تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


خطف الأطفال تراجيديا الوجع العراقي


ابين غايات مادية إجرامية وأخرى كيدية انتقامية انحصرت توقعات الشرطة في تحليل أسباب تزايد عمليات خطف الأطفال في العراق، وتبعثرت أفكار المحققين في دوامة التنامي المضطرد لهذه القصة التي قد تتحول الى ظاهرة لها أثار وانعكاسات على هوية المجتمع العراقي.


متنعصر القلوب لسماع قصة طفل اختطف، وآخر لم يعثر عليه أهله، وبكل تأكيد فان البراءة التي تلازم الأطفال هي مرد الألم والحرقة اللذين يحركان العواطف الإنسانية حين سماع مثل هذه القصص عن الطفولة، ولا يجرؤ أي كان على تخيل نفسه في الموقف ذاك،فتزداد الرهبة في القلوب مع تزايد حالات الاختطاف، ويغمض العراقي عينيه لتتراءى له تلك الصور القاتمة لأطفال خلت حياتهم من الابتسامة في أقبية الاختطاف المظلمة. تراجيديا الضياع ومع هيفاء تبدأ الحكاية، فهي ام اقتيد ابنها على مرأى ومسمع منها و زوجها، عندما طرق باب دارهم ثلاثة مع سيارة إسعاف ظهيرة يوم الأحد 19/7/2010، ودخلوا مستغلين عامل المفاجأة شاهرين أسلحتهم ليقتادوا الطفل الصغير من دار أهله والدهشة والفزع غلبت على الأب والأم، وبعد بحث وعناء دام أياماً لم يعثر على الطفل وسام ذي 12 ربيعاً، وجاء الخبر عن طريق الهاتف النقال مع رسالة تهديد بقتل الطفل او إرسال مبلغ من المال، وأرسل الأهل المال ومر على إرسال الفدية شهر ونصف تقريبا ولم يعرفوا أين استقر المقام بابنهم. الحيرة، الخوف، وأخيراً الأمل بدت كلها على وجهي الأبوين وما ان يطرق الباب او يتحرك حتى يهرع الاثنان وملء قلبيهما أمل بعودته فلا يجدونه في الباب.. ويعاني الأبوان أسى كبيراً وألماً لجهلهم مصير ولدهم، وبالرغم علم الشرطة بالأمر الا ان الإجراءات كانت روتينية لم تتجاوز عدة أسئلة، أولها بمن تشكون، ما هي أوصاف الخاطفين، أرقام لوحة مركبة العصابة...انتهى التحقيق والبحث الجنائي وأسدل الستار على فصل مأساوي لتراجيديا الوجع العراقي. هل تفلح العشيرة فيما فشل فيه القانون؟ التجأ الأب الى العشيرة واعتمد على ابناء عمومته الذين جندوا ثلة من الشباب يبحثون ويتقصون الامر،بعدما أعيته الوسائل الروتينية لمراكز الشرطة، وهو لا يملك من المال ما يغري به الخاطفين فقد باع واستدان ليجمع الفدية المطلوبة لإطلاق سراح ابنه، الأم تلقي باللوم على نفسها لانها لم ترافق ولدها وقبلت بذهابه مع أولئك الخاطفين، فالدهشة والخوف أوقفا عقلها عن التفكير في حينها، وقد خارت قواها ولم تعرف ما تفعل لاهي ولازوجها الذي انطلق بمركبته على طول الطريق الذي يمر بمنطقة سكناهم لكنه لم يلمح لهم أثراً. المشهد الثاني أسيل التي عادت من رحلة اختطاف دامت ثلاثة أسابيع، كانت أوفر حظاً من وسام، تبلغ أسيل من العمر 14 عاماً، تروي وقائع اختطافها بلهفة وعجالة وهي تلم أطراف ثوبها وتضغط على شفتيها معبرة عن حرقة ما مر بها، وتبكي مستذكرة الحادثة.. تتوقف قليلا لتمسح عينيها ثم تعود لقصة اليوم الكبير في حياتها وتجزم بان خاطفيها امرأة ورجلان، الحدث يبدأ في سوق البياع