تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سادن المقام: مكان حرق النبي لا يزرع ولا يسكن حتى الآن


ساجدة ناهي 

تصوير: حيدر الحيدري

استغربت كثيرا عندما قرأت اللافتة التي تتوسط الشارع والتي كتب عليها (مقام ولادة النبي إبراهيم الخليل عليه السلام).فلم أكن أتوقع أن النبي إبراهيم قد ولد في بقعة ما في هذا المكان والذي لا يبعد كثيرا عن الشارع الرئيسي الذي يربط مدينة الحلة بمدينة النجف الاشرف.


ابتعدت السيارة التي كانت تقلنا عن الشارع العام مجتازة بعض القرى وهي في طريقها إلى هناك وما هي ألا دقائق حتى لاحت بالأفق تلة كبيرة ينتصب فوقها برج عال بدا وكأنه منظر خرافي لم نرَ نظيره إلا في الأحلام أو في بعض الأفلام السينمائية وقربها أيضا تلة أخرى كبيرة احتضنت فوقها مقام ولادة النبي «عليه السلام» الذي توسّط التلة.

كان المشهد من أعلى التلة التي وصلنا إليها رائعا جدا حيث بساتين النخيل تحيط التلتين بسور اخضر بديع.

قرب المدخل الرئيسي للمقام الذي جدد تشييده كما كان مكتوب في اللوحة عام 1386 هجرية لاحظت باهتمام لوحة بسيطة رسم فيها شخوص يمثلون نبي الله إبراهيم وهو يحمل سكينا وابنة إسماعيل الذبيح جالساً عند قدميه وقربه رسمٌ لملاك يطير في السماء حاملا كبش الفداء وقد زينت بآية قرآنية.

كما تضمنت لوحة أخرى نسبه الشريف وهو إبراهيم ابن تاغور ابن ساروغ ابن ارغل ابن فالخ ابن عاجر وهو هود النبي عليه السلام ابن شالخ ابن ازمخشد ابن سام ابن نوح النبي عليه السلام ابن مالك ابن التوشح ابن اخوج وهو النبي إدريس عليه السلام ابن بازز ابن هلائيل ابن فرشاق ابن الوش ابن شيت وهو هبة الله ابن ادم عليه السلام.

 

طريق الملائكة 

سلمان صيهود خادم النبي وهو من مواليد عام 1956 رافقنا في جولتنا الصغيرة هذه حيث اطلعنا معه على تفاصيل البناء الذي يتكون من قاعة كبيرة مفروشة بالسجاد بجدران بيضاء خلت من النقوش والزخارف التي اعتدنا رؤيتها في بعض الاماكن المقدسة حيث قادنا إلى سلم ونزل بنا بضع درجات ومنها إلى المغارة التي يقال إن النبي «عليه السلام» قد ولد فيها وهي في الحقيقة ليست أكثر من غرفة مظلمة فرشت بالسجاد أيضا تحتوي على موقع رمزي للولادة (شباك ذهبي)، عن سر هذه المغارة حدثنا السيد أبو ضرغام قائلاً: 

تقول الرواية التي تتحدث عن ولادة النبي إبراهيم إن النمرود كان ملكا ظالما حكم العالم بجبروته وكان يعمل لديه سحرة مرملين لا يختلفون كثيرا عن سحرة فرعون، والذين قالوا له يوما أن هلاكه سيكون على يد رجل ما زال في ظهور الرجال وعلى أساس كلام السحرة أصدر النمرود أمرا بمنع الرجال عن النساء بعد ذلك بفترة معينة طلب والد النبي إبراهيم وهو تارخ (وليس أزر الذي ذكره القران الكريم والذي كان إبراهيم يناديه بلفظة ابتي والذي هو في الحقيقة عمه) أذنا من النمرود بزيارة أهله وشاء الله أن يكون إبراهيم لذا اخبر السحرة النمرود أن الرجل الذي سيقتله أصبح الآن في أرحام النساء والذي أصدر بدورة قرارا بشق بطن كل امرأة حامل.

