تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مرقد نبي الله ذي الكفل.. مساحة تعبق بالقداسة وتعج بالأسرار العجيبة


ساجدة ناهي
تصوير/ حيدر الحيدري
وأنت في طريقك لزيارة العتبات المقدسة في النجف الاشرف، لا بد أن تقف لتتزود بشيء  من الصبر لاجتياز المسافات الطويلة التي تفصلك عنها، فتزور مرقد النبي أيوب عليه  السلام، وعند هذا المزار فقط ستعرف انك وصلت إلى ناحية الكفل أو كما تسمى بالعامية  (الجفل) هذه المدينة التي أخذت اسمها من نبي الله ذي الكفل وتشرفت بوجود قبره بين  جنباتها، ارض وطأتها أقدام الأنبياء والأولياء والصالحين، ما زالت رائحة الإيمان  والتراث تفوح منها ومع ذلك هي ثروة سياحية مهملة رغم موقعها الجغرافي المميز  وإغفاءتها الطويلة على نهر الفرات وهي تحتضن 38 موقعا اثريا، 16 موقعا فقط مثبتا  بصورة رسمية.




تتربع ناحية الكفل على مساحة 540 كم ويخترقها نهر الفرات فيتركها تنقسم على نفسها  إلى جزأين هما الصوب الصغير والصوب الكبير والذي يضم على أرضة مراكز الحكم في  المدينة من دوائر حكومية وغيرها.

سوق دانيال
وأنت في الصوب الكبير من ناحية الكفل لا بد ان تطالع من بعض الزوايا مئذنة تقف  كالطود الشامخ بارتفاعها الشاهق وطرازها الإسلامي الذي يوحي بالقدم والى جانبها  منارة أخرى لا تضاهيها في الارتفاع لكنها قد تختلف في الشكل والحجم، وهاتان  المنارتان من ابرز المعالم الاثارية في مركز الناحية التي يمكن ان تحظى برؤيتها  وأنت في طريقك إلى المدن المقدسة، ان أردت ان تصل إليها لتتعرف بها عن كثب عليك ان  تخترق بعض شوارع المدينة الرئيسية وما هي الا بضع خطوات حتى تجد نفسك أمام سوق  تجاري قديم مفتوح للجهات الأربع ان دخلت فيه لا تتمنى الخروج منه أبدا، ليس لجودة  بضاعته فقط بل للبرودة المنعشة التي تسري في أوصالك والتي تجعلك تنسى قيظ الصيف في  الخارج، هذا السوق يسمى (سوق دانيال) وهو اسم لتاجر كان عراقي الجنسية يهودي  الديانة يملك سوقا آخر حمل اسمه في مدينة بغداد وفي سوق الشورجة بالتحديد، يبلغ عمر  هدا السوق أكثر من 700 عام، ومع ذلك ما زال ينبض بالحياة وبالبضائع التي اصطفت على  جانبي السوق الذي بدت أيادي الترميم واضحة المعالم فيه الا انها لم تفقده هويته  الأصلية التي مازال يحتفظ بها كاحتفاظه بالأقواس والنقوش التي تعتبر السمة البارزة  لسقف السوق، وتكاد المعلومات المتوفرة عن هذا السوق ان تكون قليلة لقلة الاهتمام  والتوثيق ولكن بعض الشواهد الباقية تدلنا على ان هذه المنطقة كانت مركزا تجاريا  حيويا لعدة قرون.

