تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مقام مشهد الشمس أحاديث وروايات وتاريخ حافل بالمعجزات والغرابة


ساجدة ناهي (تصوير حيدر الحيدري )

مشهد الشمس او مردّ الشمس او ردّ الشمس تسميات متعددة لمكان واحد جمع بين الوثنية والتوحيد ومازال محتفظا بنكهة الدين والتاريخ وينبض بروحية العظماء المقدسة، اختلف الرواة في بعض تفاصيل هذا المكان الصغيرة ولكنهم لم يشككوا أبدا في قدسيته او قدرة العلي الجليل وكرامات الأولياء لذلك فهو لصيق الصلة بنفوس أهالي  الحلة الذين يعتزون بوجود مثل هذا المكان في مدينتهم. 


لا يبعد مقام رد الشمس الا بضعة مئات من الأمتار عن منطقة باب الحسين في مركز مدينة الحلة عندها يمكنك ان تطالع من بعيد منارة المقام والزقورة المألوفة الشكل كما تستقبلك حديقة واسعة تشعرك بأنها في حاجة ماسة لمن يبعد عنها شبح الإهمال.

وقصة هذا المعلم كما سمعناها من آبائنا واجدادنا  تقول ان الامام علي بن ابي طالب عليه السلام وعند عودته من معركة النهروان سنة 37 هجرية مر بمدينة بابل حيث دفن هناك ابنة عمران بن علي عليهم السلام في مكان ليس ببعيد عن مدينة بابل التاريخية ولان ارض بابل وكما تقول الروايات ارض ممسوخة مسخت مرتين ورواية تقول ثلاث وأخرى تقول تمسخ أربع وعلى هذا الاساس لا تقبل فيها صلاة ولي ولا وصي, سار الامام حتى وصل الى هذا المكان وقد قاربت الشمس المغيب ولم يكن قد صلى بعد فدعا الله ان يعيد الشمس الى كبد السماء ليؤدي فريضته فعادت بأذن الله قراب رمحين وبعد ان صلى سارت نحو الغروب فبنى هذا المشهد إكراما للذكرى وتضيف الروايات انه عليه السلام بقي في هذا المكان أربعة أيام، كما يقال ان الامام علي ( ع )  أطلق على الحلة هذا الاسم والحلة هي حلة من حلل الجنة.

روايات أخرى 

كما تشير المصادر التأريخية ومنها ما يذكره الشيخ المفيد (قدس) المتوفى سنة 413 هـ انه قال لما اراد الامام علي (ع) ان يعبر الفرات انشغل كثير من اصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم وصلى (ع) بنفسه بطائفة صلاة العصر فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس ففاتت الصلاة كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فلما سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى رد الشمس ليجمع كافة اصحابه على صلاة العصر في وقتها فدعا الله تعالى في رد الشمس عليه وكانت في الأفق على الحال الذي تكون عليها وقت العصر فلما سلم القوم غابت الشمس فسمع لها وجيب شديد هال الناس فأكثروا من التسبيح والتهليل والاستغفار والحمد لله على النعمة التي ظهرت فيهم وسار خبر ذلك في الآفاق وانتشر ذكره في الناس. 

 وحسب ما ورد في كتاب فقهاء الفيحاء ان هذا المكان له قدسية قبل الإسلام وبعده فأن الملك البابلي نبوخذ نصر هو الذي أقام هذا المشهد إكراما لإله الشمس (شمش) لتمارس فيها الطقوس الدينية وشاءت العناية الربانية أن يكون محل تقديس الشمس موضعا لتقديس خالق الشمس في مشهد الشمس على يد امير المؤمنين وليس إنكارها الا لدى من ينكر معاجز الأنبياء كانشقاق القمر وينفي كرامة الأولياء. 

وروايات اخرى تقول ان الشمس لم ترد مرة واحدة في هذه الحادثة فقط بل ردت ايضا في مسجد الفضيخ في السعودية في حادث مماثل يجمع بين الرسول محمد (ص) والإمام علي (ع) وقد ذكر ذلك جمع غفير من المسلمين فقد ذكر سبط بن الجوزي في تذكرة الخواصل, عن اسماء بنت عميس قالت:  كان رأس رسول الله (ص) في حجر علي (ع) وهو يوحى اليه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله (ص) اللهم انه كان في طاعتك نبيك فأردد عليه الشمس قالت اسماء: فرأيتها طلعت بعد ما غربت ووقفت على رؤوس الجبال وذلك بالصهباء في خيبر. 

