تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


متغيرات الواقع الثقافي العراقي:خير جليس في الزمان .. الانترنيت!!


في سبعينيات القرن الماضي ، وحين كانت القراءة هاجس معظم الشباب المتطلّع للثقافة والحياة المليئة بالإنصات لقيم العالم، والإطلالة عليه من نوافذ القراءة المتنوعة المعمّقة، كنا حينها جيلاً يتحاور بكل إصدار جديد يلقي ضياءه على واجهة المكتبات ، ليصير موضوعاً يشبع نقاشاً وتقييماً، ومن ثم صارت بيننا أسماء نتداولها في القصة والرواية والشعر والفكر والفلسفة، وصار مبدأ القراءة والاطلاع ممارسة يوميّة تلقي بظلالها على سلوك شريحة واسعة من المجتمع حملت سمة الثقافة وتزينت بها.


الكتاب اليوم يقول شاعرنا الخالد المتنبي: أعزّ مكانٍ في الدنا ظهرُ سابحٍ وخيرُ جليسٍ في الأنامِ كتابُ وبيته هذا يؤسس لرؤية عميقة لقيمة الكتاب، ولتأثيره وفاعليته في المجتمع، وزمان المتنبي الذي يتحدث عنه لم يشهد معارض ومكتبات ضخمة ومناسبات ثقافية تتزامن معها معارض الكتب، بالرغم من أن القراءة والتأليف آنذاك شهدا تطوراً مازالت ظلاله الثقافيّة واضحة للمتابع والدارس والباحث، فيما جاء شارع المتنبي بعد أكثر من ألف سنة ليشهد حركة ثقافية وسوقا حرّة لبيع الكتاب وترويجه، وكذلك لإطلاق الملتقيات الثقافيّة العفويّة، والتجمعات الأسبوعيّة التي يلتقي فيها المبدعون من كلّ حدب وصوب ليتبادلوا وجهات النظر، ويطلع كلّ منهم الآخر على جديد قراءاته وكتابته وهمومه أيضاً، لذلك صار شارع المتنبي سوق عكاظ جديداً، وكذلك تشهد المحافظات هذه التجمعات الثقافيّة في المقاهي والأماكن العامة، إلاّ أن الملاحظ أن هذه الملتقيات بدأت تنحسر لأسباب عديدة ربّما يكون أوّلها وسائل الإعلام ومنافذ القراءة التي أتاحتها مواقع الانترنت، والظروف التي يعانيها المواطن العراقي بشكل عام والمثقف بشكل خاص. نكهة الكتاب وذكرياته العطرة يقول القاص والكاتب عبد الكريم حسن حول الكتاب وانحسار قرّائه: للكتاب المطبوع على الورق نكهة خاصة في القراءة، إنه يختلف عن الملخّصات المتاحة في النت، والتي لا أحبّذ قراءتها بشكلها المنصهر في تلافيف الإلكترونيات وإشعاعاتها ووهجها، تعوّدتُ على كتاب أرتبطُ به بذكريّات عطرة، وأجد فيه متعة التفاعل مع الحروف ولذة للقراءة، كما أن لكلّ كتاب حكاية أحتفظ بها وهي حيّة، ذات دلالات كثيرة، أعرف كل تفاصيلها وتحضرني باللحظة، منذ لحظة اقتنائي له، وأخذه معي، وبداية قراءتي موضوعاتي، وربّما أستطيع الحديث المفصّل عن سيرة كلّ كتاب معي، وهي قضيّة تمثّل لي الكثير، أمّا، الآن فهناك عزوف متوقع عن الكتاب المطبوع من قبل الجيل الجديد، فهو لا يعنى بالكتاب ولا يهتم به، بل هناك وسائل أخرى جذبته وجعلته أسيراً لها، متابعاً لمغرياتها، وأظنّ أن وراء ذلك أهدافاً ليست ثقافية حسب وإنما سياسيّة، ذات أبعاد خطيرة، علينا الانتباه الجدّي لها. مكتبات الانترنت.. كلّ شيء مباح فيما يقول الناقد والشاعر الدكتور رحمن غركان: إنني أجد ضالتي في عوالم الانترنت، فكلّ ما نحتاجه مباح، لذلك أبدلت هوايتي التي رافقتني عشرات السنين، وهي اقتناء الكتب، بالبحث في مواقع الانترنت عن أحدث الإصدارات، ومن ثم اتسعت رقعة الاطلاع عندي، وحصلتُ على نوافذ مهمة في متابعة العالم كلّه وليس الكتاب العراقيّ الذي يوزّع بشكل بدائي بسيط على المكتبات، ويبقى على الرفوف مهملاً تنتابه موجات الغبار والريح والمطر إذا شاء الله تعالى أن يهطل، ليصبح الكتاب بعد كل هذه الظروف بضاعة بائسة تفقد قيمتها المعنوية وهي تعاني هذا الإهمال المجحف بحق النتاج الذي يحتويه، أما أنا، فقد اطّلعتُ على أمّات الكتب من خلال الانترنت . كتابنا ومواكبة العالم أبو أحمد السلامي صاحب مكتبة العلوم في بغداد، يشكو أزمة الكتاب العراقيّ، المطبوع داخل العراق، حيث يقول: يعلم الجميع أن القيمة المضمونيّة للكتاب العراقيّ هي عالية المستوى، وذات أهميّة يشيد بها جميع المطّلعين والمعنيين بالكتاب وسوقه، لكن الشكل الفني والطباعة، تسيئان لمحتوى الكتاب وتقللان من جاذبيته، فعلى سبيل المثال فإنك حين تقرأ نتاج شاعرٍ من أحد الأقطار العربيّة، فإنك لا تلمس إبداعاً حقيقيّاً في نصوصه، لكنك تلاحظ إخراجاً فنيّاً، واهتماماً ملحوظاً، يجعل الكتاب مغرياً في اقتنائه وقراءته، وحتى اختيار العنوان فأنت ترى دوراً كبيراً في اختياره الناشر له، وفقاً لمعرفته بسوق الكتاب وكيفيّة ترويجه، أما نتاج الشاعر العراقيّ فهو مهم بل في غاية الأهميّة من الناحية المضمونيّة والقيمة الإبداعيّة، لكنه محبطٌ في شكله الخارجي ومستوى طباعته، وربّما اختيار عنوانه، حيث يصبح بعيدا عن المتلقي . وبالتالي لا يلقى الرواج المطلوب، إذاً علينا أن نواكب العالم في شكل الكتاب ومستوى إخراجه الفني، كي ننافس دور النشر، والمطبوعات المقبلة من البلدان الأخرى . تنافس غير متكافئ القاص والإعلامي صلاح زنكنة، عبّر عن رأيه في موضوعة الكتاب وتسويقه والميول القرائية التي تغيّرت عبر الزمن على وفق المتغيّرات التي شهدها العالم، فيقول : كلّ الأشياء عندنا ظلّت رهينة الماضي وطقوسه وممارساته، وحتى المثقفون في البلاد نرى كثيرا منهم بعيدين عن التقنيات التي انتهجها المثقفون في العالم، فالبعض من كتّابنا حتى هذه اللحظة بعيد عن عالم الكومبيوتر والانترنت، وظل أسير أدواته التقنية القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب، كما أن كتبنا هي الأخرى ضّلت أسيرة وسائل الطباعة التقليديّة القديمة، ولم تصل إلى أدنى مستويات المنافسة لأشكال وتقنيات الكتب المطبوعة في الخارج، وأزمة الشكل هذه، مهما كان المضمون متقدما، ستواجه نكوصاً، ونأياً وصدوداً عن الكتاب المطبوع بشكل رديء، فالقارئ اليوم يبحث عن كتابٍ أنيق مطبوعٍ بشكل جيّد منافس للمطبوع العربي أو الأوربي، وعلى منتجي الكتاب العراقي أن ينتبهوا لهذه النقطة الحسّاسة من أجل تجاوزها، وإطلاق الكتاب المطبوع داخل العراق إلى أسواق المنافسة الجديّة. عزلة مزمنة أما الشاعر كاظم ناصر السعدي، فيرى أن المبدع العراقي عانى الأمرين في العقود السابقة، وعاش عزلةً جعلته غير معروف في أقرب الدول والأقطار المجاورة، ذلك أن الحصار والانقطاع عن العالم جعلا كتابه بعيداً عن التناول، كما أن شيوع كتب الاستنساخ، ذات الشكل المنبوذ فنيّاً، جعل الكتاب مقروءاً من شريحة محدودة وطباعته بنسخ قليلة بسبب ظروف الطباعة وتكاليفها، وصعوبة وضع المثقف العراقي الذي ظلّ بعيداً عن الأحداث الثقافيّة زمناً طويلاً، وعاش عزلةً مزمنة، أما كتابه، فلم يلقَ رواجاً إلا في الوسط الثقافي العراقيّ المحدود جداً، بسبب انحساره في أماكن معينة دون غيرها، وعلينا الآن أن ننتبه إلى واقع نشر الكتاب وتوزيعه، وكسر العزلة بالانفتاح مجدداً على العالم. معالجات دار الشؤون الثقافيّة التي يديرها الشاعر نوفل أبو رغيف، تعاني هي الأخرى أزمة توزيع كتبها الصادرة في جميع المجالات، وتعاني مخازنها أزمة تكديس المطبوعات الصادرة، فالدار الوطنيّة للنشر والتوزيع كانت كفيلة بتوزيع إصداراتها على جميع مكتبات بغداد ومحافظات العراق، فترى الكتاب الصادر آنذاك على رفوف المكتبات بعد صدوره مباشرة، وبذلك يتم التواصل مع القارئ بصورة سريعة، أما اليوم، فمنافذ التوزيع شحيحة، الأمر الذي جعل داراً منتجة مثل دار الشؤون الثقافيّة تلتجئ في توزيع مطبوعاتها إلى المعارض المحلية والدوليّة أملاً في نشر الكتاب وتوزيعه في أوسع بقعة ممكنة، وعلى العموم، فإن الأزمة هي في التوزيع داخل العراق، والحاجة الملحّة إلى عودة الدار الوطنيّة لممارسة نشاطها بفاعليّة وتأثير.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2