المرقد الشريف
حالما تخرج من سوق دانيال، تشعر انك تقف على ارض ناطقة، هذه الأرض التي انطلقت منها  دعوة الأنبياء للتوحيد وتجسدت في معلم حضاري وإنساني فريد يحتضن قبر نبي الله ذو  الكفل عليه السلام الذي أراد الله سبحانه وتعالى ان تكون له هذه المنزلة الرفيعة في  الدنيا والآخرة عبر هذا المرقد الذي كتب عنه الثعلبي في العرائس وقال ان ذو الكفل  هو "بشر بن النبي أيوب عليه السلام، وقيل عرف بالكفل لأنه تكفل بمئة ركعة كل يوم  وآخرون نسبوا التسمية الى تكلفه بعدم الغضب فان كان والده أيوب مضربا للمثل بالصبر  فهو سيكون بهذا المعنى مضربا للتحمل والحلم".
وما ان تصل الى المرقد الشريف حتى تجد نفسك في باحة واسعة هي ساحة المرقد الرئيسية  (الصحن) المحاطة بالاواوين ذات الأقواس الرائعة التصميم وهي عبارة عن غرف مخصصة  لأكثر من غرض ومنها امتصاص درجات الحرارة العالية التي يتصف بها مناخ العراق صيفا  ويمكن القول ان هذه الاواوين الجميلة عبارة عن غرف مفتوحة متداخلة متعددة الأغراض.
ضريح نبي الله ذي الكفل عليه السلام يختلف عن الأضرحة التي تحفل بها المراقد  الدينية الأخرى المنتشرة في أرجاء المعمورة حيث يغطي القبر الشريف صندوق خشبي من  الصاج الخالص الجميل وضع في قاعة ترتفع إلى الأعلى على شكل قبة مخروطية مبنية على  الطراز السلجوقي في هندسة معمارية غاية في الروعة والجمال استخدم فيها نظام الزخرفة  والتزجيج بالألوان القديمة الرائعة وللقبة التي تضم الجسد الطاهر بابان خشبيان  منقوش في أعلى كل منهما عبارات باللغة العبرية، هذه الأبواب تطل من جهة الشمال على  بناء متداخل بعضة على بعض وبدعائم ضخمة جدا على شكل أقواس وفي شرقه توجد غرفة لها  باب حديدية ثقيلة جدا يقال أنها كانت مكتبة عامرة بالكتب العبرية متجمعة من وقف  أصحابها وقد تم الاحتفاظ بجزء من هذه الكتب لدى الدولة العراقية في منتصف  السبعينيات من القرن العشرين والقسم الأخر تبعثر بين أيادي السكان بعد هدم احد  الجدران.

حزقيل
وقد ذكر المعمرون أن اليهود كان لهم وجود كبير في مدينة الكفل وهذا المرقد كان  مقدسا لديهم وهم يسمونه النبي (حزقيال) وقبل قيام دولة (إسرائيل) سنة 1948م. كان  اليهود يأتون إلى مدينة الكفل لزيارة هذا المرقد ولمرة واحدة في السنة وعادة ما  تكون في شهر آذار يحيون ذكرى احد أعيادهم ومظاهر الفرح عليهم واضحة كما يوجد في وسط  البناء المتداخل معبد مرتفع بمقدار متر واحد عن سطح ارض المرقد محاط بسور خشبي  متآكل بدت عليه آثار الزمن وكانت تقام فيه مراسيم الزواج.
وعندما أسقطت المملكة العراقية الجنسية العراقية عن اليهود في العراق وتم تسفيرهم  بين الأعوام 1948 و1951 إلى الأرض المحتلة انقطعت تلك الزيارات.
ومن كتاب اليهود لمير بصري ذكر ان اليهودي شلومو مراد آل قلباق قد شيد في القرن  الثامن عشر خانا مجاورا لمرقد النبي (حزقيل) في قصبة الكفل لغرض إقامة الزوار  اليهود عند زيارتهم النبي في عيدهم وكان اليهود الأثرياء يوصون بوقف ما يملكون  لإعمار مرقد ذي الكفل وعندما توفي مناحيم آل دانيال صاحب المقاطعات الزراعية  الشاسعة نقلت جنازته إلى الكفل بوصية منه حيث دفن قرب الضريح بوصية منه.