 فيما ينقل عن الحسني عن كتاب (الإشارات إلى معرفة الزيارات) لأبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي المتوفى في حلب عام 611 هجرية المطبوع في دمشق سنة 1953 قوله ان في مدينة الحلة مشهد الشمس (يقال ردت لحزقيال النبي (ع) ويقال ليوشع بن نون (ع) وقيل لعلي بن ابي طالب  (ع) والله اعلم.

 

نهاية الأحزان

السيد عباس محمد حسن الشلاه الأمين الخاص لمقام ردّ الشمس، قال إن هذا المكان يعتبر من المزارات المقدسة حيث يقصده الزائرون من جميع انحاء العالم وخاصة من الهند وباكستان وايران للتبرك والتقرب الى الله تعالى وله زيارة مخصوصة في اخر اربعاء من صفر الذي يمثل نهاية الأحزان على استشهاد الامام الحسين عليه السلام واخيه العباس (ع) وصحبة الميامين حيث تأتي الى هذا المكان اعداد غفيرة من النساء يصل عددهن الى الاف النساء مما تضطر السلطات المحلية في المحافظة الى قطع الطريق في هذا اليوم  وهذه الزيارة  هي جزء من تقاليد موروثة تقوم بموجبها النساء باستبدال ملابسهن السوداء اللواتي اتشحن بها طوال الاشهر الحرم بملابس اخرى ملونة او يقومن في بعض الاحيان بجلب هذه الملابس معهن تبركا بصاحب المكان ويطلبن النذور ولا يخلو هذا اليوم ايضا من نساء اخريات اوفين بنذورهن وحصلن على مرادهن  بتوزيع الحلويات والاطعمة على بقية الزوار لتكون دليلا على تحقيق أمانيهن وقد تتعدى هذه النذور الى هدايا عينية مثل الساعات والمراوح والسجاد لتكون جزءا من الاثاث الخاص بالمقام كما يشهد المقام توافد عدد اكبر من الزوار في عيد الغدير خاصة بالنسبة للبعض الذين لا يستطيعون الانضمام الى افواج المحتفلين بالغديرية في محافظة النجف.

 

أحاديث واعمار

يبلغ تاريخ هذا الأثر المعماري حوالي 950 سنة حيث تم بناؤه على الطراز السلجوقي بهندسة معمارية بديعة على شكل زقورة يبلغ ارتفاعها حوالي 25 مترا وهي بذلك لا تختلف في طرازها عن الزقورة الموجودة في مقام نبي الله ذي الكفل في منطقة الكفل في الطريق المؤدي الى مدينة النجف الاشرف او عن زقورة مرقد الست زبيدة في جانب الكرخ من بغداد لذا لا يستبعد ان الثلاثة بنيت في وقت واحد. 

عند دخولك المقام تواجهك قاعة كبيرة سقفت حديثا كانت في السابق حديقة دائرية الشكل يقول أبو علي عنها الذي له من الخدمة في هذا المكان أكثر من ثلاثين عاما وقد توارث عمله أبا عن جد انها المكان الذي توضأ فيه الامام علي (ع) كما تحيط بهذه القاعة ستة أواوين يقودك أحداهما من ناحية اليسار الى باب جانبية تقودك هي الأخرى الى قاعة رئيسية مساحتها 49 مترا ترتفع الى الأعلى بارتفاع الزقورة حتى تضيق في النهاية وهنا بإمكانك ان تلاحظ الهندسة المميزة التي بنيت بها الزقورة من الداخل والتي بنيت بنوع خاص من الطابوق مزدانة بشبابيك للإضاءة والتهوية هناك أيضا المحراب الذي صلى فيه الامام.

