تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


رمضان الأمس واليوم.. ماذا رحل وماذا بقي؟!


نرجس/ خاص

عاد رمضان وعادت الأجواء الروحانية تملأ رحاب البيوت مختلطة بعبق قدور الشوربة وحلاوة التمر بالسمسم، ساعات الحر القائضة تطفئها عصائر ربات البيوت، ومائدتا الفطور والسحور تجمعان الأحباب والأخلاّء، وصحون البقلاوة تتناقلها الأيدي بألفة وحنان.


رمضان الأمس واليوم، هل ما زالت النكهة نفسها أم تغيّرت؟.. (نرجس) تفتح ملفها في هذا العدد تزامناً مع الشهر الفضيل وتستطلع آراء المواطنين بشأن استقبالهم هذا العام للصيام، وتعرض دراسات اجتماعية وتقدم نصائح طبية للصائمين، وتلقي ضوءاً على الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها العراقيون في هذا الشهر المبارك.

وكما هو معروف، فقد جرت العادة خلال السنوات الأخيرة أن يستقبل المواطن شهر رمضان في ظل أجواء سياسية وأمنية واقتصادية مشحونة مع تدهور واضح في الخدمات، برغم أن لهذا الشهر ذكريات ترتبط في حياة كل منا أهمها العادات والتقاليد الطقوس الدينية المتوارثة وهي من الأمور المهمة للشعور بقيمة هذا الشهر على ما تقول الحاجة ميسون علوان، وتضيف لـ(نرجس) "اذكر جيداً ونحن صغار كيف كنا نحلم أن نكبر ليسمح لنا بالصوم".

ذكريات شهر رمضان عند الحاجة علوان في طفولتها تمثلت في الصوم والحلويات، فتقول: كان والدي يمتلك مطعماً وكنا في أيام شهر رمضان نحرص على البقاء معه أنا وأشقائي في المطعم حتى وقت السحور. وترى علوان أن معنى هذا الشهر تغير الآن عن السابق.

 

رمضان.. حميمية مفقودة

هل اختلف رمضان بالنسبة لنا؟ هل أثرت الأوضاع التي تشهدها البلاد على حياتنا، او على أحد افراد أسرنا، وما هو هذا التأثير؟ هل نعاني من مشكلات مالية في شهر رمضان؟ وكيف نواجهها؟

إجابة عن هذا السؤال يقول الكاتب والشاعر محمد الحداد لـ(نرجس): "يجب أنْ نُسلّمَ أولاً وقبل كلِّ شيء أنَّ التغييرَ سُنّة كونية ثابتة لكننا نتهيبُ منهُ حينما يتعلقُ الأمرُ بأشيائنا الجميلة والأثيرة إلى نفوسنا.. فقدانها أو اندثارها أو خرابها. حينئذٍ نرصدهُ بعينٍ من حزنٍ وعينٍ من حسرةٍ.. لذا سأكتفي جواباً على هذا السؤال بالشطرِ الذي يهمني ويؤسفني اليوم فقدانهُ ويثيرُ في نفسي تلكما الحسرة والحزن من تغير رمضان الأمس عن رمضان اليوم". موضحاً بقوله انه "من أكبر الأخطاءِ التي يقعُ الناسُ فيها حيالَ رمضان عندما يتمونَ حسابهم لهُ بالأيام والساعات لا بفيض المشاعر الإيمانية التي يُضفيها عليهم ومدى تذوقهم واستشعارهم لحلاوتها في قلوبهم.. تلك الدالة المفقودة مِنّا وفينا هذهِ الأيام.. على المستوى الشخصي كان رمضانُ وسيظلُّ يمثلُ لي شهراً أكبر وأرقى من مجرد وسيلة تأديبٍ لجسد.. وتعذيبهِ بجوعٍ وعطش.. بل هو شهرُ سُموٍّ وارتقاءٍ ومجاهدةِ هوى بعبادةٍ وطاعةٍ لنفسٍ مُخطئة أنهكتها الذنوبُ وكبّلتها المعاصي ومحاولة السعي الدؤوب لتطهيرها مما يكون قد علقَ بها من أوزارٍ مُهلكة طوالَ سنةٍ كاملة.. لذا أجدني أحرصُ على أنْ أضعَ لرمضان مِعياراً دقيقاً يليقُ بقداستهِ.. معيارٌ يقيسُ لي درجة نجاحي أو فشلي دون كللٍ في امتحانٍ عسير تظلُّ نفسي تخشى الفشل فيه دائماً وتشعرُ أنَّ نجاحها صعبٌ وبعيد".

