تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المرأة الحلية..ثنائية التمرّد والانفتاح بمواجهة ثالوث الفقر والجهل والمرض


ساجدة ناهي

تصوير/ حيدر الحيدري

بالرغم من أنني لست ابنة الحلة ولم أعش في محلاتها القديمة كما لم أترعرع في أزقتها الضيقة، لكن السنوات الست التي أمضيتها فيها كانت كفيلة لكي أغوص في أعماق نسائها والتعرف إلى هواجسهن وأفكارهن عن كثب، إضافة إلى رصد العديد من الحالات المشرقة التي سرعان ما أجهز عليها خبراء ومختصون أجمعوا على وجود مشاكل اجتماعية خطيرة تعاني منها المرأة تقابلها حلول ترقيعية غير مجدية جعل وضع المرأة فيها كالنار تحت الرماد مع إحصائيات وأرقام مخيفة تضع محافظة بابل لتكون الأكثر فقراً بين محافظات البلاد.


ثالوث الفقر والجهل والمرض الذي أدى إلى انتشار أمراض اجتماعية لا يستهان بها جعلت نسبة الطلاق في المحافظة تصل إلى طلاق امرأة حلية واحدة كل (12) ساعة مع عنف شديد وأحاديث عن حالات انتحار كثيرة أهونها حقن الوريد بالكيروسين.

 

بوادر التمرد

في هذه المدينة الصغيرة أصبح بالامكان الآن أن تجد من تمردت على تقاليد مدينتها العريقة وتملصت من قيود ثقيلة أحاطت بها وحاصرتها بممنوعات كثيرة فخلعت عباءة أمها وجدتها وارتدت الملابس العصرية عند اقرب فرصة.

ومع أن كلمة "سفور" ما زالت تطلق على المرأة التي لا ترتدي العباءة السوداء التقليدية في هذه المدينة حتى وإن كانت ترتدي أكثر الملابس حشمة ووقارا وهي بذلك وبواقع الحال لا تسلم من الحرشة والتعليقات، الا ان هناك من يقول ان هذه الكلمة سرعان ما ستختفي من قاموس بعض سكان هذه المدينة المحافظة رغم ان عدم ارتدائها في الامس كان يشكل مصدر قلق كبير للعائلة الحلية.

بوادر التمرد ظهرت بصورة واضحة في شارع أربعين، الشارع التجاري المعروف في هذه المدينة والذي تسكنه اغلبية ذات جاه ومال حيث اصبح منظر من ترتدي البنطلون الجينز مألوفا جدا في هذا المكان ليكون حافزا لأخريات لارتدائه في اماكن اخرى، ولم تسلم المناطق الريفية هي الاخرى من عدواها، كما خلعت الاكبر سنا العباءة التي كانت ترتديها منذ ان الفت العالم من حولها واستعاضت عنها بالعباءة الاسلامية او كما كانت تسمى بعد أحداث 2003 العباءة الصدامية في الوقت الذي ما زال بعضهن يرتدين ملابس فاضحة تحت العباءة قد لا تليق في بعض الاحيان بمكان مثل الحرم الجامعي.

يقول القائلون ان سبب عزوف المرأة الحلية ومقاطعتها للعباءة التقليدية هو بعض تأثير العوائل المهجرة وخاصة العوائل البغدادية التي لجأت الى الحلة المدينة الأقرب مسافة الى بغداد واكثر انفتاحا خلافا للمدن الدينية المقدسة المجاورة.

فهل ستختفي العباءة النسائية من مدينة الحلة ؟! كما تكاد تختفي من الذاكرة البغدادية بعد ان وجدت من ينافسها صرعة وحداثة من موديلات العباءة الخليجية والملابس الحديثة حتى تصبح بالنسبة للمرأة الحلية ايضا رمزا من رموز الماضي وجزءا من الفلكلور الشعبي المنقرض.

