحر لجعله زوجاً أو خطفه من زوجته.

وتقول بسمة يوسف، معلمة، أنه يجب على المرأة التعامل بحكمة مع هذه القضية بالالتزام الأخلاقي وتوسيع مداركها بالقراءة والتفكر وصناعة أهدافها التي تطورها وتبعدها عن جادة الانحراف (لا سمح الله) والابتعاد عن السحرة والمشعوذين فالسحر حرام كما ورد في ديننا الاسلامي والساحر لا يبغي غير منفعته المادية وفي بعض الاحيان هناك من السحرة من هدم البيوت على اهلها بممارسات لا اخلاقية سبب الكارثة تلو الكارثة لمن سعى الى هؤلاء النفر الضال المتحايل على شرائع السماء والارض والانسانية. ينبغي ان نحكم العقل في كل تفصيلات حياتنا وان نسير على مسار علمي موضوعي يؤتي بثمار الخير والنجاح والرقي والحياة الحرة الرغيدة في مجتمعنا.

 

الحركة الادبية

وتعد الحركة الثقافية في العراق ذكورية بامتياز على أن الصوت النسوي خافت جدا، إلا أن هذا الخافت ينعدم ويتلاشى في ميسان، فالمثقفات هناك والأديبات لا يتجاوزن أصابع اليد.

الشاعرة مريم العطار في حديث عن الثقافة النسوية في ميسان قارنت بين الحركة النسوية في ميسان وجمهورية إيران قائلة «قبل عدة أشهر قررت أن أترجم قصائد شعرية من اللغة الفارسية الى العربية و بعدما بدأت البحث عن إصداراتهم الجديدة, تعرفت على الشعراء وتواصلت معهم واكتشفت ان عدد شاعرات ايران اكثر بكثير من شعرائها..! 

هذه الحقيقة فرضت عليَ تساؤلات عدة منها كثرة عددهن و دورهن في خوض تجاربهن الشعرية بحرية مطلقة مع العلم ان جميعنا نعلم جيداً ان هناك مقولة شبه مكررة في الاعلام العراقي ان دور المرأة الأديبة قليل وشبه معدوم وكأن تأتي هذه الجملة بصيغة سؤال موجه لنساء العراق! 

 هذا ما كان يقلل من عزمي ويغير طريقة تفكيري عن الواقع الثقافي في بلدي ومدينتي».

وتتساءل العطار «لماذا لا تتحرك واحدة منا وتفعل ما فعلته الاخريات على مر التاريخ؟!  

لماذا لا تتحرك النساء وتقوم بما يلزم من اجل مجتمع ثقافي»؟

 

عيش على الهامش

وتقول أيضاً في إشارة إلى  المرأة في ميسان «ان الكثير من النساء في هذا المجتمع يعشن على الهامش بقناعتهن او دون قناعة و اكثرهن منشغلات بتكرار الجلسات النسائية والخرافات التي تحملها عقولهن او الطبخ و اعمال البيت و...الخ، لكن لماذا حين تفكر إحداهن ان تكسر قالبها المعتاد و تعبر عن آرائها بأية طريقة كانت «تهمش» او تكون عرضة لكثير من المشاكل والتحرش و المعوقات؟

وتحدثت مستطردة عن الموانع الاجتماعية والتقاليد والأعراف التي تنأى بالمرأة العمارية عن الخوض في الأدب والثقافة إضافة إلى عدم تشجيع التعليم والتسرب من المدارس والتثقيف الديني الخاطئ.

واختتمت العطار كلامها بالقول «اود أن اشير في الأخير انني لست من اعضاء حركة الفيمينيست و لست معادية لرجال الدين او ضد السياسيين او ضد الكتاب او الشعراء والنقاد،

لست ضعيفة و لا ادعي أنني قوية لست محورا اساسياً و لا اتبع احداً من اي صنف او مجموعة. انا امرأة تجتمع بي صفات الأم والأخت والصديقة والزوجة والشاعرة في الأخير, اتمنى من كل قارئ لنص كتبته أنثى أن يقرأ بعين عقله قبل قلبه و مشاعره ولينصفها ولتنصفونا».

 

أعراف بالية وتقاليد جائرة

التقاليد الاجتماعية هي بحد ذاتها رقابة ذلك ما صرحت به المدرسة نجاة الساعدي وتابعت: والرقابة تنقسم الى نوعين، رقابة ذاتية (اخلاقية، قيمية، مفاهيمية، اجتماعية)، وهي التي تنغرس في نفس الانسان وتسري مع دمه فتصبح جزءاً من شخصيته وارى ان الرقابة الذاتية ضرورة من ضرورات الحياة فهي من يمنحها درعاً حصيناً ضد الآفات والأمراض والمعوقات المعيشية الاجتماعية البيئية. تلك الرقابة التي تربت عليها واكتسبتها من بيئتها وبما أننا نحيا في دنيا الإنسانية فلابد ان نمنح هذا الانتماء هويته وخاصيته المتألقة بين كل شعوب الأرض».