ويوضح الحداد قائلا "لكن حقاً ما عسى أنْ يكونَ قد علقَ بصورةِ رمضان الأمس الجميل مما لم نعد نراهُ اليوم؟ في الذاكرة من ذلك الشيء الكثير مما أجدهُ قد اختفى اليوم أو كاد.. ونحن صغار كنّا نشعرُ أنَّ مجيئهُ بيننا يُشكلُ رهبة لذيذة وتحدياً جميلاً كونهُ يمثلُ لنا بوابة واسعة ورئيسية تأذنُ لنا أمام الناس وأنفسنا أيضاً بدخولِ عالمَ الكبار.. عالمُ النضج والبلوغ وتحمل المسؤولية.. بوابة صبرٍ تضعنا على المَحكِّ تماماً من خلال قدرتنا على تحملِ آلامِ قرَصاتِ الجوعِ والعطش..لافتاً إلى أنه بالأمس..كان ثمة تناغمٌ حميميٌّ يربط بيننا وبين رمضان..تناغمٌ بين عُسر حياتنا ويسرهُ..بين فقرنا وكرمهُ..بين همومنا وأفراحهُ...اليوم أرى كل ذلك قد ضاع منا واندثر..ويرى أن رمضان هو شهر التسامح والتعايش والألفة التي قوضتْ أركانها اليوم..رمضان تَحلّقِ شمل أفراد العائلة على مائدة إفطارٍ صغيرةٍ وبسيطة..أصغر من أحلامهم وأبسط من أهلها المتحلقين حولها".

 

الفقراء ومتوسطو الدخل

وقد لا تبدو صورة هذا الشهر الكريم مختلفة عند الفقراء ومتوسطي الدخل والتي جعلت توفير مستلزماته عبئا لا يتحمله كثيرون، فلا شك أن شهر رمضان بات مختلفا عن السابق عند العراقيين وبنسب متفاوتة وخلفيات متباينة.. هناك الكثير من الأسر التي تعاني صعوبة العيش وتوفير لقمة العيش في حين هناك أسر فقدت احد أفراد أسرتها وتعيش من دون معيل، وأسر تعاني جراحات نتيجة إصابة احد أفرادها بحوادث الانفجارات.

 يقول حسين الدايني "بلا شك ان الزمن كزمن لا يختلف، إنما ما نضفيه نحن من ملامحنا عليه هو الذي يصبغه بالنتيجة النهائية لمنظره العام, شهر رمضان الكريم اختلف في السنوات الأخيرة عما كان قبل سنوات عدة او قبل عقدين او ثلاثة من الزمن، بالنسبة لي أراه قد فقد الكثير من حميميته, ومن المؤكد أن الأوضاع القلقة التي تشهدها البلاد تؤثر وبنسبة كبيرة على كل شي من المشهد الحياتي اليومي، كما هو حال اغلب الأسر متوسطة الحال او التي تقترب من خط الفقر تعاني من مشكلة مالية حيث متطلبات الشهر الفضيل من التنوع الغذائي وكذلك ما يعقبه من لوازم العيد وملابس الأولاد واحتياجاتهم, مؤكداً انها تؤثر ماليا على اغلب الأسر لأنهم في الأغلب الأعم لا يملكون فائضا نقديا يدخرونه من الأشهر السابقة, ولا غير الاقتراض او التقصير ببعض المتطلبات او المستلزمات يساعد على مواجهة الضائقة المالية".