أسرار عجيبة
وذكر كتاب نزهة المشتاق في تاريخ اليهود ليوسف رزق غنيمة انه عندما انتهى حكم  الكلدانيين لبابل عام 539 قبل الميلاد أغار كورش الفارسي على مملكة بابل وقتل أهلها  وهدم أبنيتها وإذن لليهود بالعودة الى قدس أسرارهم ومحط أنظارهم ( أورشليم ) فعاد  القليل منهم وبقي من ألف الحياة البابلية وبذلك تكونت الجالية اليهودية في بقية مدن  العراق الأخرى.
في الجهة الغربية للمرقد أيضا توجد باب خشبية قديمة من قطعتين تؤدي الى بناء يضم  بداخله مقام نبي الله الخضر عليه السلام ليضاف الى عدد كبير من المقامات المنتشرة  في أنحاء واسعة من البلاد وهو غرفة مفتوحة من ضلعها الجنوبي على البناء المتداخل  ومتصل فيما بينه بالأقواس والدعائم، هناك أيضا قبور أصحاب نبي الله ذي الكفل وهم  كما مثبت على قبورهم وعلى التوالي يوسف الريان ويوشع وخون ناقل التوراة ويوحنا  الديملجي وباروخ وقبره منفرد على الجهة المقابلة لقبر يوسف الريان وقبورهم متشابهة  ومتساوية في القياسات.
ومن الأسرار العجيبة في هذا المكان أيضا نظام التبريد والتدفئة وهو نظام متقن جدا  يتبع بالتأكيد طريقة بناء النوافذ الصغيرة المنتشرة في أرجائه والفتحات السداسية  الشكل الموجودة في السقف التي خصصت لأغراض التهوية والإضاءة هناك أيضا البئر الذي  يتوسط باحة المرقد والذي يرتبط ارتفاع وانخفاض منسوب المياه فيه بمنسوب مياه نهر  الفرات والذي اثر أيضا على مستوى الرطوبة في جدران المرقد بسبب هذه الرطوبة.

القبة
اختلفت الآراء حول تاريخ بناء القبة المخروطية التي تعلو المرقد فهناك من يرجعها  إلى عام 1317 م. وهناك من يرى ان القبة الخارجية بنيت في القرن السادس الهجري وان  القبة الداخلية بنيت في القرن الثامن الهجري ويذهب رأي ثالث الى ان القبة الداخلية  نصف الكروية والخارجية المخروطة المقرنصة بنيتا في القرن الثامن الهجري وان الذي  قام ببناء مسجد النخيلة القريب والقبة السلطان المغولي الجايتو خدابندة 703، 716  هجرية وقد بنيت القبة على قاعدة مربعة وتتألف من عشرة صفوف ذات حنايا.
تنازع على ملكية هذا المعبد غير طائفة من العراقيين الا انه انتهى الى اليهود ويقال  ان مناحيم أفندي دانيال ساعد قومه في أمر هذا المعبد ويقال ان الأتراك هم الدين  أعطوا ملكية البناية والسوق الى دانيال طابوا صرفا زورا.