 

«كصة بكصة»!

وتتابع بالقول «تحضرني هنا في الجانب الآخر (السلبي) نوع من الأعراف والتقاليد التي أطاحت بكيان المرأة في ميسان ألا وهي الزواج المتبادل بين عائلتين او ما يطلق عليه عرفاً زواج (الكصة بكصة)، فما أن (تزعل) إحدى الزوجات حتى يسارع اخ الزوجة (التي تعرضت للمشكلة) الى إيفاد زوجته الى بيت عائلتها تعاملاً بالمثل دون أي ذنب قد ارتكبته هذه المسكينة وقد حدثت عدة حالات طلاق بسبب هذا النوع الخاطئ من الزيجات وتهدمت إثره بيوت وتحطم مستقبل كثير من النساء». 

وتواصل الساعدي حديثها «النوع الاخر من الرقابة هي التقاليد الاجتماعية والدينية فتلك هي رقابة المجتمع التي تؤسس لمفاهيم وقيم دينية اجتماعية  تأخذ في غالب الأحيان صورة ايجابية، خاصة اذا ما رافق هذه الرقابة الحق (الانصاف والعدل) فأن ذلك يعمد الى صيانة كيان المرأة ويحفظ حقوقها المجتمعية، وهنا اشير الى مسألة غاية في الالم اخترقت الكثير من ايجابيات المجتمع بسبب صبغة المجتمع الذكورية السلطوية التي تنظر في بعض الاحيان بعين واحدة ولا ترى كامل المشهد. هذه المسألة هي (القصاص) التي تقع على المرأة وهي تلبس لباس التقاليد الاسود الحالك الذي لا يمت للإسلام والإنسانية بأي صلة عندما تقع الفاحشة من المرأة والرجل فالمجتمع لا يعاقب الرجل كما يعاقب المرأة بل تكون المرأة الضحية الوحيدة فتتعرض الى القتل او ما يسميه البعض بغسل العار..هذا الحكم يحتاج الى دراسة دينية قانونية..الخ. وهنا في كثير من الاحيان تتحمل المرأة وزر هذا الفعل لوحدها وتتعرض اثره الى شتى صنوف وضروب العذاب..وهذا هو الظلم بعينه.تلك هي التقاليد البالية التي تقع المرأة المسكينة فريسة لها».

 

زواج ابن العم

ولا نستثني من ضمن تقاليد المجتمع المجحفة للمرأة حق الزواج اذ نرى في بعض العائلات من لا يسمح للمرأة بالزواج من غير ابناء العم وحدثت بهذا الصدد إشكالات عديدة.

بينما تقول أم منتظر، موظفة حكومية، «نحن نعيش اليوم في مجتمع نطلق عليه تسمية مجتمع مثقف ولكنه يفتقد للكثير من الثقافة النفسية التي يجب أن تجتث العقائد والتقاليد وكل ما هو غير منصف للمرأة. ان المرأة اليوم ليست بأقل من الظلم الذي تعرضت له أيام حمورابي الذي عامل المرأة بسوء فمن حق الرجل ان يستخدمها كيفما يشاء وان شاء باعها أو استأجرها وهلم جرا. كانت المرأة في تلك العصور سعيدة بتعاستها لأنها عاشت عمياء لا تبصر حقيقة وجودها..أما اليوم فإنها تسير بظلمة يجب ان تكثف جهودها الفكرية والنفسية والاجتماعية لطرد هذه الظلمة وإحلال عوالم النور محلها.قد تكون المرأة متأخرة بعض الشيء عن الركب الحضاري..ذلك كان بسبب العقبات التي وقفت وحالت دون تقدمها، ولكنها كانت في بعض المواضع فعالة والزمن لا يخلو من نساء خالدات استطعن ان يثبتن بجدارة ان قوة المرأة بعقلها وليس بجمالها فقط».

 

نساء معنفات

ان ترى المرأة وقد مارست اشد الأعمال قسوة ومنها من ينوء تحت ثقلها الرجل بتمايزه البايولوجي والجسدي عن المرأة.. ومن هذه الاعمال العمل في معامل الطابوق وحمل اللبن والطابوق فمن منا لم ير المرأة وهي تمارس هذه الاعمال وهي مشاهد تؤلم القلب والبصر والمرأة المدرسة ومربية الاجيال الفاضلة التي ينبغي ان تمارس ما يناسبها من الأعمال على المستوى الجسدي والشعوري..ولكنها الظروف الحياتية التي المت بها مما دفعها الى مزاولة الاعمال الشاقة لتعين عائلتها وأسرتها وانا أرى أن هذه الأعمال تندرج تحت طائلة العنف المعيشي الذي أحاط بهذه القوارير.

