تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


زواج المرأة الثاني - الثالث .. بحث عن الجنس أم الاستقرار النفسي


عندما يموت الزوج يترك زوجته وجهاً لوجه مع مجتمع يتعامل معها بريبة ونظرة قاسية، فإن هي ظلت على حالها ووقفت حياتها على العيش مع ذكريات الماضي، فقد تحمل هذه النظرة لها بعض التعاطف والتراحم باعتبارها ذات ظروف خاصة وتحتاج لمن يساعدها ويقف معها، ولكن هذه النظرة الايجابية تتغير وبنسبة مائة بالمائة إذا أقبلت هذه المرأة على الزواج مرة أخرى ، فيعتبرها الآخرون جاحدة وغير وفية لذكرى زوجها أو غير حريصة على أبنائها.. 


سؤال قد يتبادر إلى الذهن: لماذا يرفض المجتمع زواج المرأة بأكثر من زوج ولأكثر من مرة، وبخاصة في حالة وجود أولاد ، هل يعد هذا الرفض تبريراً رادعاً لعدم وفاء الزوجة لزوجها المتوفي في حالة كونها " أرملة "، ثم ماذا عن المطلقة لما تحوم نظرات الاتهام حولها إذا ما حاولت الاقتران بزوج آخر، لتصل إلى حد ما إلى سمعتها ( أخلاقها ) وكأن المجتمع يصور الزواج الثاني أو الثالث للمرأة على أنه وصمة عار.  

مصادر وإحصائيات 

وقبل الوقوف على أي أسباب علينا الرجوع إلى تلك الإحصائيات والمصادر التي قد تشي بالكثير من الأمور قبل الولوج فيها، إذ أكدت الإحصائيات أن الأرامل يشكلن نحو 10 في المائة من نساء العراق اللواتي يقدر عددهن بخمسة عشر مليون امرأة، لكن وزارتا التخطيط وشؤون المرأة تؤكد أن عدد الأرامل لا يتجاوز المليون أرملة بينما وصلت أعداد الأيتام إلى مليوني يتيم، في ظل غياب قوانين خاصة لحمايتهم وضمان حقوقهم.

الدراسة التي أجرتها منظمة الإغاثة الدولية ومقرها في مدينة لوس انجليس الأميركية أوضحت أن 59 في المائة من الأرامل العراقيات فقدن أزواجهن في أعمال عنف أعقبت غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة في عام 2003. 

أما الناطق باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي فقد أكد أن إحصائيات الوزارة تؤكد وجود 850 ألف أرملة وعدد الأيتام يقترب من المليوني يتيم.

في المقابل تذكر المصادر الإعلامية أن مجلس النواب العراقي وبهدف الإسهام في تحسين أوضاع الأرامل على الأصعدة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والقانونية ولغرض صياغة تشريعات للتخفيف من مشاكلهن عقد بالتعاون مع هيئة الإغاثة الدولية مؤتمر الدعم والمدافعة عن حقوق الأرامل في العراق، الذي خرج بتوصيات عديدة منها إنشاء إستراتيجية وطنية لبحث أوضاع الأرامل، واتخاذ إجراءات بشأن التسريع بإصدار القوانين ذات الصلة المباشرة بتمكين المرأة بلا معيل.

في حين أنجز المشرعون العراقيون خلال أحد جلساتهم مشروع قانون وزارة المرأة وشؤون الأسرة. وأكدت النائب منى العميري عن أملها في أن يسهم هذا القانون في ضمان حقوق الأرامل والمطلقات فاقدات المعيل، لافتة إلى أن العراق يشهد يوميا ترمل 90 إلى 100 امرأة بسبب أعمال العنف والقتل والإرهاب وأن عدد المطلقات وصل إلى أكثر من 112 ألف مطلقة. 