 

اقتحام لشوارع المدينة

منال ابو خمرة احدى السيدات اللواتي اقتحمن شوارع مدينة الحلة كسائقة بجدارة وبثقة عالية يشهد لها فيها الجميع وبضمنهم رجال المرور أنفسهم لتكون قيادة المرأة للسيارة هنا ظاهرة جميلة وجديدة تطرأ على مدينة الحلة.

تقول ابو خمرة ان قيادتها للسيارة أصبحت ضرورة ملحة فرضتها تكاليف الحياة المعاصرة التي بدأت ترمي بثقلها الكبير على كاهل الرجل الذي يعود في آخر النهار منهكا بعد قضائه جلّ وقته في العمل والتزاماته الحياتية والوظيفية الأخرى لذا تحتاج المرأة لسيارة خاصة بها لقضاء مشاوير ضرورية أسهلها بالتأكيد ذهابها وإيابها الى العمل وايصال الأولاد الى المدارس بغض النظر عن الاحداث الكثيرة التي يمكن ان تمر على المرأة خلال هذه الساعات.

وعن مضايقات من نوع آخر قد تتعرض لها المرأة صاحبة السيارة في الأماكن المزدحمة قالت: ما زال المجتمع الحلي ينظر بغرابة لصاحبة السيارة الا انني وإزاء بعض المضايقات أطبق شعار (لا ارى لا اسمع لا اتكلم) فقط انظر في المرآة ولا أعير اهتماماً لأي شيء.

فيما اكد مدير مرور محافظة بابل العميد شاكر جبر غنام المعموري أن ظاهرة زيادة نسبة عدد مستخدمات المركبات من العنصر النسوي تدل على التحول الذي حصل في المجتمع العراقي بصورة عامة والحلي بصورة خاصة نحو الديمقراطية والوعي الذي بدأت ثماره تظهر على العيان حيث بدأت المرأة الحلية تأخذ دورها في المجتمع من خلال مجالس المحافظات والمجالس البلدية ومجلس النواب وباقي دوائر الدولة.

"وهناك ايضا حافز للمرأة للولوج في معترك الحياة بعد منعها مجتمعيا وبصورة لا ارادية من ان تدخل معترك الحياة في كافة المجالات ولفترات طويلة"، هذا ما أضافه المعموري وأكد "أنا كمدير مرور محافظة بابل درست هذه الظاهرة ولاحظت ان المرأة اقل بكثير من الرجل في ارتكاب المخالفات وهي على قدر كبير من الانضباط فهي أكثر التزاما بقوانين وأنظمة المرور واقل سرعة بقيادة المركبة من الرجل كما ان الحوادث التي تسجل ضد المرأة هي اقل بكثير من الحوادث التي يتسبب بها الرجل ومن المفرح لنا أن نرى المرأة تقود السيارة في شوارع الحلة وهي مرتدية حزام الأمان ومنتبهة كل الانتباه في قيادتها للسيارة ونحن بدورنا نشجع قيادة المرأة للسيارة ونعتبرها ظاهرة جميلة جدا".

المرأة الحلية البسيطة بصورة عامة اعتادت حياتها البيتية الرتيبة وشغلت نفسها بروتين حياتي خارج عن ارادتها والسبب هو صغر مساحة المحافظة فأينما تولي وجهك في ارجاء المدينة تجد صديقا او قريبا يعرفك مع عدم وجود متنفس تكسر فيه المرأة الحلية رتابة حياتها، الا من خلال زيارة قبور الاولياء والصالحين التي تحفل بها محافظة بابل حيث يكون لهذه الاماكن اوقات محددة للزيارة او في احسن الاحوال زيارة المراقد المقدسة في النجف وكربلاء.

كما لمست حاجز الخوف في نفوس الكثير منهن وعدم الشعور بالامان على الرغم من ان محافظة بابل هي من المحافظات الاكثر أمانا مقارنة ببغداد وديالى والموصل وهو بلا شك ناتج عن الاوضاع الامنية غير المستقرة التي ساهمت في التأثير على حرية المرأة وحركتها بل حولها الى كائن ضعيف يخاف من كل شيء فبعض من التقيت بهن على سبيل المثال لم تر احدهن فيها مدينة بغداد والتي رأتها في يوما ما فلم تصلها منذ أحداث 2003.