 

سوء الأوضاع المعيشية

البعض الآخر من الآراء وجد أن شهر رمضان المبارك بات يمثل عبئاً كبيراً، ويعود هذا الأمر بالدرجة الأساس إلى سوء الوضع المعيشي وتدني الرواتب وغلاء الأسعار، يقول المواطن حسن سعدون إن تدني مستوى الأجور وارتفاع الأسعار أدى إلى عزوف الكثير من العائلات العراقية عن أداء مناسك وطقوس هذا الشهر الكريم وعدم الصوم، هذا الأمر بحد ذاته أثر في الصوم، فنجد أكثرهم لا يعيرون أي أهمية لمسألة الصوم.

ولعل الانطباع غير المريح الذي أشارت إليه الناشطة بحقوق المرأة والطفل، ميسون الموسوي مردّه إلى ما تشاهده من أعداد هائلة من الأطفال اليتامى المحرومين من كل شيء كونهم يعيشون في كنف نساء أرامل محرومين من سبل الحياة الكريمة. وترى الموسوي أن أغلب هؤلاء الأطفال لا يعرفون قيمة هذا الشهر ولا معنى فرحته ، لافتة إلى أهمية استغلال هذا الشهر لخلق الفرحة في هذه الشريحة. 

من جهتها تُفاجأ الباحثة الاجتماعية الدكتورة صبيحة نوري لتغيّر الكثير من العادات والتي من ضمنها طقوس وعادات شهر رمضان الكريم، فتقول: دائما ما أفكر في السبب الذي يجعل بعض العادات الجميلة تبدأ بالانحسار، مع العلم أن الوضع المعيشي في السابق لم يكن أفضل من الوضع الحالي.

 

حرارة الجو والكهرباء

وقد لا يختلف اثنان على أن الكهرباء هي حدث مهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بل وحتى الأمنية نظرا لما تعكسه من دور يسهم في بناء المجالات كافة. كما أن رحلة معاناة العراقيين مع الكهرباء وبخاصة في شهر رمضان المبارك كان لها باع طويل فما بين الكهرباء الوطنية وخطوط السحب الأهلية والمولدات المنزلية تبقى كافة الاحتمالات قائمة، وتواجه تحديات تضع الأسرة العراقية في مواقف حرجة نظرا للأوضاع الخاصة التي تمر بها، ولعل أبرزها قلة المدخولات المالية والبطالة. ويبرز هذا التحدي الذي ينتظر الأسرة العراقية من خلال التأكيدات التي تصدر من قبل وزارة الكهرباء في محاولتها لإيجاد حلول جذرية لأزمة الكهرباء الوطنية، والتلاعب المزاجي والربحي لأصحاب مولدات السحب الأهلية بالعوائل العراقية واقتناص الفرص لاستغلالها في تحقيق الربح.

وعلى ما يبدو فأن الآراء بخصوص شهر رمضان المبارك متشابهة من حيث معاناتهم بهذا الشأن، فطارق التميمي يرى أن شهر رمضان في كل عام يختلف عن السنوات التي تسبقه والسبب تطور الحياة لكن المعاناة ان الاختلاف كان باتجاه السلب، ومعاناة الناس كثيرة منها بسبب حرارة الجو وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار المواد الغذائية باحتكار التجار للمواد بدون اي رقابه او محاسبه من الجهات الحكومية،  وأشار إلى أن للازمات السياسية والأمنية تأثيراً بالغاً على المواطن في هذا الشهر الكريم. 

من جهته يرى علاء كريم إن المعاناة الحقيقية في هذا الشهر تكمن في عدم توفر الطاقة الكهربائية، فهو يعاني كثيراً من العطلات التي تصيب المولدة الخاصة بالمنزل، فيقول: استهلكت كثيراً وزادت عطلاتها حيث إنني استخدمها ما يقارب الست ساعات في اليوم. مؤكداً  أنه برغم تحسن الكهرباء الوطنية بين فترة وأخرى  إلا أنها غير مستقرة، وان تواجدت فيكون تزامناً مع كهرباء السحب، مما يجعلني في حاجة دائمة إلى تشغيل مولدة الطاقة الكهربائية المنزلية، وبخاصة فإننا في هذا الشهر نسهر حتى السحور وصلاة الفجر.

