تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الثأر الصغير


فوزي عمر الحداد

هاأنذا أخيرا أنتظره ، لقد نصبت فخاخي بدقة هذه المرة ، لم أوفر جهدا ، لقد بذلت كل ما أوتيت من مهارة ، لن يتمكن من الإفلات ، فالآلام التي سببها لي ذلك الطائر الصغير « بوحمرة « ما تزال ماثلة أمام عيني .

يبدو اصطياده صعبا عليّ الآن ،


 فأمي ترقبني وهي تحاول منعي بشتى الوسائل والطرق من ممارسة هذه الهواية اللعينة – حسب رأيها – إنها تريدني ولدا مطيعاً ملبيا لكل طلباتها ، استيقظ باكراً وأذهب إلى «الكوشة» في الشارع الخلفي لإحضار الخبز الساخن قبل أن ينفد ، ولطالما تساءلت حينذاك لماذا ينفد الخبز بهذه السرعة من الكوشة ؟ تأخير بسيط تأتي بعده فلا تجد شيئاً . بعد أن أحضر الخبز ترسلني أمي في مهمة أخرى يومية ، وهي محاولة إيقاظ أبي النائم ، إنه لا يستيقظ في الصباح بسهولة ، إن ترك وشأنه لا يقوم من نومته إلا بعيد الضحى ، وحينذاك يقرر البقاء في البيت فلا جدوى من الذهاب للعمل ، وحينها ستعاني أمي الأمرين من وجوده ، لأنه ساعتها لا يكون له شاغل إلا إبداء الملاحظات على كل شيء وإلقاء الأوامر والتعليمات ، إنه لا يترك هذه العادة أبدا ، ولهذا تصر أمي على استيقاظه مبكراً ليذهب إلى عمله ، فتتخلص بالتالي من (وجع الراس) حسب قولها . تظل ترسلني مراراً إلى غرفته لأوقظه أو لأتأكد من أنه قد قام فعلاً ، فأبي مخادع في هذه الناحية ، يتهيأ لك أنه قد قام فعلاً ولكن ما إن تتركه حتى يعود إلى النوم ، أمي تعرف هذه الذميمة فيه ، ولذا لا تبرح ترسلني في مهمات استطلاعية مملة جداً بالنسبة لي . بينما تنشغل هي بعمل « الفطور « أو بترتيب أمور البيت التي لا تنتهي ، يخيل إليّ أنها بمجرد أن تنتهي من عمل كل شيء تبعثر كل شيء لتبدأ من جديد ، إنها في عمل دائب لا ينقطع . لكنها مع ذلك تجد الوقت لأن « تكبِسَ « عليَّ وأنا أبحث عن الديدان خلف بيتنا أو بيوت الجيران ، فتنال من جسدي عصاة مكنستها التي لا تكاد تفارقها ، ثم تتوعدني عندما أنجح في الفرار أن تخبر والدي ، لكنها لا تفعل ، مرة واحدة فقط فعلتها ونلت على إثرها « طريحةً « ظل جسدي يئن منها أياما طويلة .

الطائر اللعين لم يأتِ بعد . كم أتحرق لاصطياده للقبض عليه ، فبيني وبينه حساب قديم ، ذلك أنني خسرت معه جولة فيما مضى ، فقد انقشع تراب فخي « المنداف « معلناً نجاحه في القبض عليه ، ولكن سرعتي وتلهفي جعلاني أنطلق من مكمني حافي القدمين ، فكان أن تسببتْ زجاجة مكسورة على الطريق في جرحٍ غائرٍ بقدمي ، حتى أنني لم أتمكن من الوصول في الوقت المناسب ، ففر « بوحمرة « وانطلق بعيداً . سبب لي ذلك الجرح آلاماً مبرحة ، في البداية لم أخبر أمي بشيء لكن قدمي ما لبثت أن تورمت فشكت أمي في الأمر وأخذت تفحص قدمي جيداً ، ثم قررت أخذي في الحال إلى الطبيب ، قرر الطبيب أن يجري لي عملية فورية لتطهير الجرح قبل أن يتفاقم الأمر ، فارتعدت فرائصي ، وباشر الطبيب عمله فبادر بعصر الجرح بكل قسوة ، صرخت من الألم حتى خارت حنجرتي . 