 

الفلاحة بين التعليم والزواج

في قصة سمعتها (نرجس)، اضطر والد هند الطالبة التي انهت الدراسة الابتدائية بتفوق الى اجبارها على ترك مقاعد الدراسة والمكوث في المنزل لمساعدة والدتها في اعمال المنزل والمزرعة في منطقتهم الريفية النائية.

والد هند برر تنفيذ قراره القاسي هذا بحق ابنته اليافعة بانها اخذت القسط الكافي من التعليم الذي أهلها للقراءة والكتابة وهذا بالنسبة اليه يفي بالغرض بالنسبة لفتاة ريفية تسكن في اطراف محافظة بابل معلقا على ذلك بالقول "الفلاحة تبقى فلاحة ومكانها البيت والعمل في الحقل".

اما الاسباب الحقيقية التي جعلت والد هند يتخذ هذا القرار القاسي بحق ابنته فهو بعد المدرسة المتوسطة عن مكان سكناهم وعدم توفر وسائط النقل التي تؤمن ذهابها وايابها من المدرسة بأمان واضطرارها الى اجتياز حقول شاسعة بمفردها مشيا على الاقدام اضافة الى اخبار وربما شائعات من هنا وهناك عن اختطاف احدى الفتيات من المنطقة.

قد يكون لوالد هند أسبابه الخاصة التي جعلته يحرم ابنته من حقها في التعليم ويفكر في تزويجها لاقرب عريس يطرق بابه حتى وان كانت صغيرة السن الا ان اخريات في مركز المدينة تركن مقاعد الدراسة دون وجود ادنى سبب من هذه الاسباب حيث باتت ظاهرة تسرب الطلبة والطالبات بصورة خاصة وتركهم لمقاعد الدراسة من المشكلات التي تواجه المؤسسات التربوية في محافظة بابل.

فرغم المستوى العلمي العالي التي وصلت اليه المرأة الحلية الا ان الجهل وغياب الوعي والتخلف ما زال يعشش في ثنايا جسد المجتمع الحلي بصورة عامة حيث تصيبك الدهشة اذا شاهدت اعداد الفتيات اللواتي لا يعرفن القراءة ولا حتى كتابة أسمائهن.

دهشةٌ لإحداهن وهي تمد يدها بهاتفها النقال طالبة المساعدة في قراءة الرسالة التي تسلمتها وعندما سألتها باستغراب عن سبب تركها للدراسة في سن مبكرة جدا قالت "(ما الي واهس) كما ان عائلتي شجعتني على ترك الدراسة وانا اليوم نادمة جدا واكاد اغوص في الارض كلما لمحت احدى صديقاتي وهي تواصل الدراسة بنجاح".

الندم الذي تشعر به علا وهذا اسمها جعلها تصر على اداء الامتحانات الخارجية الا ان طموحها ما زال يصطدم باللامبالاة المقيتة من الاهل مما جعلها تقبل الزواج من اول شاب تقدم لطلب يدها وفي في السادسة عشرة من العمر، فالشابة هنا تستحق لقب عانس بجدارة ان وصلت الى سن الخامسة والعشرين من العمر وهي بلا زواج.

 

 قصة أخرى

وعلى غرار المسلسلات التركية جرت الأحداث على الفتاة (س) مشابهة لمسلسل (فاطمة) حيث تعرضت (س) لحادث اغتصاب من قبل أربعة شبان وهي في طريقها الى منزل عمها بعد المغرب بقليل في منطقتها الريفية النائية.

والغريب الذي لا يشبه ما جرى في أحداث في المسلسل هو دناءة نفوس الشباب واستهتارهم الذي جعلهم لا يكتفون باغتصاب الضحية بل عمدوا إلى تصويرها بأجهزة الموبايل لاستخدامها كورقة تهديد ضدها في حالة الإبلاغ عنهم.

