تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سحر طه: أبحرت في التراث.. لكن "الردح" هو سفير الأغنية العراقية!!


حاورها : مهند الليلي

فنانة عراقية موهوبة، رأيتها لأول مرة في حفل عربي ذي تخت شرقي، تمسك عودها وتغني، ورغم بعدها الطويل عن العراق، كان كلما مر اسمه، تبكي، ولا تستطيع حبس دموعها أمام الجمهور..! فنانة التزمت خطا صعبا، مبتعدة عن عالم الصخب وسوق الأغنية، وحفلات الملاهي والنوادي الليلية، وعالم الكلبيات ومشاهد الرقص المبتذل..


 فكان ثمن ذلك أن ابتعدت عنها شركات الإنتاج الفني...!

وهنا تكمن المعادلة الصعبة، فلم تتنازل (سحر) عن مبادئها رغم أن ضريبة ذلك كبيرة وهو على حساب مستقبلها الفني.  

مجلة (نرجس) قررت مشاركة هذه الفنانة العراقية الأصيلة بعض معاناتها، وفتحت (سحر طه) قلبها متحدثة للقراء، فكان هذا الحوار...

منذ متى كانت بداياتك مع آلة العود..؟؟ وكيف تدرجت الى ما أنت عليه..؟؟

- في العود وجدت ضالتي. فهي من أنبل الآلات الموسيقية العربية، وأكثرها حميمية وقرباً من الإنسان، رغم ان كل آلة موسيقية سواء عربية أم غربية لها خصوصية معينة وكل منها تنال صدى مختلف من شخص الى آخر.

وبما أنني اعيش في لبنان فقد انضممت الى فرقة موشحات وتراث فوجدت ان العود هو اقرب آلة الى المطرب، لذلك انضممت الى المعهد الموسيقي اواخر الثمانينات وبدأت أتعلم على يد الأستاذ الراحل سعيد سلام.

ما هو دور الأهل والبيت في مشوارك الفني وبدايتك واختيارك للموسيقى..؟؟

- الأهل بالطبع مثل كل العائلات العراقية التي لم يكن في تاريخها فنان، كانت معارضة لسنوات دخولي مجال الغناء والموسيقى، وإن لم يعارضوا تعلمي إياها أكاديمياً، ولكن حين جاء وقت الاحتراف كان هناك تخوف وتوجس من الانجرار في متاهات الفن، لكن بمساندة زوجي ووقوفه الى جانبي، ثم تربيتي وتوجيهي نحو الثقافة في الدرجة الاولى، وان الفن جزء من الثقافة وانواع الابداع، وكذلك احترام التقاليد والعادات كلها ساهمت في اقتناعهم بأن الطريق الذي اخترته في الفن ليس بعيداً من المبادئ التي نشأت عليها، فبدأوا يحضرون أمسياتي ويفخرون بما اقدمه من فن يتعلق بقضايا الوطن والانسان والمجتمع.

ما الذي جذبك في العود دون غيره من الآلات الموسيقية.. وهل لديك مواصفات خاصة للعود الذي تعزفين عليه؟

- كما ذكرت فإن العود اقرب الة موسيقية الى الفنان، ويترجم أحاسيسه بشكل مباشر من خلال أنامله، وقد حدث ان العود كان منقذي إذ ساعدني على تخطي الكثير من الصعاب والآلام خاصة منذ بدء إصابتي بالسرطان منذ عشر سنوات والذي أصارعه حتى اليوم بالموسيقى التي هي فعلا شفاء الروح والجسد معاً.

اما العود الذي أعشقه هو ذاك الذي يمنحني الطرب والنغمة الغنائية، كوني مغنية في المرتبة الاولى ولست عازفة بالمواصفات التي نعرفها لدى العازف، بل أعزف لكي أغني فحسب. ولذلك فحجمه صغير قليلاً وبخمسة أوتار فقط.