كما وكشفت بعض الآراء على أنهم لا يستغنون عن استخدام (الفانوس) في المنزل وبخاصة في هذا الشهر في حال انقطاع التيار الكهربائي. وتؤكد سعاد علي بأن مهمة الفوانيس تبدأ منذ الليل، حيث نتركها مضاءة طيلة الليل، لتوفير إنارة بسيطة للمنزل. في حين نحاول الصعود إلى سطح البيت بسبب حرارة الجو ونبقى نقضي الوقت ما بين الصلاة وقراءة القرآن حتى يأتي وقت السحور وبعدها نصلي الفجر وننام.

 

ويلات الوضع الاجتماعي

من جهتها قالت المواطنة صفا عبد إنه بالرغم من أن لشهر رمضان الكريم روحانيات وطقوسا خاصة إلا أنها اختلفت كثيرا عما كانت عليه من حيث المنهاج الحياتي والأُسري، وأصبحت الأسرة تسهر الليل بطوله لمشاهدة المسلسلات والبرامج المنوعة المغرية بأرباحها متناسية ويلات الوضع الاجتماعي وما آل إليه الفرد في خضم السياسات الفاشلة وبلا شك فأن هذه الأوضاع أثرت سلبياً على حياتي وأسرتي عن طريق العطل والاضطرابات غير المجدية والتي أعاقت مسيرة العلم لدى الطلاب، كما وأثرت بشكل سلبي على الروابط الاجتماعية والعلاقات الأسرية فمثلاً أنا لم أزر بغداد منذ قرابة عشر سنوات أي من عام 2003 وحتى يومنا هذا فيما الكثير من أقاربي يقطنون فيها ولم تسنح لي الفرصة لزيارتهم بسبب الطرق والسيطرات والانفجارات وغيرها الكثير.

أما الفنان التشكيلي حسن الصباغ فيقول إن شهر رمضان الكريم بالنسبة لي قد اختلف كثيرا عن السابق، ويبدو الأمر كذلك عند الكثير من العراقيين فطقوس هذا الشهر هي طقوس جماعية في معظمها كالإفطار والعبادات وهذه التجمع لم يعد يتوفر كثيرا بسبب التفكك الاسري الحاصل في اغلب البيوتات العراقية. فالعائلة الواحدة انشطرت الى عائلات صغيرة رغم وجودها في منزل واحد بسبب خلافات معينة، ولم تعد اغلبها تتجمع على مائدة واحدة ساعة الإفطار.. ويبدو أن الأوضاع العامة للبلاد أثرت كثيرا وبالخصوص الوضع الاقتصادي، لافتاً بقوله "انا كموظف حكومي وصاحب عائلة صغيرة لا اعاني من مشكلة مالية اثناء هذا الشهر الفضيل بل ان تنوع الطعام يزداد في هذا الشهر كما ان الثوابات التي يبعثها الجيران والأقارب إلينا جعلت زوجتي لا تطبخ كثيرا للفطور، فصار الشهر اقتصاديا اكثر من باقي الشهور".

 

التطور التكنولوجي

ويبدو أن هناك الكثير من العادات والتقاليد قد تغيرت فعلا عن السابق، والتي كان مردها بالدرجة الأساس التأثير على هذا الشهر المبارك، منها انحسار الزيارات خلال أيامه.. وتؤكد نورة محمد وتعمل في وظيفة حكومية بأن الحياة تغيرت وأصبحت أكثر صعوبة عما كانت عليه سابقاً، لنرى الكثير من الناس استعاضوا بالهواتف النقالة وشبكات التواصل الاجتماعي بدلاً من تبادل الزيارات خلال هذا الشهر، وبالتالي هذه الأمور ساهمت في انحسار التواصل الاجتماعي الواقعي بسبب قلة الزيارات بين العائلات والمعارف.