 

وتشير الإحصائيات أيضاً إلى أن ظاهرة الطلاق في العراق تزداد بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعتبر تهديدًا على بنيان هذا المجتمع، نتيجة جملة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية عرفها العراق في السنوات الأخيرة، تفاقمت ظاهرة الطلاق حيث تعرضت الكثير من الأسر للتفكك مما أدى إلى إلحاق العديد من الأضرار في المجتمع وبنيانه.ويعزو مختصون السبب في تفاقم ظاهرة الطلاق في العراق إلى الانفتاح الذي بدأ يشهده هذا البلد بعد العام 2003، والذي قاد بدور لتبدل الكثير المفاهيم المجتمعية، إذ بات المجتمع مثلاً لا يعتبر الطلاق عيبًا، إضافة إلى دخول الفضائيات والمسلسلات الأجنبية لبيوت العراقيين، وما تتضمنه من أفكار وأحداث تؤكد أن الطلاق ظاهرة عادية. وهو ما دفع العراقيات لتقبل أمر الطلاق كحادثة عابرة، وترى نفس التقارير أن الطلاق يقع بين الفئات العمرية التي تتراوح بين 28-38 سنة. وخلال السنوات الثلاثة الأخيرة ارتفعت حالات الطلاق بشكل هائل. وربما يمكن إيجاد حالة طلاق واحدة بين كل حالتي زواج أو ثلاثة. والأمر يشمل تقريبا كل محافظات العراق دون استثناء.

 

حكايات من الواقع ...

هذه الأرقام التي تناقلتها وسائل الإعلام، بالضرورة دفعت هذه الشريحة من النساء للبحث عن معيل من خلال الزواج، ولكن. يبقى التساؤل عن المجتمع ونظرته قائما، فهو لم يأخذ بنظر الاعتبار تلك المعاناة التي تحيط بتلك النساء، بل صورها وفق مفاهيم ضيقة، جعل من العار عنواناً رئيساً لها.  

وتسرد هناء حيدر حكايتها فتقول: تزوجت رجلاً متوسط الحال علماً أني من أسرة ميسورة، لكنني أحببته وفضلته على كثيرين نظراً لسمعته الطيبة، بعد الزواج اكتشفت أنه يشرب الخمر ويؤثر على أعصابه التي تصبح مشدودة ودائم الغضب، وما أن أتحدث أو يتحدث أحد أطفالي حتى يبدأ بالانزعاج ويضربهم بقسوة، فاض بي الصبر وفضلت الانفصال عنه، وحصل ما كنت أريده وانفصلنا، واحتضنت أطفالي ولكني بعد سنوات شعرت بحاجة إلى زوج يشاركني الحياة ، وبحكم مهنتي تعرفت على رجل في العقد الخامس من عمره، كنا متفقين على كل شيء حتى تقدم لخطبتي، في البداية رفض والدي مبرراً رفضه بمقولة ( ماذا سيقول عني الناس، طلق ابنته ليبحث لها عن زوج آخر ) وبرغم العديد من المحاولات في إقناعه، إلا أنه لم يغير قناعاته في هذه المسالة، وعندما هددته بالهرب أنا وأطفالي، راح يتفق مع زوجي السابق على رفع دعوة قضائية ضدي، يطالب فيها بحضانة أطفاله بحجة أني لست مؤهلة لأكون أم صالحة، وبهذا تخليت عن فكرة الزواج .  

 

