تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


شجار الأزواج.. عواصف تحوّل عش الذهب إلى عش من الشوك


وداد إبراهيم

اطمئني، ولا تحسديها، لقد كذبت عليكِ صديقتكِ تلك التي قالت لكِ إنها لا تشاجر زوجها أبداً، وهما يعيشان طوال الأيام حياة بلا مناكفات، هل جربت ذلك مع زوجك؟ كيف قررتما أن تعيشا بلا شجار، إذن هل أنتما دميتان أم آلتان؟!شجار الأزواج.. مسبباته، وتأثيره على الأطفال» ملفٌ تفتحه (نرجس) في هذا العدد وهو موضوع لطالما يشغل السيدات ويؤرقهن، 


«دخلنا في البيوت وحتى غرف النوم علّنا نتعرف على قصص توقفنا على أبرز الأسباب،  ندخل في القصة الأولى:

 

القصة الأولى

«كثيرا ما تجاوزت الشجار الذي يبدأه زوجي، لأنني لا أحب الخوض في المشاكل، بل لا أكثر من الحديث، أنا على عكس الكثيرات، أنهي الموضوع إما بالسكوت أو اعترف بالخطأ إن كنت فعلا على خطأ»، هكذا بدأت السيدة وفاء جميل (معلمة) حديثها لـ(نرجس).

الحالة الاقتصادية وعدم تحمّل الزوج عبء مسؤوليات البيت وزيارة الأقارب وغيرة النساء، من أهم الشرارات التي تشعل شجارا حاداً بين الأزواج، بحسب استطلاع أجرته (نرجس) على عينة نسائية، لكن نساء قلن أن هذا الشجار طبيعيٌّ ولا يمكن للحياة الزوجية أن تستمر من دونه، فهو كما يعبرن «شر لا بد منه»، من غير أن ينكرن الخدع والأحابيل التي استخدمنها في الشجار مع أزواجهن.

 

مصروف البيت 

تضيف وفاء «لم يكن حالي هكذا في بداية زواجي، فكنت لا انتهي من الشجار إلا وأنهيت الموضوع الذي أقيم العراك من اجله، أو أضع حدا للخلاف بيننا، وأسعى لوضع الحقيقة أمام زوجي حتى أرغمه على الاعتراف بأنه هو المخطئ واجعله يعترف بالتجاوز عليّ وعلى حقوقي، وهذه الصفة وضعت الكثير من الأمور في نصابها، مثلا مصروف البيت كان هو محور المشاكل بيننا، فهو يريد ان يبقى المصروف في جيبه حتى يتصرف به كيف يشاء، حتى استجاب وصار يضع المصروف في البيت وفق الميزانية التي حددتها في الصرف، فيما كان الشجار يبدأ ولا ينتهي حين يزورني أهلي واطلب منه أن يكون في البيت، كل هذا كان يحدث لأنني كنت اريد ان اعلمه على حياة اخرى تختلف عن حياته حين كان أعزب وغير ملتزم بزوجة وأولاد، واحاول العمل بالمقولة التي كثيرا ما دستها امي في أذني (الرجل وما تعوديه والولد وما تعلميه) فأردت أن أجعل يعتاد على الكثير من العادات التي تجعل مني زوجة سعيدة، فكنت أقيم شجارا يبدأ ولا ينتهي، خصوصا حين يرفض ان اذهب الى بيت اهلي في كل أسبوع، فأشعر باني اختنق ولا يخرجني من هذا الاختناق إلا الشجار».

 

من المذنب؟

ولطالما تذمّر الرجال من تعاطي النساء بعاطفية شديدة مع الشجارات والمشاحنات، غير أن الدراسات أظهرت أنه ذنب الرجال، وفيما تميل انفعالات النساء للخنوع والحزن، تسيطر السلطوية على انفعالات الرجال.

ويؤكّد علماء النفس أنّ النساء فعلاً تضطربن أكثر من الرجال حين ينهرن، إلا أنّ دراسة وجدت أيضاً أنّ الرجال هم من يتسبّبون بالشجار في المرتبة الأولى لأنّهم يميلون أكثر إلى التعبير عن العواطف السلطويّة المقوّضة، كالغضب الشديد والازدراء.