 

التسول في رمضان

وقد لا يخلو أي شارع من أطفال الشوارع والمتسولين سواء أكانوا صغارا أم كباراً، من دون أي جهود تبذل من قبل الجهات المعنية لمعالجة هذه الظاهرة، فهؤلاء المتسولون يتخذون من الشوارع والأزقة والأسواق الشعبية مأوى لهم، ومكاناً لإقامتهم، ومصدرا لمعيشتهم، هذا الأمر يبدو مختلفاً في شهر رمضان المبارك، حيث يشهد هذا الشهر ازديادا في أعداد المتسولين وبخاصة في الأسواق الشعبية قبل وقت الفطور، قرب المساجد والأماكن الدينية والتي تكون في العادة مكتظة بالناس حتى منتصف الليل، سعيا لتحصيل المال من الذين يبحثون عن الأجر والثواب في هذا الشهر المبارك.

أم علي امرأة طاعنة في السن تهرع من ساعات الفجر الأولى للجلوس بقرب واحدة من المساجد القريبة من سوق شعبي تمد يدها وتردد ذات العبارات لجذب الناس لمساعدتها مادياً، وتعد المساجد والأماكن الدينية من أكثر الأماكن التي يفضلها المستولون في هذا الشهر وتحرص أم علي في الحفاظ على زاويتها التي تجلس فيها من غيرها من المتسولين، كونه مكانا مرغوبا به جدا ويدر مالا لا بأس به بحسب قولها. 

كما وتنشط حركة الأطفال المتسولين في هذا الشهر، فتجدهم تارة يبيعون الأدعية الدينية وتارة أخرى يتوسلون بالمارة لمنحهم بعض المال مقابل أجر وثواب هذا الشهر المبارك.

 

رمضان أيام زمان

ويرى الباحث التراثي نوري عدنان أن عادات وتقاليد وحتى طقوس شهر رمضان المبارك اختلفت عن السابق كثيراً، فسابقا كان الاستعداد لهذا الشهر الكريم يبدأ من منتصف شهر شعبان وتبدأ ربة البيت بالذهاب الى السوق للتسوق بكميات تكفي لهذا الشهر من المواد الغذائية كالبقول والعصائر وغيرها، أما خلال الشهر فتزدحم المقاهي ومحال بيع الحلويات بالزبائن من الرجال والأطفال، وتنتهي هذه الاستعدادات ليلة العيد بعد الاستعداد له عند توديع رمضان. ويضيف عدنان رمضان في السابق، كان يحتفى به وكلٌ على طريقته، ولكل مرحلة من العمر لها خصوصيتها، فالطفل يحتفل بطريقته والشاب بطريقته، وحتى كبار السن، فالأطفال مثلاً يصومون حتى الساعة 12 ظهراً، وهو تقليد متبع، اذ كانت العائلات العراقية تحرص عليه من أجل تعويد أطفالهم على فريضة الصوم، وعن الحلويات فقد كان لها فسحة كبيرة في مائدة رمضان. وعن الشباب فيقول عدنان بأنهم كانوا يقضون أيام رمضان في المقاهي ليلا والمواظبة على لعبة المحيبس الشهيرة، ولكن قبل كل هذا فأن أهم شيء يقومون به هو زيارة جميع معارفهم وبخاصة كبار السن ابتداءً من الجد والأعمام والأخوال، بمعنى أصح كبار العائلة بغية المباركة لهم بحلول هذا الشهر الكريم، ويلفت عدنان بأنه في السابق كان يسكن في البيت الواحد ثلاث عائلات فما فوق، لذلك كان لشهر رمضان معنى آخر في النفوس بسبب تجمعهم حول مائدة فطور واحدة"، ويتابع "لرمضان معنى مختلف عند كبار السن، حيث يجتمع رجال المحلة في أول أيامه لزيارة كبير المحلة والسلام عليه، كما أن رمضان سابقاً كان فرصة لعودة العلاقات المنقطعة إلى مجاريها بين العائلات والأفراد، ويتجمع الرجال ليكونوا (واسطة خير) بين المتخاصمين ومصالحتهم، شهر رمضان في السابق كان يحمل كل معاني التسامح والحب والفرح. ويؤكد عدنان بأن الجيران كانت في السابق تتسابق قبل وقت الفطور بتوزيع الاكلات والأطعمة اللذيذة.