وتبدو أن حكاية هناء حيدر لا تختلف في نهايتها عن حكاية نوال علي التي لم تحتمل المفاجآت التي صدمتها، فأسرعت وفتحت جهاز الكومبيوتر، وصندوق رسائل زوجها ( البريد الالكتروني) وراحت تقلب ما فيه، لتكتشف أن زوجها لديه علاقات عديدة ، فتقول " السر عرفته من صديقتي التي استطاعة أن تحصل على مفتاح الدخول إلى بريد زوجي، وبعد أن طلبت منها أن تؤدي لي هذه الخدمة حيث كنت غير مطمئنه لتصرفاته في المدة الأخيرة، وعندما حصلت على مفتاح الدخول تأكدت من خيانته لي، وانتظرته حتى يعود في المساء، ومن شدة غضبي صرخت بوجهه فرد لي الصرخة بأن ضربني ولم أشعر إلا وقد فقدت الوعي، بعد هذه الحادثة تأزمت الأمور بيننا ولم يعد احدنا يطيق الآخر واتفقنا على الانفصال، وبعد طلاقي منها تقدم لخطبتي أحد معارفنا، الذي أكد لي بعد زواجنا بأشهر بأن والدته وافقت مجبرة على زواجه مني، ولأنني كنت أسكن معهم، كنت أشعر برفضهم لوجودي بينهم، وكانوا دائما ما يسمعوني عبارات جارحة أثناء حديثهم عن المطلقات، لم أعد أطيق حياتي بينهم وطالبت زوجي بالخروج والسكن بمفردنا في بيت منعزل ولكنه رفض وبشدة، وتأزمت الأمور أكثر وأكثر حتى خرجت يوما من منزلهم غاضبة إلى دار أهلي، ولم يحاول الاتصال بي بعدها والسؤال عني بل على العكس أرسل لي من يطالبني من أقربائه بالرجوع والاعتذار من والدته وأما الطلاق، الصراحة أنا فضلت الطلاق لأني لا أقوى العيش بمثل أجوائهم المشحونة، وحصل الطلاق، بعدها عشت سنوات شديدة، تقدم لي خلالها العديد من الرجال ولكني كنت ارفض خوفاً من أن أعيش التجربة ذاتها، كنت أشعر بعدم الثقة وأني متهمة لأني انفصلت لمرتين. 

 

وأنوار امرأة هادئة وجميلة، مضى بها قطار العمر دون أن يتوقف في محطة السعادة يوماً ، إذ كانت تعيش مع زوجة أب قاسية وأب يعنفها تارة بالسب والشتيمة وأخرى بالضرب أن قصّرت في طاعة زوجته، فتقول " لم يكن أحد يهتم بي أو يعير لمشاعري أو كلامي أي اهتمام ، فقررت الزواج لأول طارق يدق بابي دون الالتفات لمواصفاته ، غاية مني في الخلاص من حياتي مع زوجة أبي ، وبلهجة باكية تشكو أنوار أحوالها مع زوجها فتقول " زوجي عاطل عن العمل ولا يفكر بأطفالنا ، ودائما أجده أما أمام التلفاز أو مع أصدقائه خارج المنزل ، مضيفة ، فإذا رغبت في مناقشته بموضوع العمل يتوتر ويصرخ في وجهي ويضربني، بذلت محاولات جبارة في محاولة تغييره إلا أنه لم يقدم لي سوى الضّرب والاعتداء عليّ ، حتى انفصلت عنه، وعدت لبيت زوجة أبي التي لم تجد طريقة واحدة لم تهيني بها بسبب انفصالي عن زوجي، بل وصل بها الحال إلى اتهامي بأخلاقي أن تقدم لخطبتي أي رجل، ودائما ما تشجع والدي على رفض أي فرصة لزواجي من جديد بحجة أنني أصبحت عار عليهم. 

 

" امرأة مزواجة "

 

وعلى ما يبدو فإن هناك لحظات تكون فاصلة في حياة المرأة قد تضطرها للزواج بأكثر من رجل، بغية الاستقرار، هذا النوع من النساء لا يسعين للزواج بغية البحث عن الجنس بحسب ما يصوره المجتمع لنا، بل للحصول على زوج وأسرة وحياة كريمة، إلا أن المجتمع دائما ينظر إليها بأنها تسعى للزواج في كل مرة لغرض جنسي، في حين نجد أن سبب تكرار انفصالها والزواج مرة أخرى هو أن الزوج يخضع دائما لنظرة هذا المجتمع، وبأنها " امرأة مزواجة " تسعى وراء الرجال، لذا دائما ما تشوب علاقتهم التوتر النابع من تلك النظرة الذكورية الأبوية، ما قد يجعلها تقع في دوامة البحث عن الأفضل، ولن يكون نجاتها من هذا الوضع المزري إلا بثمن. من جهته يرى الناشط في مجال حقوق الإنسان أحمد السيد كريم ضرورة البحث أولا في أسباب الطلاق الذي يعد المشكلة الأساس، ثم بعد ذلك نفكر في نظرة المجتمع ( للمرأة المزواج )، منها الزواج المبكر، حيث أن تبعات الزواج المبكر للفتاة والشاب يؤدي للانفصال، وبالتالي فهذه الفتاة ما زالت في مقتبل العمر ومن حقها الاقتران بزوج ، فضلا عن الحروب التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية، والاستنزاف الطائفي والاحتقان الأمني وغيرها من أسباب ضعف الموارد الاقتصادية وتفشي البطالة، وقلة فرص العمل، والغلاء المعيشي، كل هذه الأسباب تكالبت على مؤسسة الزواج وأصدرت حكماً بانفصال الزوجين وطلاق الزوجة أو فقدان الزوج وترمل الزوجة. 