وفي مجتمع عراقي حلي وريفي يدفن العار ويهيل عليه التراب مع جثة المرأة بغض النظر عن ظروفها، لم تبلغ الفتاة عن الجناة ولم توصلهم إلى المحاكم كما لم يتعاطف معها احد بل اكتفت بكشف سرها الى والدتها التي لاحظت سوء حال ابنتها فأقامت الدنيا ولم تقعدها بالعويل والبكاء ولكن بصمت لان الشباب لم يكونوا غرباء بل كانوا من أبناء المنطقة فحاولت مواجهتهم والاقتصاص منهم بمفردها إلا أنها سرعان ما تراجعت عند رؤيتها للفيلم الذي يحكي قصة ابنتها الأليمة فعادت خائبة بعد أن نصحها احد المقربين الذي فضحت أمامه السر بالسكوت والتستر على مصيبتها حفاظا على سمعة ابنتها وحياتها.

والسر الذي كان بين اثنين وثلاثة تسرب إلى ألفين حتى وصل إلى مسامعي لتكون قصة هذه الفتاة عبرة لمن اعتبر وما خفي من أمثال هذه القصة اكبر وأكثر.

 

نساء معمل الطابوق

منذ 22 عاما وأم زمن تحمل على رأسها المتعب قدور الماء الثقيلة وتنقلها الى معمل الطابوق القريب من منزلها مقابل 25 ألف دينار فقط كل أسبوع إلا أنها اليوم جليسة المنزل وتبحث عمن يمد لها يد العون والمساعدة لإعالة اثني عشر شخصاً من أفراد عائلتها الكبيرة والسبب هو ايقاف معامل الطابوق الاثني عشر الموجودة داخل محافظة بابل إلى منطقة الشوملي على طريق محافظة الديوانية منذ قرابة الستة اشهر.

ام زمن التي كانت تعمل في معامل طابوق النيل القريبة من سيطرة بابل – بغداد لم تكن هي الوحيدة التي انقطع رزقها بسبب الاستراحة الإجبارية التي فرضت عليها حيث ان أكثر من خمسين عائلة من القرية نفسها تضررت بسببه بعد إن كان المورد الرئيسي للرزق فيها.

ايقاف المعمل جعل ام زمن التي تعيل مع زوجها المتعب الذي أنهكته الحروب عشرة اولاد خمسة منهم في المدارس تقود حياة معيشية صعبة دون راتب او حتى تقاعد الامر الذي اضطر معه احد الاولاد الى ترك الدراسة والتفرغ للعمل لمساعدة الاسرة.

اكثر المتضررين من إيقاف ونقل المعمل هم من النساء حيث ما زالت اثار نيران وحرارة معمل الطابوق والعمل تحت اشعة الشمس الحارقة بادية على وجه عليا شلال حمد رغم مرور اكثر من ستة اشهر على تركها للعمل.

سألت عليا التي بدت لي وكأنها في العقد الثالث من العمر عن عدد السنوات التي قضتها في العمل فأشارت الى طفل صغير لم يتجاوز السنوات الستة من العمر وقالت ببراءة (منذ ان كنت بعمر هذا الطفل ونحن نعبئ الطابوق و(اللبن) ورغم انه كان عملا مضنيا، الا اننا كنا مجبرين على ذلك بعد ان توفي ابي وامي وتركوا لي ثمانية أشخاص واغلبهم من البنات لنعيلهم انا واختي انتصار.

عليا التي كانت تحصل على 60 الف دينار اسبوعيا تجلس اليوم في المنزل بلا ادني راتب ولا معيل ومع ذلك لا تستطيع الذهاب الى مكان نائي مثل الشوملي اما كيف ستعيش في الايام والاشهر القادمة فـ(العيشة على الله ) حسب قولها.