وبقيت في المنزل أياماً عديدة معلق الرجل ومحاطاً برعاية خاصة من أمي وأبي بينما كانت الشماتة تتقافز في أعين أخوتي الصغار وكذا رفقائي أثناء عيادتهم لي ، وكم آلمتني تلك الملاحظة السخيفة التي قالها أحدهم من أن الطائر بوحمرة يغرد بانشراح على سطح بيتنا . 

لقد عانيت كثيراً ، ولذا لابد أن يدفع الطائر اللعين ثمن ما فعله بي ، لقد بحثت كثيراً في سبيل هذا المطلب عن الطعم المناسب ، وكانت عملية البحث محفوفة بالمخاطر ، فأمي زادت بعدما حصل من رصدها لتحركاتي ، ومنعتني منعاً باتاً من ممارسة هوايتي اللعينة حسب رأيها . ولكنني اليوم فررت من البيت مبكراً جداً ، فلم أحضر الخبز ولم أوقظ والدي ، كان هاجس الثأر مسيطراً تماما على نفسي .

أسفرت عملية البحث المبكر عن نتائج رائعة ، فقد وجدت طعما لن يتمكن طائري من مقاومة إغرائه : دودة صفراء ذهبية كبيرة تتلوى باستمرار ، إنني أكاد ألمح بريقها تتلوى وهي معلقة بالفخ من هنا ، من مكمني بجانب تل الأوساخ الذي أقبع خلفه . هذه هي محاولتي الثالثة التي أحاول فيها أخذ ثأري والنيل من بوحمرة اللعين ، لقد أصبح الأمر بيننا مسألة شخصية ، إنه يهزأ بي في كل مرة أفشل فيها في اصطياده . يأتي فيدور فوق رأسي دورتين قبل أن يبتعد مزهواً . كذلك أصحابي لا يزالون يظهرون سخريتهم كلما رأوني أحمل الديدان والمنداف .

 

لكنه هذه المرة لن يفلت ، فقد درست خطواته جيدا ، كلما اقترب من المنداف أراه يدور حوله عدة دورات قبل أن يعبث به فينطبق فيحصل بالتالي على الطعم ويهرب ، لكن خبرته التي استقاها بفضل محاولاتي الفاشلة لن تفيده هذه المرة ، فالخطة التي رسمتها محكمة جدا ، لقد فكرت فيها طوال الليل وهأنذا قد نفذتها بدقة ، لم يبق إلا أن يأتي طائري المسكين . فقد استعرت فخاً آخر من أحد أصحابي ونصبته أمام فخي مباشرة وواريته كليا بالتراب حتى لا يظهر منه شيء وبالطبع كان لا يحمل طعماً فقد كان مخفياً تماماً تحت التراب الهش كاللغم تماماً .

وعندما يأتي غريمي سيحاول الدوران والالتفاف حول الفخ « الطعم « مظهراً عبقريته كما يفعل دائماً ، وسيكون اللغم بانتظاره ، خطة محكمة أليس كذلك ؟؟ 

ونجحت الخطة ووقع بوحمرة في الفخ اللغم ، لقد كنت مزهوا كمن حقق إنجازاً عظيما ، وعادت إليّ نفسي ، فاستحضرت رفاقي جميعا ، ورفعته بين يدي وخاطبته بجلال متكابر ثم قمت بذبحه بزجاجة مكسورة أمام الرفاق تأكيدا لهزيمته ، فكان أن تسبب الذبح في قطع رأسه فهذه أول مرة أذبح فيها شيئاً ، لم آسف لماحدث له وقلت للجمع من حولي إنه يستحق ذلك !! 

 

عدت إلى البيت تسبقني الخطى ، وقررت أن أكون منذ اليوم ولدا طيباً ومطيعاً سأحضر الخبز من الفرن كل يوم ولن أبرح حتى يستيقظ أبي من رقاده .

وصلت الدار ، وجدت أمي حانقة جدا وهي تضع عجينة « المجردقة « في فرننا الصغير المتهالك ، وكان أبي واقفا بجانبها يدلي ببعض تعليماته التي تتعلق بالطريقة المثلى لرمي قرص العجين داخل الفرن ، وأدركت على الفور الأزمة التي سببتها .. لا خبز .. وأبي في البيت لم يذهب لعمله . ما إن رأياني حتى تركا ما كانا فيه من هرج واستقبلاني . 

لقد نلت عقابا أنّت من جرائها عظامي وكل مفاصلي لوقت طويل . كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يتفق فيها أبواي – بهذا الشكل - على شيء واحد .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2