تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


شارع الرشيد .. مخزون عريق من التراث الشعبي والثقافي


لن نتحدث عن كيفية الدخول إلى شارع الرشيد، والتحديات التي تواجه زوار هذا الشارع. فقد يكون الحديث معاداً حتى وإن جاء بتفاصيل أكثر دقة.. ولن نتحدث عن بدايته الممتدة من باب المعظم ذاك المكان الذي شاخ بالحفريات والمقربات وهو ينتظر ولادة جسره مذ أكثر من ثلاثة أعوام،


 ولن نتحدث أيضا عن نهايته التي تلتقي بالباب الشرقي قلب العاصمة العراقية بغداد. ما أردناه هو الوقوف على تلك المسافة ما بين بداية هذا الشارع ونهايته وهي تحاكي أهم الأماكن التراثية المتمثلة بالكنائس والجوامع ودور السينما والمسارح فضلا عن البيوت والأسواق والمحلات التي امتازت بتصاميمها المعمارية التراثية القديمة.  الزائر لهذا الشارع الذي أغلق لدواع أمنية ومنع دخول المركبات من ساحة الرصافي "تمثال الرصافي الشهير" في الطريق سيمر بزقاق يسمى "عقد الجام" وزقاق "عقد النصارى" وزقاق "باب الأغا" و"سوق الصفافير" وهي أفرع وأزقة تراثية قديمة لا تفصل فيما بينها سوى تلك الأعمدة الخراسانية المتينة التي ربما من خلالها نميز المكان من حولنا ونتعرف على ما يحوي بسبب ما كتب عليها من عناوين وإشارات بطريقة عشوائية. 

أزقة هذا الشارع في العادة بعد غياب الشمس يكون طريقها موحشاً غير مطروق إلا نادراً، لبعض من كانوا يبحثون عن شيء ما، في حين يكون هناك حراس كلفوا من قبل أصحاب المحال التجارية لحماية ممتلكاتهم. 

ويتحدث الحاج سلمان النقاش بحسرة عن ذكريات هذا الشارع وبخاصة سوق الصفافير، وكيف كان مزدحما بالزائرين والوافدين من جميع دول العالم.  

لقد حلت بشارع الرشيد مشكلات كثيرة منها اختفاء الأرصفة أو تحولها إلى محطات تحتضن العربات الجائلة كما وأنشئ العديد من المطاعم الثابتة والمتحركة التي تقدم المأكولات الشعبية المعروفة وغيرها تقدم المشروبات الباردة والساخنة للعابرين. واستغل بعض الباعة إغلاق الشارع الرئيسي بإقامة مظلات موسمية على عربات متحركة خشبية متهالكة لعرض الفواكه المستوردة والحلويات الشهيرة.

وأشار مهند جاسم وهو صاحب محل في سوق السجاد الواقع بالقرب من المدرسة المستنصرية ونهايته تتقابل مع بداية شارع النهر إلى أن للزحام وكثرة العربات الجوالة والحواجز الأسمنتية والإهمال الواضح من قبل الجهات الحكومية الأثر الكبير في انحسار زوار هذا السوق. 

من جهته أوضح علي نوري وهو أحد باعة البسط اليدوية، في السابق كانت هذه السوق مزدحمة بسبب الزوار الذين يقصدون المدرسة المستنصرية، أما اليوم فقد اختلف الأمر ولم يعد هناك زوار أو وفود، وبات هذا السوق يحتضر.   

 يعرف القادمون إلى العاصمة بغداد أن زيارتهم لن تحتسب لهم ما لم يمروا على شارع الرشيد سواء بأزقته وأسواقه ومحلاته أو بالبيوت الممتدة في أحشائه، أو بزحامه وصخبه، ذاك الزحام الذي يلوح للقادم مدى إقبال الناس استعدادا لاستقبال المناسبات والأعياد، وبخاصة سوق شارع النهر والشورجة وسوق تحت التكية وعمارة القادسية الشهيرة بأنها أكبر مركز تجاري محلي.