 

وكانت بطن أم إبراهيم تختفي كلما جاء من يفتش عن النساء الحوامل لذا عندما أحست بالولادة لم يكن أمامها من خيار سوى اللجوء إلى هذا الغار الذي يسمى بغار النور لتضع مولودها فيه ثم تترك إبراهيم الوليد في عناية الله، أما باب المغارة التي دخلت وخرجت منها فسرعان ما انغلقت بعدها بمشيئة الله وانفتحت بدلها هذه الفتحة،مشيرا إلى فتحة مستطيله الشكل في أعلى الجدار غطيت بقماش اخضر اللون كتب عليها غار النور مقام ولادة النبي إبراهيم وهذه الفتحة تسمى طريق الملائكة. 

أما لماذا سمي بهذا الاسم فهو لان الله تعالى شاء أن يرسل للوليد ملاك صالح على هيئة امرأة تقوم بإرضاع الطفل والعناية به وعندما تخرج من طريق الملائكة تكون بهيئة غزال وسبب ذلك يعود إلى أن النمرود كان يملك غزلانا كثيرة لذا كان الغزال الملاك يضيع بين غزلان الملك وحتى لا يتسرب الشك إلى احد.  

 

بيرس النمرود

أما عن مصدر معلومات السيد سلمان هذه فهي مما توارثه عن آبائه وأجداده من روايات إضافة إلى ما قرأه في قصص الأنبياء وغيرها من الكتب التاريخية والدينية لذا فأن معلوماته تقول أيضا إن الله قد انعم على النبي بفضله أن جعل نموه يختلف عن نمو باقي البشر فيومه كان بأسبوع وأسبوعه بشهر وشهره بسنه لذلك عندما خرج من هذه المغارة كان بعمر 40 سنة حيث تقول الروايات انه عاش 375 سنة. 

وأضاف أن إبراهيم الخليل عليه السلام وعندما خرج من الغار سرعان ما اصطدم بالنمرود وبمعتقدات الناس في ذلك الزمان الذين كانوا يعبدون الأصنام حيث حاول أن يجاهر بدعوته إلى وحدانية الله وتستمر الرواية عن حياة النبي حتى تصل إلى ما قرأناه في القران الكريم عن يوم الزينة الذي قام فيه بكسر الأصنام والتي كانت السبب في القرار الذي اتخذه النمرود بحرقه (احرقوه وانصروا آلهتكم). 

 

وتقول معلوماته أيضا إن الاستعدادات لجمع الحطب وحرق إبراهيم استمرت لمدة ستة أشهر في مكان مازال شاهدا على هذه المحرقة وبالتحديد في المنطقة التي تسمى الآن (عوفي) وهي تبعد حوالي 4 /5 كيلومترات عن هذا المكان حيث مازالت آثار المحرقة موجودة هناك وهي حتى الآن -بحسب قوله- لا تزرع ولا تسكن ومازال (الرماد) يخرج من هذه الأرض مهما حفر فيها. 

 

أما بالنسبة للتلة الأخرى المجاورة والتي يطلق عليها أهالي الحلة اسم  (بيرس) فهي وكما يقول أبو ضرغام موقع الصرح الذي بناه النمرود والذي حاول من خلاله أن يتحدى رب العالمين حيث تم قذف إبراهيم النبي من أعلى هذا الصرح بمنجنيق ليقع في المكان الذي اعد لحرقه وهذا يدل على براعة القدماء وإمكانياتهم الهائلة وعندما سقط النبي في النار وكما نعرف  نزلت الآية (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) فتحولت النار إلى روضة من رياض الجنة ولم يحترق النبي رغم أن لهيبها وصل إلى عشرات الأمتار.

وتستمر القصة مع سيدنا إبراهيم وهجرته إلى مصر بصحبة زوجته سارة وقصتهما المعروفة مع هاجر وإسماعيل الذبيح وبناء الكعبة ويضيف السيد سلمان إلى هذه المعلومات ليقول إن النبي كان يعود إلى هذا المكان بين فترة وأخرى ليتعبد فيه ليضاف إلى مقاماته المنتشرة في ارض العراق وغيرها من بقاع بلاد العرب حتى تمكن مع أتباعه الذين بلغ عددهم 72 شخصا في النهاية من خوض الحرب  ضد النمرود وقتله.