 

تحديد حلول الشهر 

كثيرا ما تسألنا لماذا لا يتم تحديد شهر رمضان فلكيا لنتخلص من الاختلافات الفقهية بتحديد بدايته ونهايته والتي أدت الى ان يمتد عيد الفطر في احد الاعوام الى خمسة ايام بدلا من ثلاثة، ولم تستطع الدولة ان تعلن رسميا حلول العيد خوفا من ان توصف بالطائفية وانحيازها الى مذهب دون آخر. رغم ان بعض الحسابات الفلكية تؤكد امكانية  توفير تقويم ثابت لبداية ونهاية الأشهر الهجرية لعقود قادمة، إذا ما اتفق فقهاء الشريعة على تعريف محدد للرؤية الشرعية والأجهزة التي يمكن استخدامها. وهذا يقودنا الى استنتاج أن الخلاف بشأن الرؤية وتحققها "ليس علميا ولا شرعيا وإنما هو خلاف سياسي بدليل عدم وجود منطق شرعي أو علمي في اختلاف دول متجاورة في تحديد بداية ونهاية شهر رمضان".

 

استقبال شهر رمضان

كثيرا ما يصر الصغار في الأسرة على المشاركة في الصوم وغالبا ما تكون أعمارهم خارج التكليف الشرعي ولخوف الاهل على الأطفال فأنهم يلجأون الى منعهم  بالزجر وربما الصراخ، وهناك عوائل أخرى تلجأ الى نفس الفعل ولكن لإجبار الاطفال على الصوم ،وقد نقلت لنا وسائل الإعلام في شهر رمضان السابق وفاة احد الأطفال الذي كان يعاني من العطش وتصر الأم على ضرورة تحمله وانتظار ساعة الإفطار.

 

العطش والحرارة!

قبل ان يحل الشهر يكون اغلب الصائمين يعيشون في حالة قلق من احتمالات تعرض اجسادهم الى الجفاف بسبب الحرارة وخاصة لمن يعانون من مشاكل وامراض في الكلية، ولابد من الاشارة الى ان نوع الغذاء الذي يتناوله الصائم يلعب دورا كبيرا في تحمل العطش أثناء ساعات الصيام ولكي تتغلب على الإحساس بالعطش يمكن اتباع النصائح التالية على ما يقول الدكتور محمد أخصائي التغذية لنرجس:

- تجنب تناول الأكلات والأغذية المحتوية على نسبة كبيرة من البهارات والتوابل بخاصة عند وجبة السحور لأنها تحتاج إلى شرب كميات كبيرة من الماء بعد تناولها.

- حاول أن تشرب كميات قليلة من الماء في فترات متقطعة من الليل.

- تناول الخضراوات والفواكه الطازجة في الليل وعند السحور فإن هذه الأغذية تحتوي على كميات جيدة من الماء والألياف التي تمكث فترة طويلة في الأمعاء مما يقلل من الإحساس بالجوع والعطش.

- تجنب وضع الملح الكثير على السلطة والأفضل وضع الليمون عليها والذي يجعل الطعم مثيل للملح في تعديل الطعم.

- ابتعد عن تناول الأكلات والأغذية المالحة مثل الطرشي والتي تدخل تحت اسم المخللات, فإن هذه الأغذية تزيد من حاجة الجسم إلى الماء.

ويضيف "يعتقد بعض الأشخاص إن شرب كميات كبيرة من الماء عند السحور يحميهم من الشعور بالعطش أثناء الصيام, وهذا اعتقاد خاطئ لان معظم هذه المياه زائدة عن حاجة الجسم لذا تقوم الكلية بفرزها بعد ساعات قليلة من تناولها. إن الإكثار من السوائل في رمضان مثل العصائر المختلفة والمياه الغازية يؤثر بشدة على المعدة وتقليل كفاءة الهضم وحدوث بعض الاضطرابات الهضمية, ويعمد بعض الأفراد إلى شرب الماء المثلج بخاصة عند بداية الإفطار وهذا لا يروي العطش بل يؤدي إلى انقباض الشعيرات الدموية وبالتالي ضعف الهضم.