إلا أن الحاج سعدون كاظم يرى أن هذا الشارع لم يعد كالسابق، برغم من أنه مركز تجاري مهم، فالكثير من معالمه تغيرت ولحق بها الدمار، ويشير إلى خدمات أمانة بغداد ليست بالمستوى المطلوب، فضلا عن التحديات الكثيرة التي تواجه أصحاب المحال أو زوار هذا الشارع بغية الوصول إليه.  

في المقابل يرى أحمد الحيدري وهو صاحب محل لبيع الحلويات بأن السوق تبدل ولم يزوره الناس كالسابق، بسبب توسع المحال التجارية في كل مناطق بغداد ومدنها. 

الكثير من الحكايات والأساطير طالت شارع الرشيد وتأريخه وشخوصه، فقبالته تقع الكنيسة القديمة "مريم العذراء" في ساحة الميدان والتي تعد من أعرق الكنائس في بغداد إذ تعدى عمرها الألف عام، هذه الكنيسة التي وثقت حكايات السلطان مراد الرابع والقائد الأرمني (كيورك نزريتان) عام 1638، بحسب رأي الباحث في الشأن التاريخي نعمان يوسف، أن في هذه الكنيسة يوجد إرث تاريخي وثقافي كبير، منه الكوة التي تحتوي على علبة رخامية فيها جزء من ذخيرة الأربعين قدسياً استشهدوا بسبب الاضطهاد الديني أوائل الانتشار المسيحي، وهناك أيضا ما يعرف بالصندوق الحجري وهو ذو ثماني زوايا مزين بنقوش وزخارف جميلة، أما غطاؤه فمحفور عليه كتابات بالأحرف الارمنية، وتذهب المصادر إلى أن هذا الصندوق يحوي على ذخيرة الأربعين شهيداً من القديسين.

الحديث عن شارع الرشيد لا يكتمل إلا بالحديث عن أسواقه الممتدة على امتداده، منها سوق الصفافير، والشورجة، وتحت التكية، وسوق النهر وسوق الذهب وسوف الرصافي وسوق القماش وغيرها.. وعندما تحاول الدخول إلى أي سوق من هذه الأسواق تشعر وكأنك في أحياء متداخلة، كما أن لكل سوق تسميته التي تحيلنا إلى مضمون واضح عن تأريخه. 

من جهته يقول عدنان الجوهري وهو صاحب محل لبيع الأنتيكات العتيقة والتراثية، أن رواد سوق الصفافير كانوا من الشخصيات المعروفة، وكان محطة سياحية كبيرة يقصدها مختلف زوار العالم لشراء التحف والانتيكات.  

وعند الولوج إلى أعماق هذا الشارع نرى صليب كنيسة "مريم العذراء" في الشورجة ويعود تاريخها إلى العام 1866 والتي تحوي على معبد "القديس يوسف" أشهر المعابد المسيحية في هذه المنطقة، وقبر الأب العلامة أنستاس الكرملي الذي كان يطلق عليه بحر اللغة العربية وزعيمها في عصره، فهذه الكنيسة لم تخل في السابق من الأدباء والشعراء الذين كانوا يقصدون الأب الكرملي، وحين التجوال في باحة الكنيسة سترى لوحة من المرمر تحمل أسمه وتاريخ ولادته ووفاته، كإشارة على قبره الذي ينتصب تحت جدار اللوحة، فضلا عن قبر الكاهن البريطاني (لاتيني) منذ العام 1942.  

وتحوي هذه الكنيسة أيضا على مقبرة منذ عام 1880  وفيها رفات "راهبات المحبة الدومينيكيات لتقدمة مريم العذراء القديسة"، وهن راهبات درسن وتخرجن من معبد الكنيسة. 