ما هو رأيك بالعود العراقي.. وهل هناك فرق بينه وبين العود العربي..؟؟ وأيهما تفضلين العود الغربي (السحب) ام العود الشرقي..؟؟

- العود العراقي معروف في العالم اجمع بمواصفاته الفريدة الخاصة، فأنا أعرف محترفين وصانعي اعواد لبنانيين أمثال الاستاذ ألبير منصور، وهو أشهر صانع أعواد الآن في لبنان، يعتبرون أعواد العراقي الراحل محمد فاضل النموذج الأفضل والأجود في صناعة العود، ويعتبر منصور أكثر صانع يحترم ويحتذي حذو محمد فاضل في صناعة عوده وفي جودته. والعديد من العازفين يعشقون قالب وصوت العود المصنوع بمواصفاتعود محمد فاضل.

وبالطبع تختلف مدرسة العزف العراقية عن غيرها من مدرسة مصرية او مغاربية، إن بأسلوب قلب الريشة او بالنسبة للدوزان وكذلك بعض المقامات، وتعتبر مدرسة تعبيرية روحانية أقرب الى المدرسة التركية، فيما المدرسة المصرية هي مدرسة تطريبية ويختلف اسلوب العزف بالريشة ودوزان الأوتار. وكنت أتمنى لو أنني تعلمت طريقة العزف حسب المدرسة العراقية، لكن في لبنان وبخاصة ايام الحرب الاهلية لم يكن هناك من اساتذة يعلّمون حسب الطريقة العراقية. وبالنسبة للعود أنا أفضل الشرقي بدلاً من السحب فقط من اجل الحفاظ على الهوية التطريبية والتقليدية، الا ان العود السحب اذا كان متقن الصنع فإن صوته لن يختلف كثيراً.

من هو مثلك الأعلى فنياً.. وبمن تاثرت في بداياتك الفنية والى اي المدارس الفنية تنتمي سحر طه..؟؟

- بالنسبة للعود فبالطبع المثال الاول هو الراحل المبدع جميل بشير ويليه شقيقه الراحل منير بشير، لأنهما رفعا اسم العراق وأعادا احترام الجمهور في اصقاع الارض الى هذه الالة التي اصبحت عالمية بفضلهما، ومن ثم الاجيال التي تلتهما هناك نصير شمة واخرين. وعن الغناء، فكل التراث العراقي سواء القديم والحديث، هي مثلي الأعلى فنياً. تأثرت بالعديد من الاصوات وعشقت اعمال ملحنين اكثر من مطربين. وبالطبع لدينا امثلة: سليمة مراد وزهور حسين وزكية جورج ولميعة توفيق وعفيفة اسكندر وغيرهن لكل منهن طابع خاص ومدرسة يمكن التعلم عليها. وفنانون كثيرون أكاد لا أتمكن من احصاء اسمائهم كلهم أسسوا لمدرسة خاصة بالعراق، فكان حقاً ما قاله موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في احد احاديثه، قال: "كل البلاد العربية تدور في فلك الأغنية المصرية ما عدا العراق". وهذه حقيقة والدليل ان الكثير من المطربين العرب، اليوم وفيما سبق غنوا الاغنية العراقية. 

هلا حدثتنا عما حققته من أعمال موسيقية وإصدارات ومشاركات وابرز ما حصلت عليه..؟؟

- الكثير من الاعمال وهذا يحتاج الى صفحات، ولكني اعتز بأني أول من أسست فرقة موسيقيات في لبنان في العام 2004 وأطلقت عليها فرقة "عازفات عشتروت" وشاركنا معاً في مهرجانات عالمية، وهن فتيات من لبنان لكن يعزفن معي التراث العراقي. وباختصار اصدرت حتى اليوم ستة ألبومات غنائية، وهي على التوالي: "بغداديات"، "اغنيات من التراث العراقي"، "موشحات اندلسية"، "جولة اليمن مع الألماني غونترغراس" يتضمن ألحاني لعشر من قصائده. "ودعت بغداد" والأخير "أعشقك أنت" ألحاني لقصائد صوفية نسوية.

وشاركت في عشرات الأمسيات في لبنان وخارجه والمهرجانات المحلية والعالمية سواء في "مهرجان جرش" الاردني قبل ان يصبح مهرجاناً تجارياً، وكذلك "مهرجان المدينة" في تونس لاكثر من ثلاث دورات و"مهرجان رمضان" في الجزائر اكثر من دورة وست حفلات، وفي دار الاوبرا المصرية ومهرجان القلعة في مصر، كما حفلات في فيينا وبرلين وروما وغيرها.