 

دار الظالم خراب

كما رافقنا أيضا إلى التلة التي ينتصب فوقها الصرح والذي بدا لي وكأنه برج هائل شق إلى نصفين حيث تبعد هذه التلة حوالي 1500 متر عن التلة التي تضم الغار وقبل أن نصل إليها كان في الوادي القريب عدة قبور منتشرة هنا وهناك قال عنها  أنها تعود إلى أحداث عام 1991 عندما كان البعض لا يستطيع الوصول إلى مدينة النجف الأشرف للدفن فيها.

قرب الصرح كانت هناك صخور هائلة تملأ المكان فسّر وجودها السيد سلمان بقوله إنها غضب رب العالمين الذي انزل الصاعقة نارا من السماء على قوم النمرود والذي أدى إلى حدوث هذه الفجوة في الصرح فـ(دار الظالم خراب).

هذا البرج يحتوي بدوره على شبابيك بدت لي من الأسفل وكأنها صغيرة وهي لتهوية المكان ولحماية البرج من تأثيرات الرياح والذي انتصب بدوره على قاعدة مربعة الشكل بدت آثار التنقيب فيها واضحة حيث برز نوع المواد المستخدمة في بنائه وهي عبارة عن طبقات من الجير والحصران والطابوق وهي بذلك لا تختلف كثيرا عن  صرح النمرود الذي يقع في مدينة  الموصل من ناحية البناء هذا بالإضافة إلى ملحقات أخرى لصرح النمرود والتي لا يستبعد أن تكون منازل رجال البلاط والحاشية المطمورة.

نعود إلى مقام النبي إبراهيم الذي يقال إن بنائه يعود إلى زمن الدولة البويهية وقد  تم تجديده ثلاث مرات آخرها كان عام 1963، أما بالنسبة للمفروشات والخدمات الأخرى فهي من تبرعات (الكوام) ومن عامة الناس. 

وفي مكان ما من القاعة الكبيرة التي تحيط المغارة من الأعلى وضع مهد (كاروك مليء بالورود وغطي بكلة) وهي قطعة من القماش الأبيض الخفيف تم التبرع بها من قبل احد الأشخاص ليكون رمزا للنبي الذي لم يوضع في مهد.

واختتم السيد سلمان جولته معنا بقوله إن الإقبال على زيارة هذا المكان ضعيفة جدا ذلك لأنه يقع في منطقة بعيدة نوعا ما عن مركز المدينة ويقتصر في كثير من الأحيان على الزائرين من القرى المحيطة به وقرية إبراهيم الخليل التي تبعد عن هذا المكان حوالي كيلومترين.

 

بين العلم والدين

معلومات السيد سلمان التي زودنا بها في هذه الجولة لم تلاق الترحيب عندما وضعتها بين أيدي الاثاريين حيث اكد احدهم وقد رفض ذكر اسمه ان للنبي ابراهيم الخليل عليه السلام موقعين اثريين هما موقع (بورسيبا) في ناحية الكفل وهو المكان الذي تحدثنا عنه في هذا التقرير وموقع جبل ابراهيم ويسمى (كوثة) في ناحية جبلة.

واضاف ان ما يتداوله البعض من معلومات عن هذا المكان غير صحيحة بالنسبة لنا كآثاريين فلا يستبعد ان البعض قد يلجأ الى بناء مثل هذه المقامات قرب الاماكن الاثرية من اجل أهداف مادية والناس على سذاجتها تصدق كل ما يقال لها كما قد يتم بناء مقام آخر بناءً على رؤيا او حلم وأنا لا اعتقد ان مكان ولادة النبي كان بهذا الارتفاع. 

اما عن النمرود فنحن لا نستبعد ان يكون مجرد شخصية خيالية ذكرت في التوراة فقط التي تؤكد ان النبي إبراهيم ولد في اور الكلدانيين والتي تقع في الناصرية.

والسبب الرئيسي لمثل هذه التناقضات يعود الى أن الآثاريين يعملون من منطق العلم فقط ولا يربطون في عملهم بين العلم والدين.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2