ففي الدراسة، تعرّض 67 رجلاً و75 امرأة لأوضاع متعدّدة يواجه فيها الثنائيّ شجارا، وقد حلّل الباحثون نوع العواطف التي تربط الأشخاص والتي قد يشعر بها الرجال والنساء، كما حلّلوا آثار ونتائج تلك العواطف لدى تكرار الصراعات.

وتبيّن أنه حين يواجه المرء سوء معاملة من قبل الشريك، ويتعاطى من شأنه، تشعر النساء بالتعاسة، أمّا في حال لجأ أحد الشريكين إلى العنف الجسدي أثناء الشجار، تسيطر مشاعر خيبة الأمل على النساء أكثر منها عند الرجال.

وعندما تمّ استجواب الشريكين عن كيفيّة شعورهما عندما يصرخ أحد الشريكين في وجه الآخر بشكل متكرر، شعرت النساء بالحزن، بينما أحسّ الرجال بالذنب، وعندما يحاول أحد الشريكين تشويه حقيقة الشجار والتذرّع بأنه محق، وجد البحث أنّ النساء يملن للتعبير عن الحزن في حين يشعر الرجال بالحرج وحسب.

كما وجدت الدراسة أنّه خلال المشاحنة مع الشريك، يُتوقّع أن يعبّر الرجال عن أحاسيس أكثر استبداديّة وسلطويّة على كالغضب والازدراء، أما النساء فيظهرن مشاعر الخنوع كالخوف والحزن والشعور بالذنب.

 

العين «الحمراء» في ليلة الزفاف!

لكن شهلاء صادق ترى انه «لا حياة زوجية بلا شجار وعراك وخصام وحروب باردة يبدأها الزوج منذ الأيام الأولى للزواج، حين يأخذ بنصائح وتوصية الأصدقاء والأهل والأقارب، تحت ما يسمى (أعطها العين الحمراء من أول يوم) واعتقد أن هذا يعني عين الغضب، ليبدو دائما في حالة من الغضب والحنق وكأنه غير راض عن كل ما أقوم به، ويحاول ان يعمل وفق مبدأ (أن لا يقول لي على اي شيء هذا جيد) فأصاب بالغرور بأنني امرأة وزوجة وأم بيت صالحة.. تثور ثائرته لأبسط الأشياء واصغر المواضيع، مما يجعل الزوجة في حالة توجس من ان يدب الشجار بينها وبين زوجها ويقال لها بأنها لا تعرف كيف تتعامل مع الرجل».

ومع هذا، فان شهلاء تحتفظ بقصة غريبة في ليلة زفافها ترويها لـ(نرجس) قائلة «دهشت بزوجي في ليلة زفافي وهو يتعامل معي بوجه آخر، فوجدته غير ذلك الرجل الذي عرفته أيام الخطوبة ولمست منه الحنان والرقة وعذوبة الكلام، وشعرت بأن هذا الوجه مصطنع ويتكلف في إتقانه، وفي الليلة ذاتها، ليلة الزفاف، اتصلت بأمي حين دخل الحمام وقلت لها أرى وجها آخر لا اعرفه. فقالت لي: (كوني مثله وان استطعت أن تتفوقي عليه في ذلك، فأنني اشعر بان هناك من علمه ذلك ليفرض سيطرته عليك منذ اليوم الأول)، وعرفت حينها ان الرجل يعتبر الشجار من مقومات الزواج الأساسية، بل ومن ابسط الامور التي ترغم الزوجة على الرضوخ له، فجن جنوني وعملت مثله فدب شجار بيننا لأنني قلت له ماذا هناك وجهك متغير فوجدته يقول لي سأخرج لأشم هواءً نقياً، وما ان خرج حتى أقفلت الباب وجعلته يقضي ليلة الزفاف وهو يتوسل أن افتح له الباب، ويصرخ ان «كل من في الفندق صار يضحك منه»، ومن حسن حظه أن هاتفه كان في جيبه، حتى اتصلت بي أمي وهي تقول لي أيتها المجنونة، لم تكن نصيحتي هكذا».