عازفو العود ينقسمون بين عازف تكنيك.. وعازف ومطرب.. أين تجدين نفسك ولونك الفني..؟؟

- انا مطربة أعشق العود والدندنة عليه من اجل الغناء. ولوني او عشقي الفني هو الغناء العراقي بامتياز.

ما هو رأيك بالأغنية العراقية الحالية والأصوات الغنائية وأساليب الأغاني وسط هذا الكم من الفضائيات المتخصصة بهذا الشأن..؟؟

- يؤسفني ما يحدث من إسفاف لدى جيل الشباب من المغنين، وبخاصة في الداخل. أنت تسأل عن اساليب؟ اين هي الأساليب؟ لا ادري ان كان هناك انماط اخرى غير اغاني الردح التي تنقلها الفضائيات؟ ولعل هذا الامر مقصود، وضمن خطط تسطيح وتجهيل الفرد العراقي، فبات "الردح" سفير الاغنية العراقية، حتى ان المطربين العرب بدأوا يغنون هذا النمط ايضاً. نحن لسنا ضده، بل ضد تسطيح الاغنية العراقية وحصرها في أسوأ انماط الفن.

هل نجحت الفضائيات الغنائية العراقية في نقل صورة صحيحة عن الغناء العراقي للمتلقي في كل مكان..؟

- قلة من الفضائيات العراقية التي تقدم كنوزا مرت على مدى عقود طويلة، والكثير من الفضائيات، تساهم في نقل وبث وحتى انتاج السيئ من الفن العراقي وتناست الكبار، بل أبعدتهم وعتمت عليهم، فخلت الساحة للمتقافزين و"الكاولية" والجهلة وغير الموهوبين او المتعلمين. انها صورة حزينة تلك التي أشاهدها احياناً يأسف لها اي عراقي سواء في الداخل او في الخارج، لكن المشكلة ان الجيل الصاعد لا يعرف او يسمع غيرها فهي مثاله الاعلى اليوم.

ما هي أبرز الأسماء العراقية التي تتصدر خارطة الغناء العراقي حالياً حسب وجهة نظرك..؟

- هناك الكثير من المواهب العراقية، لكن المشكلة في الإنتاج لها. فنانو الداخل محصورون بقوالب وشروط معينة، وفنانو الخارج ايضا محصورون بشروط شركات الانتاج وبالتالي الظلم يقع على الجميع. وجميعنا نعرف كاظم الساهر ورضا العبد الله وماجد المهندس وفريدة وغيرهم لا تحضرني أسماؤهم، لكن هناك أصوات تحاول الوصول، لكن نعرف احتكار الشركات المنتجة وشروطها القاسية التي لا تناسب الجميع وخاصة المرأة العراقية الفنانة.

أنت مثل للمبدعة العراقية.. ما هي برأيك أهم سمات الإبداع لدى المرأة؟

- لا ادري ان كنت مبدعة. انا اعتبر نفسي مجتهدة واتعلم من الكبار ومن خلال تجربتي الطويلة، وكامرأة اعتبر الفن هو وسيلتي للتعبير عن رأيي في قضايانا الكبيرة والصغيرة، ووسيلة للمحبة، ونبذ الكره للآخر، فالموسيقى علمتني ان احب وطني في الدرجة الاولى، وبالتالي احب كل ابناء وطني دون تمييز، وان الموسيقى وسيلة شفاء الروح والجسد من كل الامراض.

 ما هي آخر مرة زرت فيها العراق.. وهل هناك زيارة قادمة..؟؟

- زرت العراق في العام 2003 قبيل الحرب بأيام. وأنا مترددة في زيارة وطني لأني أخاف ان اجد صورة مغايرة عن تلك التي احتفظ بها من طفولتي وشبابي.