 

الثالوث الخطير

أرقام وإحصائيات غير متوقعة حصلت عليها من حديث د. حسن علوان بيعي رئيس فرع طب المجتمع وطب الاسرة / جامعة بابل وخبير غير متفرغ لمنظمة الصحة العالمية شرق المتوسط الذي وافانا بتفاصيل مهمة عن واقع المرأة في هذه المحافظة فقال:

حسب وزارة التخطيط تعتبر محافظة بابل ثاني اكبر محافظة في زيادة معدلات الفقر في العراق بعد محافظة المثنى والفقر بصورة عامة يتركز في النساء ولأسباب عديدة ومعروفة وهي ان المرأة العراقية ومنها المرأة الحلية تكون فرصتها في الاستقلال الاقتصادي ضعيفة جدا إذن هناك تأنيث للفقر في محافظة بابل.

كما ان نسبة الامية في هذه المحافظة تتجاوز الـ25 % وفي مسح أجريناه مؤخرا لاحظنا وجود عينة من النساء في بعض القرى تتجاوز نسبة الأمية فيها الـ40 % وقد تقل هذه النسبة في المناطق الحضرية حيث وصلت الى 10 او 18 % لذا اصبح الثالوث المنتشر فيها هو الفقر والجهل والمرض فالفقر يولد الجهل والجهل يساعد في انتشار الأمراض حتى أصبح كالحلقة المفرغة والأكثر تضررا من هذا الموضوع هم النساء.

ومن اهم الأمراض الاجتماعية المنتشرة في هذه المحافظة هو التسول حيث ان 50 % من المتسولين هم من النساء والتسول في الحلة انواع منها التسول بالاعاقة والتسول بالمرض والتسول بالطفل والتسول بالعنف والتسول بالفن وهناك التسول بالوقار على طريقة عزيز قوم ذل والمتسولة إنسانة مدمرة للمجتمع ومدمرة للتنمية الاجتماعية وهي ليست أكثر من قنبلة موقوتة.

كما ان المرأة العراقية والحلية بصورة خاصة هي أكثر مرضا وأطول عمرا من الرجل وسبب المرض هو قلة المناعة بسبب الحمل والولادة وما يرافقها وأطول عمرا لأنها لا تتعرض للازمات القلبية والجلطات مثل الرجل ويعتبر العراق في مقدمة الدول التي تعاني من وفيات الامهات الحوامل اثناء الحمل واثناء الولادة او بعد ستة اسابيع من الولادة حيث كانت النسبة السابقة هي 294 لكل مئة ولادة حية الا انها تراجعت وحسب احصائيات وزارة الصحة حتى وصلت الى الاربعين ولكن لا تزال هذه النسبة عالية مقارنة بدول اخرى والسبب يعود الى امراض فقر الدم وسوء التغذية والعمالة والحقيقة ان حقوق المرأة مهدورة والسبب هو عدم وجود الضمان الاجتماعي والدليل وجود وزارة شكلية للمرأة بدون حقيبة وهو امتهان للمرأة رغم ان المرأة نصف المجتمع وهي مسؤولة عن المجتمع.

 

طلاق وعنف

أستاذ طب المجتمع أشار أيضا الى دراسة اجراها الإعلامي علي الربيعي في بابل والتي اكدت ان امرأة حلية واحدة تطلق كل 12 ساعة ورغم انه رقم لا يصدق الا انه قليل جدا مقارنة بالارقام التي اصدرتها وزارة المرأة التي اكدت ان العراق شهد عام 2011 اكثر من 59 الف حالة طلاق وعلى هذا الاساس اذا اردنا ان نقسم هذا الرقم على عدد ايام السنة 360 يوما، فأن المعدل يصل الى 164 امرأة تطلق في العراق يوميا واذا قسمنا هذا العدد على عدد ساعات اليوم نجد ان سبع نساء تطلق في الساعة الواحدة بمعنى أن امرأة واحدة في العراق تطلق كل عشر دقائق لذا فان الحصيلة التي خرج بها الربيعي هي صحيحة وحقيقية اي بزيادة تقدر بعشرة أضعاف المعدل الذي كان في عام 2002 مقارنة بالزواج.