 

أسباب!

ولم تذهب الدراسات العلمية بعيدا عما استنتجت (نرجس) في استطلاع عينة نسائية حيث أكدت أن معظم المتزوجين يتشاجرون مرة كل شهر على الأقل، وينتج عن الشجار خصام لعدة أيام ويعتبر هذا الشيء طبيعياً جدا ولا يفسد الود. وفي معظم الحالات تكون الخلافات والمشاجرات حول المواضيع نفسها متكررة في كل العائلات. وأرجعت اسباب ذلك إلى الأطفال إذ أن نظرة كل من الطرفين للتعامل مع طفله بطريقة خاصة تتعارض مع نظرة الآخر. وهذا يحصل لاعتماد الطرفين على العواطف بطريقة كبيرة، ففي حين يجد الأب أو الأم مصلحة الطفل في شيء ما، يجد الآخر أن مصلحة الطفل هي في الاتجاه المعاكس معتمدا على عواطفه بشكل كبير. وكذلك المشاكل المالية ومسألة الاختلاف على الإنفاق كما كان من بين اسباب الشجار معاناة المرأة العاملة، وكذلك العلاقات مع الأسرة الكبيرة، وتقول الدراسة «قد يكون أحد الطرفين ملتزما أكثر من الآخر بهذه العلاقات، وتسبب المشاحنات داخل الأسرة عند الخروج عن التوازن الطبيعي في العلاقة معهم واعتبارهم جزء مهماً من الأسرة».

كما أن الاختلاف الكبير في هوايات وشخصيات الزوجين، تؤدي دورا كبيرا من توتر العلاقات.

ويقول الكثيرون إن الخلافات البسيطة هي بهارات الحياة الزوجية، ولكن إذا زادت عن الحد المعقول تصبح سببا في الفرقة والضيق داخل المنزل، وتنعكس على الأطفال بالدرجة الأولى. لذلك فنحن أمام تحد وهو أن نتفق على الأقل في معظم الأمور لنؤمن حياة زوجية سليمة ومريحة.

 

مع رجل بخيل!

ويعد العامل الاقتصادي سببا كافيا لاختلاق المشكلات العائلية بالنسبة للمجتمع العراقي.

 السيدة آمنة عبد علي شاركتنا الحديث عن تجربتها بالقول «كثيرا ما حاولت ان انهي الشجار بيني وبين زوجي بإقناعه بأني مخطئة، لينتهي الشجار لكني اضمر له في نفسي غيضا، واعمل ما اريد اما بالحيلة او المراوغة، المهم اني اعمل ما اريد من اجل بيتي وأبنائي، وفي كل الأحوال فأن الشجار يدب حول الأمور المادية، لان بيده ميزانية البيت والصرف، ولأنه يعمل محاسباً فهو يجيد الحساب والتقتير والتقصير، وهذا ما جعله يحسب لكل شيء، فيثير غضبي بل وبعض الأحيان افقد أعصابي، لكني أجد أن لا مفر من حساباته فأقطع دابر الشجار وأعود لرشدي في محاولة مني بعدم توسيع حدة الخلاف حول الأمور المادية، كما أنني احسب ألف حساب لأبنائي والذين يهربون من أمامه حين يبدأ بالحساب عن الاشياء وصرفها، والغريب ان المرأة قد تعتاد على الكثير من عادات الرجل إلا ان هناك عادات لا يمكن الاعتياد عليها، لأنها بحق تعتبر حالة من التعذيب والحرب الباردة التي يشنها الرجل من اجل ان تكون المرأة طوع امره».

لكن نساء أخريات تعايشن مع مسألة عناد الزوج وقررن «إتباع حرب باردة» طويلة الأمد، وهذه قصة السيدة أحلام.

 

حرب باردة! 

«في الأيام الأولى للزواج كان الخلاف بيني وبين زوجي تثيره غيرتي عليه وشكوكي به، لكن وجدته يأخذ الموضوع بسخرية وصار يفتعل المواضيع ليثير غيرتي، فعرفت ان هذا وحده هو ما يثير الشجار، فغيرت طريقة تعاملي معه وقررت أن أكون على عكس ما يريد».