عندما أرسلتها أمها للتبضع من السوق القريب وقد اقتادتها المرأة الخاطفة الى المركبة خارج السوق بحجة مساعدتها بحمل شيء من أغراضها وعندما وصلوا المركبة قبلتها المرأة ولم تعرف ما حصل لها بعد ذلك حيث غابت عن الوعي،و تبين انها قد خدرت عن طريق الأنف، تقول الفتاة في حديثها، انها بقيت في منزل الخاطفين ثلاثة أسابيع ومن ثم اقتادوها وانزلوها في السوق من جهة مدينة العاب السيدية وقالوا لها اذهبي لدارك، بعد ان سألوها (هل تعرفين طريق بيتكم؟)، ولما عادت فوجئت بأمها قد غادرت المنزل لان الأب طردها على اعتبار انها المتسببة، ومنعت الفتاة من الخروج من الدار، وقد أخذت الى مركز الشرطة والى المستشفى النسائي.. الأب يؤكد ان ابنته لم يمسسها أذى من اثر اعتداء جنسي او أي اعتداء من نوع آخر وان الخاطفين لم تحدد هويتهم لكنهم أطلقوا سراح الفتاة مقابل مبلغ 20 الف دولار، والأب مدين لأحد أقاربه بثلثي المبلغ، لكن ما يحزن الأب هو إهمال الأم التي أرسلتها بالرغم من تهديدين سابقين وصلا الأب لانه مهندس يعمل في مختبر الفحص في بغداد وقد تسبب بخسارة عدد من المقاولين لعدم صلاحية مواد البناء التي يجلبونها للمختبر، ومن جانب آخر فان ما أشيع في المنطقة، بأن البنت قد اغتصبت وهذا الامر لن يفارق ابنته طوال حياتها وسيؤثر على مستقبلها لذا فهو مصر على عدم إرجاع أمها الى الدار، الأب البالغ من العمر 48 عاماً يقبل الحديث معنا لانه اقتنع بان الإعلام قد يخفف من التشويه الذي لحق بسمعته وليثبت انه تعرض لما تعرض له لانه قاوم موجة الفساد الإداري فكل شكه ينصب على من خسروا مقاولاتهم بسبب إصراره على مواصفات الجودة في مواد البناء، لكنه لا يملك دليلا يدين أياً منهم.. تعود أسيل الى فصل آخر من قصة الاختطاف، فهي تتذكر جيداً غرفة حجزها في الطابق الثاني من دار كبيرة، حيث كانت تحصل على الطعام والمشرب وسرير جيد للنوم وتطرق الباب ان كانت تريد شيئا فتاتي سيدة موكلة بها لم تفارقها للأسابيع الثلاثة لا يظهر من وجهها سوى العينين والدار تخلو من الناس على ما يبدو فلم تسمع فيها أصوات تذكر، ومع انها لم تر الوجوه ولا تذكر من خاطفيها الا السيدة التي التقتها في السوق وكانت وسيلة اختطافها ولم تظهر لها بعد ذلك الا انه لا يمر عليها ليل مذ ذاك الوقت لا تحلم خلاله بما حصل لها. أرقام ومآسٍ وفي مشهد آخر تسوده الأرقام والحقائق، تبين الإحصاءات ان 1800 طفل هو العدد الكلي من المختطفين في العراق، لكن منظمة حماية الطفولة في العراق تقول غير ذلك وتجزم بان العدد اكبر من ذلك بكثير على خلاف ما تقوله مديرية مكافحة الإجرام في وزارة الداخلية التي تؤكد ان الرقم اقل من ذلك، الملازم احمد شهاب من المديرية يقول بان العدد كبير وان الرقم المتوفر لدى دوائر المديرية لا يزيد على 177 حالة تتراوح مابين الثار والابتزاز لأغراض مادية ولا يوجد فيها اختطاف لأغراض البيع خارج البلد لكن هنالك حالات خطف الغاية منها تربية الطفل لاستخدامه في التسول. المنسق العام لمنظمة حماية الطفولة في العراق فيصل عيسى يطلعنا على أرقام المنظمة التي