وحسب وزارة التخطيط ايضا، والحديث لبيعي، فأن اكبر نسبة بين المحافظات التي تشهد زواج الفتاة تحت عمر 18 سنة هي في الحلة كما ان اكبر معدل للاسرة في المنزل الواحد في العراق هي في الحلة ايضا وعلى هذا الاساس فأن أكثر الامراض النفسية وحالات الانتحار تحدث بين نساء هذه المدينة اعتمادا على الدراسة التي اجرتها مؤسسة بنت الرافدين والتي اكدت ان نسبة العنف الذي تتعرض له النساء هنا يصل الى 86 % والعنف الأسري يؤدي الى إصابة المرأة بالكآبة والأمراض النفسية وهذا طبيعي لان المرأة عاطفية ومظلومة ومتعبة والكآبة بدورها تؤدي الى الانتحار ومن وسائل الانتحار حقن الوريد بمواد كيمائية ومنها الكيروسين او شنق المرأة نفسها او الحرق او تناول كميات كبيرة من الادوية او المواد السامة وكثيرا ما نسمع عن احتراق امرأة بسبب المدفأة او غير ذلك الا ان الحقيقة تقول انها اضرمت النار في نفسها وهذا الموضوع هو نار تحت رماد ويجب ان يكشف وليس لدينا أرقام حقيقية عنه لانه يعتبر وصمة عار وموضوع تتستر عليه العائلة والمجتمع ولولا الوازع الديني لسمعنا وشاهدنا حالات أكثر لاننا في حقيقة الامر مجتمع ذكوري عشائري متحضر في الملابس الغربية فقط ولكن سلوكنا ما زال سلوك البداوة.

 

السل والسرطان

وأضاف أيضاً أن اغلب النساء ونتيجة للضغط النفسي اكثر عرضة للاصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري الى جانب مرض السرطان الذي يعتبر القاتل الاول في العراق وفي الحلة بصورة خاصة بسبب الجهل، لان المرأة الجاهلة لا تعرف الفحص المبكر لذا غالبا ما نكتشف حالات متقدمة تموت فيها المرأة بعد سنة ونصف على الأغلب، وهناك مرض آخر هو التدرن الرئوي (السل) الذي تحول الى مرض اجتماعي فالعائلة التي يكتشف بها مرض السل لا يتزوجون منها وإذا اصاب المرأة فأنها تطلق او يتزوج عليها الرجل لذا تعمد المرأة في اغلب الأحيان الى إخفاء المرض حتى يتسبب في تآكل رئتها ومن ثم موتها وهذا نتيجة الجهل.

وفي مسح أجرته كلية الطب أيضاً وجد أن نسبة 90 % من حليب الأمهات المرضعات في بابل ملوث بالمعادن الثقيلة كالرصاص والكالسيوم ونسبتها موجودة في المرأة العاملة بأكثر من خمسة اضعاف بالنسبة لربة البيت وهذا يعود الى تلوث البيئة جراء العواصف الترابية والغازات التي تطلقها عوادم السيارات وقد وجد ان اكثر الإصابات تنتشر بين النساء التي تسكن في منازل تقع قرب الشوارع العامة وقرب المحلات أو الأحياء الصناعية وهذا يعني ان البيئة ملوثة بعنصر خطير لا يحتاجه الجسم يؤدي الى قلة الذكاء وفقر الدم والنحول وبالتالي ضعف الانتاجية الى جانب توقف الكليتين عند المرأة وامراض اخرى كثيرة في الوقت الذي ليس لدينا فيه ارقام حقيقية عن الفشل الكلوي.

 

بين العنف والتحرش

علياء الأنصاري رئيسة منظمة بنت الرافدين وهي احدى اهم وانشط منظمات المجتمع المدني في محافظة بابل قالت "ان الحديث عن واقع المرأة العراقية والحلية بصورة خاصة يستلزم ان يكون على محورين يتناول المحور الاول المرأة التي تعيش في المدينة والحاصلة على تعليم عال، بكلوريوس فما فوق، وهي مابين الموظفة او الناشطة المدنية او البرلمانية وهن قلة والمحور الثاني يتناول المرأة البسيطة، الشريحة الاكبر والاهم، وهي للاسف مغيبة ومهمشة سواء على مستوى مؤسسات الدولة او منظمات المجتمع المدني وحتى على صعيد الإعلام.