 هذا ما تحدثت به السيدة أحلام مانع واستطردت حديثها قائلة: هكذا حاولت أن اظهر له عدم غيرتي عليه، بل وإنني لا أبالي له، إلا أنني كنت ابحث في هاتفه عن الأرقام الجديدة واجري اتصالاتي عبر هاتف شقيقته أو والدته فأجهز على علاقاته، واكشف كذبه للنساء، وحولت الشجار بيني وبينه إلى حرب باردة، في محاولة مني لكسر غروره، حتى وجدته يوما يقول لي: لا أعرف لماذا تهرب مني النساء، وانا الذي كانت تطارده الأخريات، ومع هذا أجد أنني أنهيت شجارا قد يستمر لأعوام حول علاقاته وحبه لمطاردة الأخريات، وذلك بالشجار مع كل فتاة يقيم معها علاقة حتى ولو كانت عبر الهاتف فقط وبدلا من أن اقيم الدنيا وأقعدها كنت أفكر في حيلة أو فرصة للوثوب والحصول على كل رقم جديد يدخل هاتفه، وان كانت قد حدثت معي مفارقات إلا أنني شذبت فيها الكثير من العادات».

واستطردت شهلاء حديثها عن المطاردات وقالت «على الرغم من ذلك لم يتوقف عن هذه الصفة في مطاردته للنساء حتى انهيت ذلك، حين ذهبت يوما الى بيت اهلي وعرفت من شقيقه الصغير انه يتحدث عبر الهاتف، حينها عرفت انه قد جلب شريحة هاتف جديدة، فطلبت منه أن يأخذ ذلك الرقم ويرسله لي، وكان لي ما اريد وصرت أرسل له رسائل حب وغرام وكان يجيب عليّ بأفضل منها، حتى اتصلت به وما ان سمع صوتي حتى صرخ بي تطاردينني وأنت بعيدة عني، هكذا تحول الشجار الى مطاردة لن أتوقف عنها أبداً».

 

مسؤولية الأولاد

السيدة سعاد جمعة شاركتنا الحديث وقالت: نعم يحدث شجار بيني وبين زوجي، ولأسباب كثيرة منها دراسة الأولاد ومستواهم وكيف إني أهملت هذا وذاك وبالأخص خلال الامتحانات النهائية، فزوجي يعمد إلى تركي معهم وتحضير واجباتهم وحين يكون هناك تقصير في شؤون البيت يبدأ بافتعال المشاكل وإلصاق التهم بي بأنني لا أصلح أن اكون أم بيت ناجحة، وكل ما اصلح له هو انجاب الأولاد فقط، وكأنهم أولادي فقط وعلي ان اتحمل مسؤولية الدراسة والبيت ومتطلبات الطعام والتنظيف وكيّ الملابس وغيرها من امور البيت، وكأني احمل اثقالا في يدي اليمنى وأخرى اكثر ثقلا في يدي اليسرى وحين افقد التوازن، أجده يلقي عليّ باللوم، وبعدها يدب شجار بيننا ويبدأ بالتذمر ويبدي ندمه لأنه لم يعرف كيف يختار المرأة المناسبة له، فأستذكر كيف كان يتوسل بالآخرين لإقناع أهلي بالموافقة على زواجه مني، وفي احدى المرات دب شجار بيننا انتهى بتركه البيت والذهاب الى بيت شقيقته الكبرى والتي يعتبرها مثل امه، حيث يبدأ بالشكوى والتذمر من حياته معي ومن الفشل الذي أصاب أبناءه في الدراسة، فتحاول ان تجد له حلا مناسبا ليتخلص من كل ما ينغص حياته وكل ما يحول حياته إلى شجار لا يتوقف لتقول له لدي الحل الأفضل ألا وهو الزواج بأخرى وترك البيت لها ولأبنائها ولا تقضي بقية عمرك مع من يحرق سنوات حياتك بالمشاكل والهموم والمسؤوليات».