حصلت عليها منظمته من مكاتبها في بغداد وديالى وواسط والبصرة وبابل والنجف والسماوة، وهي 3405 أطفال مختطفين بين إناث وذكور والاعمار لا تتجاوز 14 عاماً وتصل الى الأشهر الأولى من الولادة، مبيناً ان هنالك حالات خطف لأطفال رضع تفوق 300 حالة كان آخرها في احد مستشفيات النجف ولم تصل التحقيقات الى نتائج مهمة يمكن الاعتماد عليها، لكن مقابلة عدد كبير من العوائل التي اختطف أطفالها وتقديم الدعم المعنوي والمادي لها من قبل المنظمة مع الحصول على معلومات أسهم في تكون قاعدة بسيطة للمعلومات كان أهمها ان اعمار مرتكبي هذه الجرائم تتراوح مابين 18-38 عاماً، وعلى الأغلب هم عاطلون عن العمل، وعن حالات الأطفال المخطوفين الذين عثر عليهم جثثاً من المجموع الكلي للمختطفين بلغت 241 حالة خطف انتهت بالقتل. يعيد حقه بالاختطاف المتهم عبد فرحان القي عليه القبض في منطقة الصابيات غربي بغداد وبحوزته طفل مخطوف يقول انه اختطفه ليعيد من خلاله حق سلبه إياه عم الطفل وتغاضى والده عن مطالبه المستمرة بإعادة مبلغ 6 ملايين دينار سلبها منه عم الطفل المخطوف، وبرغم إثبات واقعة النصب والاحتيال، الا ان القانون صنف جريمة الخطف تحت باب الإرهاب وهو ينتظر ان يتلقى العقوبة التي قد تصل لعشرين عاماً في أحسن الأحوال، المدعي العام خضر ياسين يؤكد ان القانون لن يتساهل مع جرائم الخطف او القتل لان المجتمع أصبح في دوامة عنف وتصاعد مستمر لنسب الجريمة ولا يزال الكثير من الناس يعتقدون ان الحقوق تؤخذ بوسائل خاصة منها الخطف او القتل او ما شابه ولا يمكن عزل هذه المعتقدات الخاطئة عن ضعف في المنظومة القضائية الأمنية التنفيذية. مدارس تتخوف من حالات اخطر المدارس ومع قرب بداية الموسم الدراسي الجديد سجلت أكثر من 300 حالة خطف في عموم العراق حظيت العاصمة بغداد بحصة الأسد منها للعام الدراسي الماضي، اغلب مدراء المدارس الذين تحدثنا معهم يرفضون فكرة ربط نهاية الدوام المدرسي بحضور الأهالي لتسلم أبنائهم ويقترح بعضهم ان لا يسجل الأهالي أبناءهم بمدارس بعيدة عن منازلهم إضافة الى تكثيف الدوريات ومفارز الشرطة على طرق المدارس، ويشدد مدراء المدارس على زيادة الحراسة على أبواب مدارسهم ويبدي بعضهم تخوفه من تطور عمليات الاختطاف من أفراد الى مجاميع، وهذا التخوف يؤيده أستاذ علم النفس في الجامعة المستنصرية شوقي الناصر من خلال تحليله السلوك الإجرامي المتنامي لدى فئات محددة قد تقدم على اقتحام مدرسة ما واقتياد مجموعة من طلابها خصوصا في النواحي والأطراف البعيدة في المدن، وهنالك عوامل تساعد على تنامي الفكر الإجرامي لدى هذه الفئات أولها القنوات الفضائية التي تتخصص بتقديم أفلام الجريمة بكل أنواعها، ويضاف الى ذلك ان المجتمع العراقي اخذ بالتحول فلم تعد تؤثر به (الانسنة) وقد تخلص بفضل التفجيرات وكثرة مشاهد العنف الحقيقية والقتل والدم من رهبة الخوف ومن المتوقع حصول جرائم من أنواع خطيرة ان لم يصر الى تدابير توعوية وبرامج نفسية اجتماعية وتثقيف متعدد المستويات.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2