سحر طه كفنانة شرقية.. كيف تنظر لتقبل المجتمع الشرقي للفنانة والموسيقية بالذات.. وهل ساعدك المجتمع فيما وصلت اليه..؟؟

- المجتمع اليوم في كل البلدان العربية تقريباً بات يتقبل الفنانة، ونظرته اليها تختلف بحسب الفنانة نفسها. فأنا معروفة بأنني ملتزمة بعدم الغناء في المطاعم والنوادي الليلية، وليس لدي سوى فيديو كليب واحد منذ فترة طويلة كتجربة، لم أكررها، لأني لم اجد نفسي فيه، وليس لدي عقد مع اي شركة إنتاج لأنني لا أحب الاحتكار والخضوع لشروط احد. أنا اغني لأنني بحاجة للتعبير عن مكنوناتي، والتخفيف من الشعور بالغربة والبعد عن وطني العراق، وان اكون لسان حال الملايين مثلي، ومشاركة الناس معاناتهم عبر مضامين الاغنيات وهي كثيرة، وخاصة ان الموسيقي هي دوائي الأول كما قلت، وغيرها من مواضيع تلمس الانسان العربي. والمجتمع اللبناني ومن ثم بعض العراقيين من هنا وهناك كانوا سندي ومشجعيّ دائماً، وسبب استمراري.

متى اصبت بالمرض الخبيث وما هي الحالة الصحية الآن؟

- اصبت بسرطان الرحم في العام 2003 يومها اجريت لي جراحة استئصال، ومن ثم عاودني الورم في منطقة الحالب تحت الكلية اليسرى في العام 2006 اجريت علاجاً اشعاعياً وفي 2007 اجريت علاجاً كيميائياً، ومن ثم عاد الورم في مفصل الفخذ الايسر عام 2011 اجريت علاجا كيميائيا وفي العام 2012 ايضا الامر نفسه، وما زال الورم لم يتطور بسبب متابعتي الجيدة واجراء العلاجات الدائمة لحصره في مكانه وسوف تكون لي جولة كيميائية اخرى قريباً جداً. واحمد الله انني عشت عشر سنوات مع العلاج وألمه لكني تغلبت على الالم بعملي وعشقي الموسيقي وبالمحبة التي تحيطني بها اسرتي وزوجي خاصة، وأصدقائي المقربين.

إصدارك الأخير الذي احتفيت به، ينتمي الى الموسيقى الروحية.. هل كان نتيجة لحالة المرض التي تعيشينها..؟؟

- اسطوانتي التي صدرت مؤخراً بعنوان "أعشقك أنت" تتضمن ثماني قصائد روحانية مكتوبة بأقلام نسوية، قمت بتلحينها، وتسجيلها بمنحة من "مؤسسة آفاق" في لبنان. كنت اعشق قراءة الشعر الصوفي وغنائه في عدة حفلات حتى قبل اصابتي بالمرض، لكني رأيت ان انصف المرأة اولاَ، والعابدة خصوصاً وتشاء الصدف انني بعد ان قرأت القصائد وأعجبتني، وجدت ان ست مؤلفات هن من العراق، واثنتان فقط من لبنان. حيث ان هناك اربع عابدات "متصوفات" يعود اصلهن الى البصرة وعشن في القرن الثاني للهجرة اي الثامن الميلادي. هن رابعة العدوية وحيونة وريحانة وميمونة. ومن المعاصرات اخترت قصيدة لعاتكة الخزرجي واخرى من لميعة عباس عمارة. ومن لبنان باسمة بطولي وهدى نعماني. ولكن بالتأكيد حالة التذبذب بين الالم والرضا والسكينة التي اعيشها انعكست على الحاني الروحية في الاسطوانة.

ما هي مشاريعك القادمة..؟؟

- ألحن قصيدة بعنوان "باسبورت" من تأليف الياباني الراحل، فرنسيس خو كاه سيانغ والتي اهداها الى كل الذين بدون جوازات سفر في العالم وخاصة الفلسطينيين. والقصيدة بثلاث لغات: العربية والانكليزية والايطالية.

هل انت راضية عما قدمته لحد الآن..؟؟

- من المستحيل أن يرضى الفنان عن نفسه بشكل تام. لكني نسبة الى ظروفي العامة، اعتقد انني قدمت شيئاً ما، بل القليل، وليس كل ما لدي. واتمنى ان تسعفني الايام المقبلة على تحقيق الكثير، والأهم ان أكحل عيوني والقي نظرة ولو اخيرة على وطني العزيز العراق.

هل من كلمة اخيرة لقراء مجلة نرجس..؟؟

- اتمنى لمجلة (نرجس) وكل العاملين فيها النجاح والتوفيق والاستمرار وان توصل صوت العراقيين في كل مكان. وتقدم وجه العراق الحضاري الجميل.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2