 

الشجار أمام الأطفال

ولا يدرك اغلب الأزواج النتائج السلبية المترتبة على الشجار أمام الأطفال، إذ تؤثر هذه المناكفات بشكل مباشر على سلوك الطفل، على ما تقول الباحثة الاجتماعية زهور محمد لـ(نرجس).

وتلوم محمد العائلات التي تستمر في هذه الممارسات التي تسميها بـ»أكبر الأخطاء الشائعة»، مشيرة إلى المخاطر الجسيمة والعواقب التي يتعرض لها الأطفال جراء شجار الكبار أمامهم بالقول «إن للطفل مفاهيم معينة عن مكانة أمه في نفسه، أو حتى مكانة أبيه، لذا حين يعرف الطفل أن المؤسسة الأسرية التي ينتمي إليها والتي تمده بالحياة والأمل، هذا العالم الكبير بالنسبة له، ينهار أمامه او يهتز ويتدمر في لحظة الشجار، حينها يشعر بأنه أمام أزمة لا يستطيع التصرف حيالها، وامام حالة من الصعب على تفكيره تقبلها، كما ان الطفل لا يفرق بين شجار حول موضوع بسيط، او حول قضية كبيرة ومعقدة، المشهد الذي أمامه هو أن امه التي هي قدوته وسبب اتصاله بالحياة تضرب أو تهان او تجر من شعرها، هذا أكثر ما يخيفه، لانه لا يعرف كيف يحميها ويحافظ عليها، إضافة إلى ذلك فأن الشجار بين الزوجين  ينشئ ما يسمى الغيبة والنميمة لدى الأطفال، فيقوم الطفل بنقل حديث والدته لوالده، او بالعكس فتزداد المشاكل، او نقل الشجار الى المدرسة او نقله الى الآخرين، فتتوسع دائرة المشاكل بين الزوجين، بل هناك أطفال يبقون حاملين غيضاً على آبائهم ويكبر معهم مهما كبروا».

وعن المخاطر المباشرة على الطفل تقول محمد «قد يصاب الطفل بمرض الرهاب ويأخذ به الى أمراض جسدية مثل الحساسية المفرطة والاكزما النفسية وبطء الكلام ويخلق منه طفلا عصبيا قليل النوم».

والأمثلة والقصص كثيرة، في ما يتعلق بتأثير الشجار أمام الأطفال، وهذه قصة أخرى ترويها بطلتها لـ(نرجس).

 

أين فاطمة؟

«استيقظت على صوت قهقهاته القادمة من صالة البيت، التي علت بعدما كان يتحدث بصوت خافت، فاكتشفت أن زوجي كان يتحدث مع فتاة، ويعدها بالزواج، وربما يخدعها أو يصدقها بأن تعيش معه في بيت الزوجية، وبأنه رجل أعزب يبحث عن زوجة، وبقيت استمع لخداعه وكذبه حتى صرخت بأعلى صوتي، وأنا اشعر ان نارا تستعر في رأسي، بل فقدت صوابي على ما اذكر، قلت له مباشرة في لحظتها: ألا يكفي انك خدعتني أنا وأوهمتني بأنك ستكون أباً وزوجاً صالحا، ليشتد الشجار بيني وبين زوجي منتصف الليل حين أخذت منه الهاتف ورميت به أرضا ليصبح اكثر من قطعة، فجن جنونه، ورد علي بصوت أعلى دون ان يعتبر ان ما يفعله هو جريمة بحقي كزوجة وأم لطفلته، واتهمني بمراقبته».