وقد يعتقد البعض ان القسم الاول من نساء المدينة قد نلن حقوقهن من حيث الراتب او السفر وغير ذلك الا اننا نجد انها في حقيقة الأمر ما زالت تعيش العنف ومصادرة الحقوق وهناك من ليس لها القدرة على اختيار شريك حياتها الى جانب ظاهرة جديدة انتشرت على نطاق واسع وهي حرمان الفتاة من التعليم وتزويجها في سن مبكرة بحجة الستر عليها وهذا ما يعرضها إلى مستقبل مقلق لانها ان لم تحصل على التعليم ستكون اشبه بقشة في مهب الريح لان حرمان الفتاة من التعليم معناه حرمانها من فرصة العمل و من حياة حقيقية.

 

اما الشريحة الاخرى وهي الاكبر فهي معرضة للعنف وإلى حرمان كبير جدا من ابسط مستلزمات الحياة و من اهمال مؤسسات الدولة ايضا ولا اعتقد ان راتب الرعاية الاجتماعية هو دعم للمرأة بالعكس هو تكريس لواقع متخلف واليم جدا تعيش تحت ظله المرأة ومن اكبر مصادر العنف والذل ضدها لانها تتسلم 90 الى 120 الف دينار كل شهرين او ثلاثة اشهر وهو راتب قليل جدا كما ان طريقة إعطائه مذلة وهي تتعرض لاهانات الموظفين والوقوف في طوابير طويلة تحت اشعة الشمس وكان من الاجدر بالحكومة ان تحول هذه الأموال الى قروض او استخدامها في بناء مصانع تستوعب اعدادا كبيرة من العاطلين عن العمل من النساء والرجال على حد سواء وهو بالتأكيد افضل من عملها في كور ومعامل الطابوق لذا اعتقد ان واقع المرأة العراقية بصورة عامة مرير جدا ولا اود ان اسمع من يقول انها قد حصلت على حقوقها فهي لم تحصل على أي حق، حيث ان مشاركتها في البرلمان ونسبة الـ 25 % هي مقتضيات سياسية جاءت بها المرحلة وليس ايمانا من الرجل العراقي بضرورة مشاركة المرأة له في هذا المجال لذا فالمرأة هنا اما ان تكون هي مغيبة نفسها لاسباب كثيرة واما ان يتم تغييبها وفي الحالتين هي معنفة ولا اعتقد أن هناك عراقية من البرلمانية إلى أبسط امرأة غير معنفة.

 

العنف الأسري

كما قامت المنظمة، والحديث ما زال للسيدة الانصاري، بإعداد دراسة استهدفنا فيها واقع المرأة العراقية في محافظة بابل بعد ان لاحظنا ان المنظومة التشريعية العراقية لا تكفل حماية قانونية صحيحة للمرأة، بل انها في كثير من الأحيان تشجع الرجل ان يعنف زوجته وتعطيه الحصانة لذا استهدفت الدراسة ثلاثة الاف عينة منها 2500 امرأة توزعت بين 500 ربة بيت و500 موظفة و500 طالبة جامعة و500 طالبة إعدادية و500 امرأة ريفية اضافة الى 500 رجل خرجنا منها ان نسبة العنف الذي تتعرض له المرأة هو 86 % ومن المفارقات اللطيفة هنا ان نسبة الرجال الذين يؤكدون وجود العنف ضد المرأة هو 86 % أيضاً إلىجانب حقيقة أن أعلى مصدر للعنف ضد المرأة هم الاهل ثم بعد ذلك الزوج ثم المجتمع كما اظهرت الدراسة إن 54 % من الموظفات يتعرضن للتحرش في محيط العمل.