مسجد النخيلة
حالما تخرج من الباحة الأمامية للمرقد تجد نفسك في صحن أخر كبير يتصل بمرقد النبي  الكفل وهو كما ذكر الشيخ اليعقوبي في كتاب البابليات (يتصل بقبر الكفل جامع فيه قبر  ومحراب ومنارة) وما هذه المنارة إلا منارة مسجد النخيلة والمحراب هو محراب منام  المشهور وهو الموضع الذي صلى فيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام  عند خروجه الى صفين وعند خروجه الى حرب الخوارج في النهروان مارا بالحلة.
من جهته الشمالية تنتصب مئذنة عملاقة في علوها وضخامتها وبنائها الاسطواني الأسطوري  ويستوقفك مظهرها الخارجي بزخارفها الهندسية المتقنة الصنع وما فيها من كتابات جميلة  لا تقل روعة عن المقرنصات التي تزين حوض المئذنة من الخارج وهي بغاية البداعة  والإتقان من الجمال والسحر المعماري حيث يعتقد انها بنيت في زمن البويهيين.
المنارة في مسجد النخيلة الذي ليس له اليوم عنوان يتميز به سوى ان المئذنة القائمة  تقضي بأن تكون على طرف المسجد ولم تزل ثلاثة أسوار قديمة عالية الجدران موجودة الى  هذا التاريخ والمعروف عند مشايخنا والمعمرين انه كان في المسجد منبر كبير عال من  الصخر وقد حفر اليهود الى جنبه حفرة وأوردوه فيها وسووا عليه التراب ولا يزال  موجودا تحت الارض ويقال أيضا ان بعد وفاة الخليفة محمد بن بويه ادعى اليهود ان  الجامع لهم ولا وجود لاية منارة (مئذنة) فيه وحدث جدل طويل حول ذلك مقرون بشكاوى  عديدة الى الوالي في اسطنبول فيرسل اللجان التحكيمية حول وجود المنارة والتي كانت  اللجان تجلس تحتها وتكتب ان لا مسجد ولا منارة في الكفل.
وفي أواخر العهد العثماني تطاول عليه اليهود وبنوا فيه مخازن وبيوتا وغرفا يأوي  اليها الزائرون منهم في أعيادهم ومواسمهم، وفي سنة 1887م رفع الحاج درب بن عباس  المالكي (بتوجيه من العلامة علي خيري) السادن لمرقد ذي الكفل عريضة الى السلطان عبد  الحميد كتب فيها عن الجامع وحدوده ومساحته وتاريخ المنارة وموضع المحراب والمنبر  وذكر تطاول اليهود عليه وتملكهم له وما أنشأوا فيه من بنايات...فجاءت على اثر ذلك  لجنة من الإستانة لاستيضاح الحقيقة وما ان وصلت اللجنة بغداد حتى اتصل بها اليهود  وقدموا لها هدايا ثمينة فكتبت اللجنة تقريرا مخالفا للواقع ونفت فيه وجود المنارة  في الكفل وبعثت في تأييد قرارها صورة للقرية من احد جهاتها التي لا تظهر فيها  المنارة ومن هذا التاريخ صار الناس يضربون المثل بمنارة الكفل بالنسبة لنكران  الحقيقة التي لا تحتاج الى برهان وقال السيد رضا الهندي شعرا في هذا الموضوع:
عجبت بجحد الدهر بيعة حيدر
وما خصه المصطفى سيد الرسل
الى ان أعاد التاريخ لنا مثلها
فأخفى عن الأنظار مئذنة الكفل
طال التجديد مرقد نبي الله ذي الكفل وما زال مسجد النخيلة محافظا على هويته القديمة  الا ان المكان بأسره يئن من وطأة الإهمال وقلة زوار هذه الثروة السياحية المهمة  الذين قد يقتصر عددهم في احسن الاحوال على عدد من العوائل وربما بعض الوفود  السياحية الاجنبية علما ان ناحية الكفل تضم على ارضها المترامية الاطراف عدداً  مهماً من الاماكن المقدسة الاخرى منها مقام ولادة النبي إبراهيم الخليل عليه السلام  1900 قبل الميلاد وهي على الطريق الرئيسي المؤدي الى محافظة النجف ولا بد أيضا ان  تخترق بعض الزراعية لتصل الى هذا المقام في قرية ما زالت تسمى باسمة وهي نفس القرية  التي شهدت محاولات حرقة والمذكورة في القران الكريم وقبل ان تصل مقام النبي لا بد  ان تعرج على مرقد الإمام بكر بن علي بن أبي طالب عليه السلام حيث جرح في واقعة الطف  يوم 10 عاشوراء 61 هجرية مع اخيه الامام الحسين عليه السلام وهامت به الفرس الى  شمال الكفل بنحو 20 كم ودفن هناك.
إضافة إلى مرقد رشيد الهجري عليه السلام الذي سمي بالهجري نسبة إلى هجر مدينة في  اليمن ومرقدة بباب النخيلة شرق مرقد ذي الكفل على بعد 1/ 2 فرسخ منه تم اكتشاف قبره  عام 1308 هجرية وهو صاحب الإمام علي عليه السلام قتله عبيد الله بن زياد وغيرها  كثير من المراقد التي لا مجال لإحصائها.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2