عبير هي بطلة هذه القصة المؤلمة التي تكمل «استمر الصراخ والشجار بل زادت حدته وانا اجده لا يأبه بأنه متلبس بالخطأ حتى تحول المشهد الى عراك وضرب وصراخ، ولوقت طويل بعد ان رفع يده وضربني، دخلت الغرفة حيث تنام ابنتي معي وأغلقت الباب بالمفتاح والتفتُّ إلى فراشي وانا اتكلم مع نفسي، وأفكر باني تزوجت من اسوأ الرجال واكثرهم غرورا حتى فزعت وانا اقترب من فراش ابنتي والتي تبلغ التسع سنوات من عمرها، بأنها لم تكن في فراشها فصرخت فاطمة، وانا اهم بفتح الباب، جاء زوجي مسرعا وهو يعتقد أن شيئا ما قد حدث لطفلتي، الا أنني كنت اهم بالبحث عنها في عموم البيت، واعتقدت بأنها قد خبأت نفسها في الدولاب كما فعلت في المرة السابقة حين كنت أتشاجر مع زوجي، لكن لم اجدها في الدولاب او في المخزن، ركضت الى باب الدار فوجدته مفتوحا، ركضت انا وزوجي الى خارج البيت، وانا اصرخ بأعلى صوتي ومن ثم هرولت الى بيت اهله والذي يبعد مسافة  امتار عن بيتي فوجدتها في حضن ام زوجي، والتي بادرتني بالصراخ: ماذا فعلتم بالطفلة؟ ماذا حل بها؟ وهي صامتة لا تتكلم. حتى هدأت نفسي وشكرت الله اني وجدتها»..

تضيف عبير «لا أعرف كيف أخذتها قدمها الى بيت اهل زوجي، منتصف الليل دون ان يرعبها صمت الشارع وخلوه من الناس، وعرفت حينها، انها توقفت امام الباب وهي تطرقه طرقا قويا دون ان تتكلم، وقد ارتعب كل من في البيت وهم يستمعون الى طرق الباب دون ان يعرفوا من الطارق في منتصف الليل، وفزعوا حين شاهدوا فاطمة هي من تطرق الباب دون ان تتكلم، وما ان ارتمت في احضانهم، حتى عرفوا ان هناك شجارا قد حدث بيني وبين زوجي، هذه هي البداية مع مرض ابنتي والذي أصابها منذ تلك الليلة». 

هذا كان حديث السيدة عبير والتي عرضت أمامنا رد فعل الشجار على الاطفال لاسيما حين يكون الطفل في نوم عميق، ويفزع على صراخ امه او ينهض على صوت الضرب والصراخ، ويكون امام مشهد غاية في الرعب وهو يرى ان هناك من يضرب امه.

واكملت عبير حديثها «اخذتها بين ذراعي وانا في غاية من القلق والندم والشعور بالذنب، باني انا من كنت قد تسببت لما حدث لابنتي الوحيدة، وكانت لا تتكلم وقد حدقت بشدة في وجهي بقيت في حضني حتى الفجر، حيث بدأت تتكلم ولكن بشكل قليل او تتحدث بكلمة ثم تسكت، ومن ثم تستغرق طويلا، وما ان اصبح الصباح فأخذتها الى المستشفى ونصحني الطبيب بعرضها على الطب النفسي، لتكون رحلتي معها في مرض الصدمة النفسية، بالاخص وانها كانت قد شهدت مشاهد الشجار بيني وبين زوجي لاكثر من مرة، الا انها في هذه المرة لم تتحمل مشهد الضرب والشجار والصراخ فخرجت مسرعة، وكثيرا ما وجه اهل زوجي اللوم له بأن يتعظ، ويكف عن قصص الغرام التي يقيمها مع الفتيات مدعيا ان الكثيرات يطاردنه».

وأضافت عبير «كان لوم الطبيب علي شديدا بعدما شرحت له ما حدث، وحملني مسؤولية ذلك، وحذرني من ان ترفض العيش معي، بل وتخاف أن تعيش معي في نفس البيت، وحذرني من إصابتها بمرض نفسي قد لا تشفى منه أبداً».

وأردفت عبير حديثها عن تداعيات الشجار قائلة: للأسف لقد جاء حديث الطبيب صائبا، فقد كانت في بداية الأزمة التي حدثت معها لأشهر وهي تخاف المبيت عندي، بل كانت تقضي الليل مع عائلة زوجي، وهم يغمرونها بالحب والحنان، كما انها أصيبت بمرض جلدي وهو عبارة عن ظهور مساحات في رأسها خالية من الشعر، وهو ما يسمى بداء الثعلبة، وصارت تخجل من الذهاب الى المدرسة، لان الأطفال يسألونها عن سبب تساقط حاجبيها وأهدابها، مما ادى الى تغيّبها بين اليوم والأخر عن المدرسة، بل وكانت تختلق لي الأعذار حتى لا تذهب، بعد ان كانت حريصة كل الحرص للذهاب الى المدرسة، وهي في غاية الفرح كونها متفوقة في دروسها ومحط اعجاب معلماتها، فبعد تراجع مستواها الدراسي لم تستطع الذهاب الى الامتحان النهائي مما جعلها تفشل في الانتقال الى الصف الرابع الابتدائي».