كما أن التنوع في هذا الشارع فطرة، وتعددية الأسواق طبيعة، فلا تتعجب أن وصلت إلى "سوق الجمعة" أو ما يسمى "سوق الغزل" الذي يقع بجانب جامع الخلفاء الشهير ومقابل كنيسة مريم العذراء، حيث يعد جامع الخلفاء من أقدم الجوامع وأكبرها حيث شيد عام 908، ويحوي على أقدم القبب والمآذن الإسلامية، وتقول المصادر - يبلغ ارتفاع مآذنه 32م ومحيط قاعدتها 20.64م وبدنها 16.20 ومقامة على قاعدة مرتفعة مضلعة قوامها (12) ضلعا ويبلغ ارتفاعها (8) أمتار -  فضلا عن أنها مزخرفة بطريقة معمارية متميزة ومنقوشة باللغة العربية.   

ويرتبط أسم سوق الجمعة بيوم الجمعة، كونه لا يستقبل زبائنه إلا في يوم واحد من الأسبوع ألا وهو الجمعة، فهذا السوق يزدهر فيه باعة الحيوانات والطيور بأشكالها المختلفة والمتنوعة، ويشكل نقطة تواصل بين محبي ومربي الحيوانات والطيور، فضلا عن التبادل التجاري بين مختلف المحافظات.  

ولشارع الرشيد مع التظاهرات والثورات حكايات كثيرة ومتنوعة فكان محطة تستقطب الانتباه من كل صوت، كان قلب العاصمة العراقية، وغيره الكثير من الأسواق التي شهدت حقبا زمنية مختلفة، يرجع تاريخ بعضها إلى عصور قديمة، فمعالم المكان، والمحلات، وطراز الأبنية، والمقاهي وغيرها، تكشف عن حياة هذه الأسواق في السابق، أما اليوم فقد تغيرت ولحق بها الإهمال حتى ضاعت الكثير من معالمها التاريخية التي كانت تحمل مخزوناً عريقاً من التراث الشعبي وباتت متشابهة من حيث التجاوزات العشوائية والحواجز.   

وقال المواطن أحمد عدنان إن هذا الشارع يضم مسارح ودوراً للعرض السينمائي يعد اليوم من أكثر الشوارع التي تعاني من تلك التجاوزات والعشوائيات. فالحواجز الأسمنتية التي يبلغ ارتفاعها أكثر من أربعة أمتار، هذه الحواجز التي كثيرا ما أثار استقدامها لعزل تلك الأسواق عن الشوارع الرئيسة جدلا واسعا بين المواطنين، دفعت بالكثير منهم إلى استغلالها بطريق غير حضارية.

من جهته، قال صاحب محل لصيانة السيارات كنعان علي أنه الكثير من أصحاب المحلات التجارية التي تقع خلف تلك الحواجز لجأ إلى استغلالها وتحويلها إلى لافتات ولوحات أعلانية ذات طابع غير حضاري، فضلا عن استغلال وجودها بالقرب من الشوارع لإنشاء محلات وورش لصيانة وتصليح السيارات.  

بدأ الاهتمام بشارع الرشيد في الآونة الأخيرة يأخذ أكثر من منحى بحسب مكتب إعلام أمانة بغداد أن التجاوزات اغلبها بسبب الباعة الجوالين الذين ارتأوا عرض سلعهم وبضاعتهم بأنفسهم، وقد حاولت الأمانة مراراً رفع تلك التجاوزات، كما أن الأمانة قامت بمشروع تأهيل شارع المتنبي وهي الآن بصدد الإعداد لمشروع كبير لتأهيل شارع الرشيد بأكمله.  

وعلى ما يبدو فإن الاهتمام هذا لم يتضح بعد حتى الآن في كونه معد للحفاظ على أرث هذا الشارع من أبنية تراثية وبيوت أثرية أو أنشاء نفق لسير المركبات يتفرع ويرتبط في أكثر من اتجاه، كما لا توجد أماكن للاستراحة أو التأمل حتى يؤمها الناس ليتمتعوا بمعالم هذا المكان وصخبه.  



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2