اما على يسار المقام وفي مكان مواجه نوعا ما لباب المقام الرئيسية هناك البئر الذي يقول أبو علي عنه  انه البئر الذي حفره الإمام وتوضأ منه حيث جرت العادة أن يقوم الناس بحفر الآبار في المكان الذي ينزلون فيه وهذا البئر يشبه إلى حد كبير البئر الذي يقع في مرقد الامام عمران بن علي عليهما السلام الواقع في اثار بابل على بعد ميل واحد تقريبا من قرية الجمجمة وهو ليس ببعيد عن شط الفرات وكذلك يشبه البئر الذي وجد في مسجد براثا في بغداد والذي أظهره للوجود الامام علي عليه السلام وصلى في المسجد مع اصحابه في قصة معروفة ومشهورة وهي من مناقب الامام عليه السلام  الا ان هذا البئر لم يبق من ملامحه أي اثر ويعلق ابو علي على هذا الموضوع ممتعضا انه دفن في عهد النظام السابق ووضع فيه أنقاض الطابوق الحجري الذي رممت به الزقورة عندما انهار جزء منها عام 1972 نتيجة الزمن والقدم حيث تم إعادة ترميمها في ذلك الوقت إلا ان إعادة الإعمار لم تفلح في ردم الشرخ الكبير الذي بدا واضحا في احد جدران الزقورة من الداخل اضافة الى لمسات التجديد التي بدت واضحة على أرضية وجدران المقام التي غلفت بالسيراميك بعد ان كانت ملطخة بالحناء والتي تمثل صورة واضحة لنذور النساء في هذا المكان حيث جاد بعمليات التجديد هذه وعلى التوالي عدد من أهل الخير كما قادنا ابو علي أيضا الى باب صغيرة في المقام يؤدي الى مسجد ومقام الامام علي وهو مصلى للرجال كان يسمى بمسجد الصاعدية كما اخبرنا عن معلومات تجري على السنة الناس وتداولها البعض وكأنها حقيقة منها ان حواريو عيسى (ع) دفنوا في هذا المكان كما ان النبي موسى (ع) سبق ان حط رحاله في هذا المكان وصلى هنا أيضاً. 

اما عن تاريخ المكان وعودة أصوله الى زمن نبوخذ نصر والحضارة البابلية فقد علق ابو علي مستهجنا بكلمات بسيطة تنم عن مدى اعتزازه وارتباطه بهذا المكان قائلا ان هذا كلام باطل ولا علاقة لنبوخذ نصر بهذا المكان، معللا قوله بان دائرة الآثار والتراث تحاول فك هذا المكان من ارتباطنا وإلحاقه بدوائرهم. 

 

من يقطع الشك باليقين؟

الأديب والباحث د. سعد الحداد عضو هيئة الإحياء والتحديث الحضاري في محافظة بابل زودنا بما لديه من معلومات عن هذا المكان فقال: 

تاريخيا هذا المشهد المقدس كان معبدا وثنيا لإله الشمس بناه بوختنصر وهو والد الملك البابلي نبوخذ نصر وعند مجي الإسلام تحول هذا المعبد المقدس من معبد وثني الى معبد يوحد فيه الله وحظي هذا المكان بكرامة رد الشمس على أشهر الروايات على يد الامام علي (ع) عند رجوعه من معركة صفين عام 37 هجرية. 

وأضاف أن التقاطع الذي يقطع الشك باليقين عن هذه المعلومات هو آثار تاريخية توجد خلف مقام رد الشمس لم يتم التنقيب عنها لحد الآن لأسباب تتعلق بان سعر المتر الواحد عند التنقيب يبلغ 50 مليون دينار, في البداية صدمنا بهذا الرقم الا إنني اعتقد الآن انه مبلغ يستحق المجازفة.  

اما الزقورة فهي متأخرة البناء وليس لها علاقة بالمكان الذي نتحدث عنه ولكن هناك ما يتحدث عنه كبار السن عن وجود اثار تاريخية في أساس هذا المقام وهي بدون شك تعود الى زمن بوختنصر. 

واضاف الأستاذ الحداد «انه كان للمهندس والشاعر والخطاط المرحوم شوقي جابر المهمة الأصعب في التصدي لمحاولات هدم هذه القبة وهذا المقام إبان النظام السابق بحجة انها توشك على الانهيار وتعريض حياة المواطنين للخطر حيث اقنع المسؤولين آنذاك بان هذا الأثر سلجوقي تركي وليس فارسياً كما كان يشاع عنه لذلك كان له الأثر الكبير ليس في الحفاظ عليه فقط بل بإعادة ترميمه. 

كما أكد أن هيئة الأحياء والتحديث الحضاري قدمت مشروعا لصيانة وبناء مشروع متكامل لمشهد الشمس يشمل قاعات وبارك وطوارم اضافة الى السياج الخارجي وقد قدم هذا المشروع الى مجلس الوزراء وتمت الموافقة عليه إلا أن الروتين حال دون متابعة الموضوع وأضاع منا فرصة إعادة هذا الأثر الشاخص بما يليق بروحيته المقدسة.

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2