 

كان درسا بليغاً

«نعم كان درسا بليغا لي لأكف عن الشجار معه امام اطفالي، على الرغم من ان زوجي  لم يغير حاله، بل كان يتصرف ذات التصرف دون ان يتعظ مما حدث لابنتي، ودون ان يضع حدا لتصرفاته، لذا توقفت عن الشجار، اي اني قررت ان  اسكت على ما يحدث من زوجي، لانه لم يتعظ بل كان يلقي باللوم علي، ويتهمني باني انا من يشعل فتيل المشاكل والعراك ليلا، وان علي ان أتقبل ألاعيبه مع النساء وتأخره ليلا».

 

الصراع محرّم!

هذا الصراع ممنوع ومحرم إذا كان أمام الأولاد أو بمعرفتهم فهو يختلف تماماً عن الحوار الهادئ في حل مشكلة ما، ويذهب بعض التربويين الى ان الابوين عليهما ان يتعمدا الاختلاف في قضية ما بمشاركة الأولاد وتدريبهم على القدرة لحل هذه المشكلة، والانتهاء بحل يرضي الجميع، وهذا نوع من التدريب على كيفية معالجة امور الحياة. 

تقول لبنى هاشم (تربوية) «الصراع الاسري بين الابوين يحرم وممنوع تماماً وهو خطر على الاسرة بكاملها وخاصة الاولاد، وقد بينت الدراسات العلاقة بين البيوت المتصدعة وبين مشكلات الاحداث المنحرفين اذ ينشأ الطفل على مشاجرات الابوين ولا يستطيع ان يتقبل ذلك كأسلوب ملائم للحياة، وينظر الى هذه الاسرة المفككة المضطربة فلا تعدو ان تكون حياة بائسة لا قيمة فيها، لان الطفل منذ نشأته بحاجة الى استقرار نفسي وشعور بالامان في ظل بيت يحميه ويرعاه من طوفان الحياة». 

وتحذر هاشم من أن ينتج عن البيت المتصارع اطفال يميلون الى المشاجرات مع زملائهم ويتخذون الشغب نمطا في حياتهم كما ينتج كذلك فقدان ثقة الأولاد واحترامهم لآبائهم المتشاجرين ويكون لذلك اثر في فشلهم على مواجهة الحياة، وغالبا ما يشاهد الطفل الاذى يلحق بأمه ثم لا يستطيع ان يتدخل لحمايتها فيشعره ذلك بالإحباط العميق، وأخيراً ينتهي الأمر بالطفل إلى كراهية احد الأبوين أو كليهما وينفرون من الأسرة كلها ويشعرون بالاشمئزاز نحوها.

ان خطر المشاجرة بحضور الاولاد يستمر معهم بعد الطفولة الى المراهقة وهي اصعب مرحلة يمر بها الانسان، وهي تحدد مستقبله المشرق أو القاتم، فإما أن تجعله انساناً عبقرياً نافعاً لامته، وإما أن تجعله انساناً خمولاً خجولاً وربما جعلته مجرما.

بعد كل ما سبق لا يجوز لنا أن نتصور أسرة تعيش كل عمرها على التوافق والتلاؤم في كل القضايا عبر عشرات السنين، فإن الاختلاف امر وارد وربما يكون هنالك تأديب للزوجة بشكل او بآخر حتى تعود الأمور الى استقامتها، لكن الخطير في هذه المسألة هو اطلاع الأولاد على ما يجري، والأسوأ منه الاستعانة بهم على حل مشاكلهم واجتذاب الأولاد الى طرفهم ففي هذا ضياع الأسرة والنكد والعناء.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2