تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الحبل السري لعشتروت


كاد اليأس يعترينا تماماً، لولا أن أحدهم أشار علينا جازماً، أن نزور عيادة الدكتور (المختار)، فهو- على حد زعمه- طبيب عبقري-، والشفاء معقود بيديه، وهكذا عقدنا العزم بالذهاب إليه، لكن ينبغي علي الإشارة الى أن عزمنا ذاك، كان كالمعتاد، في مثل هكذا محاولات، يشوبه الوهن ويثقله التردد، إذ ان الفشل الذي لاحق محاولاتنا الكثيرة، بقي ملازماً على مدى سنوات. فمنذ أن خاطت زوجتي في العام الأول اقمطة الوليد المرتقب، ظلت هي وما خاطته كمنقطع في جرداء ينتظر مخلصاً ولا مخلص.


الحقيقة، قدر تعلق الامر بي، كنت موقناً على الدوام، أن أولادي_ الأجمل والأخلص – قصصي-ولهن ميزة على (أولادي) الحقيقيين هي ميزة الخلود، هذه الميزة التي شغلت أفق الإنسان منذ فجر الخليقة، وستشغله حتى الأبد، غير ان زوجتي في نهاية المطاف (امرأة) شأنها شأن الأخريات، اللواتي يعتبرن خصوبتهن موازية بالضبط لوجودهن.. والتي تفتقد منهن، امتياز الحمل، تغدو إذا طال الزمن مرتعاً للملوحة واليباس كأرض بوار. لقد كنت رحيماً بزوجتي، لما ألمسه من هم طاغ ينوء تحت وطأته صدرها، أشفق عليها كثيراً، فأما حكها تارة، وأسترضيها أخرى لعلي_ جهد المستطاع، أهون بعض الأمور عليها، لكن همها الجارف ذاك راح ينمو ويتضخم كنبات خرافي، اذ أنها بمجرد أن ختم محدثنا معلومة عن الدكتور إياه، ندت عنها(هيا) لاهثة فاضحة، واعتراها، بسبب ذلك، حياء كبير، فلاذت بالصمت. ما ان غادر ضيفانا حتى انفتقت وسادة همومها، عن شلال جارف من الحزن يصب في بحر الخلفة، ويتمدد فوق شواطئ أحلام الأمومة المترامية الدفء..، وعدتها خيراً، ثم اوينا الى الفراش ... غير أنني أستطيع الجزم أن أجفانها لم تغمض ليلتها على الإطلاق ... في صباح اليوم التالي ، وأمام البناية التي تضم عيادة الدكتور (مصطفى المختار) لفت انتباهنا طفل زنجي يمسك بيده حبلاً متوسط الطول ينتهي طرفه الآخر برقبة كلاب الزينة، تلك التي يضاهي حجمها حجم الهررة ذوات الشعور المتهدلة المترفة، وكان الطفل والكلب يرقصان بمرح غامر ، قفزت الى ذهني، ذكرى معسكر حرق ، أقمناه شياطين صغاراً، أخذنا ثلاثة جراء تائهة ، قيدناها جيداً ، ثم حملنا قنينة كيروسين وعلبة ثقاب وصفيحة معدنية فارغة، فكانت قيامة أرواح، ابتدأت ولم تنته...في أتون مضرم محكم، يصدح فيه عواء أخرس. واجهة البناية تشبه الى حد بعيد أثراً خلفته حضارة منقرضة، أعمدة أسمنتية متصدعة، تفح كافوراً يزكم الأنوف، رطوبة نتنة، أقواس، أقواس قباب، او أقواس قبور..، الظاهر والباطن في الجدران مليء بالأقواس..