تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المبدعة حين تقصيها شهرة الشريك


عاشت مونيك لانغ وكتبت رواياتها ورحلت وهي تقبع في ظل وهج زوجها ورفيق حياتها الروائي الاسباني الشهير خوان غويتسولو الذي أمضى معظم سنوات حياته الإبداعية مهاجراً إذ ترك اسبانياً هرباً من ديكتاتورية فرانكو وهو في الرابعة والعشرين قاصدا باريس التي التقى فيها بالفرنسية مونيك لانغ وكانت تعمل مستشارة للنشر في دار غاليمار، اللقاء الأول في سنة 1955 و كانت مونيك ترتبط بصداقة عميقة مع الكاتب جان جينيه.


وفي سنة 1956 انتقل خوان للعيش معها وقدمته للوسط الثقافي الفرنسي ثم سعت – وهي مستشارة النشر -ان تقنع دار غاليمار العريقة بترجمة اعمال خوان غويتسولو للفرنسية وتنقلت معه مابين برشلونة وأمريكا وطنجة ومراكش التي عشقا العيش فيها وتبنيا قضايا أهلها وتراثها الإسلامي، وبفضل عملها في دار غاليمار تعرفت مونيك على أشهر أدباء فرنسا والعالم خلال الخمسينيات والستينيات وكانت ذا حضور مهيب في الوسط الثقافي الفرنسي الذي يتميز بقسوته وعدم اعترافه إلا بالموهوبين الكبار. أصدرت مونيك لانج روايات مهمة لاقت شهرة في الأوساط الأدبية الفرنسية ومن أبرزها (أسماك النهر) و(ابينات الاستحمام) واتسعت شهرتها لكتابتها سيرة حياة المطربة الفرنسية الشهيرة (اديث بياف) وسيرة الكاتب والسينمائي (جان كوكتو) وفي سنة 1994 نشرت كتاباً سرديا من طراز النص المفتوح بعنوان (الدفاتر الممزقة) قدمت فيه صورة دقيقة يوشحها العنف والحنان عن والدها الراحل، ولعل التنقل بين البلدان انعكس نوعاً من الصمت الاضطراري على حياتها وروحها المرهفة فارتضت ان تقبع في ظل شهرة خوان وتغدق الحب عليه، وهو الذي اختار ان يخوض معارك عديدة ضد حروب العصر الحديث ويكتب دون توقف روايات ذات قيمة إبداعية عالية عن إدانته الحرب وعشقه الثقافة الإسلامية والعربية ودفاعه المتواصل عنهما. أدرك غويتسولو ما تمثله له هذه المرأة من قيمة فريدة في حياته فكتب بعد وفاتها كتاباً نثرياً صغيراً اسماه (هي) لم يكن كتاب رثاء، بل كان استحضارا لملامح امرأة صابرة ومتواضعة تقبلت خيارات الآخرين وارتضتها رغم انها خيارات مؤلمة وانشغلت بعنف العالم وعاشت قلقاً وجوديا على مصيرها كزوجة وكاتبة، وفي هذه الكلمات ما ينبئ عن عذابها الصامت وانكسار خطها الإبداعي، وهذه مقاطع من كتاب (هي) كتبها بلسانها: هي: إقامتك في المغرب تحول دون الرتابة والتعب اليومي اللذين يترصدان كل زيجة، لكن عليك ألا تكون ذلك الزوج الغائب دائماً، والذي أتيقن من بعده حينما يعتريني الحزن والفتور. أعرف أن الكاتب في جوهره كائن أناني ينشد الجو والمكان المناسبين لعمله، مع ذلك هلا فكرت بي بين آونة وأخرى؟ أنا بدوري أكتب بمفردي وإذا ما اعترضنني عثرة أو توقفت عن المضي قدماً فإنني أشعر بالحاجة إلى قربك ومعونتك. هي: «العيش معك يعني الشروع في تعلم الوحدة القاسية والضرورية، لست أدري هل أؤاخذك على ذلك أم أشكرك؟». يقرأ لها بيتا من الشعر الصوفي بما معناه (دس الأرض بلطف فغداً تكون قبراً لك) فتقول له: (هذا الامر لا يناسبني فليس علينا أنا وأنت ان نكون في عجلة من امر الموت) ويختم الكتاب بهذه الشذرة (لقد قالها ابن عربي قبل قرون لا يصمت من هو صامت أصلاً، إنما يصمت من لم يكن صامتا) نعم كان الصمت خيار هذه المرأة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2