وعلى ضوء هذه الدراسة قمنا بتقديم مقترح قانون إلى مجلس محافظة بابل يسمح بتأسيس مركز لمساعدة المرأة ضد العنف الأسري وحصلت الموافقة على تأسيسه وهذا القسم اذا تم تشكيله سيعتبر الاول من نوعه في محافظات الوسط والجنوب عدا اقليم كردستان وسيتم المباشرة بالعمل في هذه المديرية وتهيئة البناية الخاصة بها في القريب العاجل.

واشارت الانصاري الى ان منظمة بنت الرافدين و مع وجود شريحة كبيرة من الارامل والمطلقات في هذه المحافظة تمكنت من تأسيس صندوق تشغيل النساء وهو يقدم مبلغ بسيط من المال على شكل قروض بدون فوائد تمكن المرأة من انشاء مشروع صغير تستطيع من خلاله سد حاجة أسرتها على ان تسدد 10 % فقط من المبلغ شهريا خلال عشرة اشهر وقد نجحت الفكرة بشكل رائع ولدينا الان 96 مستفيدة من هذا البرنامج منذ عام 2009 وحتى الان وتحولت كثير من النساء من امرأة متسولة او باحثة عن الصدقات الى امرأة منتجة وعاملة في مشاريع صغيرة استطاعت ان تغير من واقع المرأة الحلية.

 

تعطيل نصف المجتمع

المشرف التربوي عبد الامير رباط وعضو المؤسسة الوطنية للتنمية والتطوير تناول في بحثه (المحددات الاجتماعية لتنمية المرأة في محافظة بابل) واقع المرأة في محافظة بابل من الجانب التربوي فتحدث عنه قائلا: بعد متابعة اعداد التلاميذ المشمولين بالتعليم الإلزامي في المدارس الابتدائية لاحظنا من خلال إحصائيةأجرتها المديرية العامة للتربية وجود فجوة كبيرة بين عدد الاولاد والبنات الذين يرحلون الى المدارس المتوسطة والاعدادية حيث ظهر ان هناك 27022 ولد مقابل 210306 فتاة أي ان هناك فرقا شاسعا في نسبة الاولاد الى البنات تصل الى الستة الاف فتاة وهذا الفرق في عدد البنات غير موجود على مقاعد الدراسة وهي ظاهرة استشرت بشكل خاص في الاعوام التي اعقبت سقوط النظام السابق لاسباب كثيرة منها الظروف الامنية وغياب سلطة القانون وعمليات التهجير القسري والعنف الطائفي الى جانب ضعف المدخولات الشهرية لبعض العوائل وقد تكون هناك اسباب اخرى.

ولدينا ايضا ظاهرة الزواج المبكر حيث ان هناك أعدادا غير قليلة من الطالبات المتزوجات في المرحلة الابتدائية وهناك من تترك مقاعد الدراسة الابتدائية لتتزوج ومع ذلك فالوضع في المدينة يعتبر جيد جدا مقارنة بوضع المرأة في الريف التي تمنع في سن مبكرة من مواصلة الدراسة وهذا يعود الى وجود المدارس المختلطة التي يرفضها المجتمع الريفي.

وأخيرا وحسب رأي د. حسن بيعي فأن محافظة بابل هي بأمس الحاجة الى ان تبدأ من الاساس بوضع قاعدة بيانات وخارطة لاهم الامراض المنتشرة بين النساء لكي نجنب المجتمع أمراض اجتماعية خطيرة نضمن من خلالها مستقبل الاجيال القادمة علنا نستطيع ان نبعد عنه شبح القادم الاسوء كما اضم يدي الى يد الدكتور الفاضل الذي شد بحرارة على يد وزير التعليم العالي علي الاديب الذي بدأ بخطوة بالاتجاه الصحيح من خلال تأنيث العمادات واليوم لدينا في جامعة بابل عميدات لكليتين مهمتين قد تكون الثالثة رئيسة الجامعة في المستقبل القريب عسى ان تساعد هذه الخطوة في ان تنصف المرأة في هذه المحافظة وتعطيها مكانتها الاجتماعية التي تستحقها.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2