المهندسة أخلاص توما أدلت بدلوها بهذا الشأن بالقول : مع نشوء المنظمات غير الحكومية في العالم و بروز دور المنظمات الانسانية و الحقوقية  النسوية التي عملت على بلورة فكر نسوي يقوم على استنكار الهيمنة الذكورية والعمل على تحرير المرأة من ربقة التمييز الاجتماعي وإحلال قيم العدل والمساواة بين الجنسين واستحصال حقوق المرأة في كافة المجالات العامة والخاصة والاعتراف بالدور الحقيقي للمرأة بعدها نصف الحياة الابهى وتفعيل مبدأ المواطنة ومنحها فرص تسنم دورها القيادي في البلاد وهو ما اثبتته المرأة في اكثر من مرة وفي مختلف مفاصل الحياة وبمناسبة تنظيم المؤتمر العالمي لحقوق إلانسان في فينا سنة 1993 نضجت هذه الفكرة وحاولت المنظمات غير الحكومية النسائية خاصة العمل لإيجاد مفاهيم جديدة ترتكز على اعتبار حقوق الانسان كيانا موحدا غير قابل للتجزئة والتقييد. كما تعتبر في السياق نفسه أن حقوق النساء هي جزء من حقوق الانسان. 

وقد تأسست في العراق بعد العام 2003 العديد من مراكز ايواء المعنفات تتولى هذه المراكز العناية بالمعنفة وتوفير سبل الراحة لها والعمل على حل اشكالاتها على المستوى العائلي والمجتمعي.

وتقول حمدية محمد «لنعلي من شأن المرأة لا بالاعتداء عليها جسدياً او نفسياً بل بتقدير دورها الاجتماعي الكبير فهي بحق من يصنع الحياة الحرة الرغيدة المتقدمة. ومنذ انعقاد هذا المؤتمر تطور التماثل بين حقوق إلانسان و حقوق النساء و أدمجت حقوق الإنسان للنساء في منظومة منظمة الأمم المتحدة  خاصة في هياكلها التي تعمل على حماية حقوق إلانسان ومنها لجنة حقوق الانسان. إذ تم منذ ذلك الوقت اتخاذ مجموعة من التوصيات والقرارات العالمية من اجل حماية حقوق النساء و الاهتمام بها بالدرجة نفسها والقيمة التي تحظى بها بقية حقوق الإنسان التي تمارس في كل الفضاءات.  وفي الفترة نفسها اعتمدت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة إلاعلان العالمي الخاص بالعنف المسلط على النساء و أنشئت لدى لجنة حقوق الانسان الخطة المقررة الخاصة بالعنف ضد المرآة، أسبابه ونتائجه. وقد تكلفت هذه المقررة منذ البداية بإعداد تقارير سنوية حول العنف المسلط على النساء وتلقت العديد من الشكاوى و تنقلت الى عدة دول لمعاينة حالات العنف و حماية النساء المعنفات و وجهت رسائل الى السلطات المختصة لمطالبتهم بالتدخل لفائدة النساء المعنفات واخذ كل الإجراءات الكفيلة لمعاقبة مرتكبيه أما المنظمات الإنسانية المحلية والعالمية فقد بدأت بدورها وشيئا فشيئا تعالج هذه المسألة لكن تبقى أكثر المنظمات التي تهتم بهذه الظاهرة بصفة جدية هي المنظمات غير الحكومية النسائية التي نظمت العديد من اللقاءات و الندوات لتحديد هذه الظاهرة  كما فتحت مراكز للاستماع للنساء المعنفات ولمساندتهن وحتى مأوى لاستقبال اللواتي يتركن بيوتهن أو ليس لهن بيوت. كما نظمت بعض المنظمات غير الحكومية حملات للتنديد بالعنف المسلط على النساء أخذت في بعض الحالات شكل المحاكمات الصورية التي تتلقى شهادات النساء ضحايا العنف بمختلف أشكاله وفي مختلف الفضاءات. 

وما هذه الحملة التي تنظمها منظمة العفو الدولية إلا شكل من أشكال النضالات التي تقوم بها المنظمات لتحسين أوضاع النساء عبر التصدي للعنف المسلط عليهن. فلا لتعنيف النساء ونعم لحرية المرأة وكرامتها وعطفها فما كانت الحياة لولا وجود المرأة مانحة سمة النمو والخصب والعطاء لدنيا الإنسانية.

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2