، الأقواس: منحنيات مشوبة بالريبة، أهلة تضم طرفيها في الأسفل على لذة، او تشرعهما الى الأعلى تنتظر لذة، ولكنها دائماً تنتهي محبطة في الاسمنت، الاسمنت، المستقيم الصلد، اليقين اللا احتمال. دخلنا مسحورين في نفق كافوري معتم طويل، تحف بنا ظلال لأشباح مضطربة، رجال منكسرون او سبايا مستباحات، أجداث شوهاء تتقافز أمامنا، توصلنا الى سلمة مثلومة في سلم آيل الى تآكل.. هل همت عليك بقايا الجص الموتور برطوبة الأزلية،ام طفحت في هيكلك فراشات سابحة نحو الضوء، نحو دعوة مثيرة لحتف أخير؟ لوحة الإعلان عن عيادة الدكتور موشكة على السقوط، إذ كانت معلقة بطرف واحد من اعلى اليسار، صر الباب بوحشة ، فتناهت الينا حشرجة منحدرة:- أدخل، الصالة خاوية تماماً لا من نموذج الهيكل العظمي للأنسان في الزاوية القصوى، وهيكل آخر يناظره لعجوز ذاوية تفترش مكتباً مترنحاً..، رفعت سبابتها مشيرة الى اليسار، دخلنا يساراً قبواً كئيباً يشغله الدكتور (المختار). الدكتور المختار هرم، ثمانينه نحتت فيه الكثير من الأقواس، على وجنتيه وحاجبيه، جبهته وشفتيه، وكذلك عوينات- كعب الفنجان- تتيه بك في دوامة أقواس، تكتمل او لا تكتمل بأنصاف دوائر غائرة، بادرني قائلاً بعد الفحص:- زوجتك ستشفى. لم أصدق، قلت :-كيف؟!! قال آمراً:- دعني معها واخرج. فعلت ما أراد، بعد حين التحقت بي زوجتي، وغادرنا البناية التي بدت موشكة على الانهيار، أخبرتني أن الدكتور طلب اليها عيادته دورياً، وقد فعلت ذلك بحماسة كبيرة. أثناء زمن عيادتها للدكتور، هناك ألوان ملابسها وقد أصبحت أكثر بهجة، وأنها صارت تحب سرد الطرائف، وتضحك ملء قلبها، ثم أن زجاج منزلنا صار أنظف وأنصع، وكذلك راحت تبدي اهتماماً لا مألوفاً بحديقة البيت. أدخلت عليها عدداً جديداً من الزهور والشجيرات، وشبذت وسقت بانتظام عدداً آخراً فيها. وبالإجمال كانت مسحة حياة جديدة توشح أنحاء البيت، ذات صباح رائق، فوجئت بزوجتي تنوي وضع جنينها..، متى حملت، ومتى حبلت.. لا ادري؟ وهكذا في منحن لا يحيط به مكان ولا يستغرقة زمان، وكان (المختار) في صالة الولادة مع زوجتي التي أصرت أن لا يستولدها غيره..، بينما كنت أمكث في الانتظار، ألد بدلاً عنها ملايين الهواجس والاحتمالات، تتملكني نوبات من الاضطراب والتهور لا تعترف بأية رصانة وأي وقار.. عموماً- كنت أقول – لايهم فلأصبح اباً أولاً، ثم تأتي الرصانة، ويأتي الوقار، فقط (رباه) يا دكتور (مصطفى)..اجعلني اباً.. تتصدع الأحجار، تهمي من آخر سماوات الأبدية سيول جامحة من النار، يخترق المستقيم المنحني، تنبثق وردة فتية من شرخ في صلادة الرخام، يشجّ سمعي رعد غريب كما لو انه أزيز رصاصة مارقة في رأسي..، لقد كان صراخ الدفقة البكر، قطرة غيث في صحرائنا القاحلة، غير انه صراخ مصحوب بعويل موجع..، ماذا هناك؟ اندفعت مجنونا، لا ألوي على شيء، ركلت الباب بقوة..، حسناً هذا جنيننا يرفس ضاحكاً، وهذه أمه ناقهة تبتسم..، ولكن مابال الدكتور (مصطفى المختار) مسجى هناك على الأرض، وقد أمسى جثة هامدة؟!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2