ويجب أن تكون درجة الماء معتدلة أو متوسطة البرودة وأن يشربها الفرد متأنيا وليس دفعة واحدة ودفع الطعام بالماء أثناء الأكل طريقة خاطئة لأنها لا تعطي فرصة للهضم وأكثر عمليات الهضم هو مضغ الطعام للحصول على هضم جيد.

وما بين اجتهاد الفقهاء واختلافهم لسبب او لآخر يبقى شهر رمضان بكل قدسيته وروعته وجماله شهرا تنتظره الأفئدة لتحقق أياماً من المصالحة مع النفس والتخلص من كثير من الأمراض النفسية والجسدية.

 

حميمية مفقودة

ومن خلال الحديث مع أغلب المواطنين نستخلص أن الحميمية أشرف مفقودٍ لرمضان الأمس عن رمضان اليوم، وهي المتغير الأكبر..الحميمية التي يفترضُ مُسبقاً أنْ تكونَ رابطَ تواشجٍ بين الدالِّ والمدلول..بين الأثرِ والمؤثر..تلك التي تربط المسلم بالسماء..ابتداءً من انتظار هلال الشهر على أسطحِ المنازل والأماكن المرتفعة وربط الرقاب والعيون إلى أعلى بكل ما يرمز إليهِ من قدسيةٍ وجدانيةٍ لاستقبالِ حبيبٍ طالَ انتظاره..عذوبة قضتْ تكنولوجيا اليوم عليها تماماً بصَخَبها وفوضويتها وتلوثها السمعي والبصري والذائقي حتى.. إن حميميةُ صوت المسحراتي الذي يوقظ النائمين ليلاً بلطفٍ ليتناولوا سحورهم وتفاعلنا العفوي ونحنُ صغار مع سِحرِ طبلتهِ الأثيرة..تلك التي كنّا نتوسلُ أهلنا أنْ يوقظونا لنملأ منها أسماعها رغم وقع مشاعرها المتناقضة في نفوسنا بين الرهبةِ والفرح..ألفةُ طرْقِ أبوابِ الجارِ على عجَلٍ قبل مغيبِ الشمس بدقائق وتبادل الصحون الممتلئة بطعامٍ بسيط ولذيذ تقدمهُ أكفٌ اغتسلتْ بطيبةِ وكرمِ أهلنا بعد أنْ طهتهُ بكثيرٍ من الحُبِّ وما تيسرَ من قوتٍ زهيد..ويكمل الحداد نفتقدُ رمضانَ التراويح والتهجدِ والمساجدِ المُمتلئة بعُمّارها من المؤمنين ..رمضانُ مِدفع الإفطار الذي كان يربطنا بصوتهِ الحازم عقد اتفاقٍ مُسبق حينما يعلنُ لنا بشارة الأذنِ بتناولِ الطعام فيسمعهُ أهل المدينة كلهم ممن يوقّتونَ إفطارهم عليهِ دونَ أنْ يختلفَ على توقيتهِ اثنان..صوتٌ أثيرٌ آخر يكادُ أنْ يصلَ حدَّ التقديس.... رمضان تبدَّلَ كثيراً دون أنْ يتغير! وهل ثمة فرق بين التبدّل والتغيّر ..بكل يقين أجيبكم بنعم.. فرمضان روحٌ مقدسة نحن الذين نجسّدُ بمشاعرنا شكلهُ ونرسمُ صورتهُ..نحن الذين تغيرنا فأصبحنا نراهُ بعيونٍ أخرى على هيئةٍ مُبدّلة..ولن يعودَ إلينا أبداً كما كانَ إنْ لم نعُدْ نحنُ إليهِ ..كما كنّا!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2