ويؤكد كريم أن المجتمع ما زال متقوقع على مسألة الطلاق، ويراها وفق المنظور القديم، وبأنها عار يلحق بالمرأة، في حين نجد أن الطلاق بات اليوم من أسهل الأمور التي يمكن أن تحصل، ومن أفضل الحلول لكلا الطرفين. 

هذا المجتمع الذي قدس " مؤسسة الزواج " ونبذ الطلاق، كان الأجدر به أن يؤمن بما يحصل من تغيرات في الواقع، فهو يتمسك بمفاهيم لم تعد تؤمن بها الأجيال، وما كانت تخاف منه والدتي وتتحاشاه بات اليوم مسألة طبيعية جدا. 

 

أسباب أخرى

 

وعلى ما يبدو فإن أسباب نظرة المجتمع السلبية لم تقف على هذا الحد فقط، بل تعدته إلى أمور تكاد تكون طريفة أكثر من كونها مؤلمة، ألا وهي أن الزوجة التي يتزوج عليها زوجها من امرأة تكون قد مرت بتجربة زواج سابقة، سواء أكان بشكل علني أو بالخفاء، يجعلها تنظر إلى الثانية على أنها مذنبة قامت بخطف زوجها منها، وهنا ينعكس الأمر بالضرورة على سمعة الزوجة الثانية، وبالتأكيد فإن أغلب اللواتي تزوجن لمرات عديدة يفضلن الارتباط برجل متزوج أساساً، لأن الرجل المتزوج يكون مستقر مادياً، ويشعر بقيمة الزوجة الثانية وبخاصة بعدما يكتشف الفوارق بينها وبين زوجته الأولى. 

وقالت خديجة نوري أن زوجها تزوج عليها من امرأة مطلقة ولمرتين، وتعد زواجه طعنة كبيرة لها، كونه لم يهتم لنظرة المجتمع له ولأولاده الكبار.. نوري تعتقد أن المرأة الصالحة لا يمكن لها أن توافق على الارتباط برجل متزوج، وترى أنها لا تستطيع لومها، لأنها بحسب رأيها " امرأة مزواجة " كل يوم تبحث عن زوج يقع بمصيدتها. 

 

تشعر بأنوثتها

 

لكن هذا أيضا، لا يعني أن تتنازل المرأة عن حقها الإنساني وخصوصياتها، فهناك نساء يعترفن بأنهن لا يستطعن العيش دون وجود رجل بقربهن وبالشرع، إذ تؤكد ( ن. ك ) والتي رفضت البوح باسمها الصريح بأن من حقها ممارسة حياتها الخاصة وفق ما أباح لها الدين والقانون، وأنها لا تهتم بما يقال عنها سواء من أبناؤها الذين هجروها، أو أشقاؤها الذين لم يعد لهم أي صلة بها منذ فكرت بالاقتران بزوجها الثالث. 

وتقول أنها غلقت الأبواب والنوافذ بوجه أي نصيحة وجهت إليها، وبخاصة تلك التي شكلت بالنسبة إليها وبحسب قولها ضغط لتدمير حياتها، كونها كانت بحاجة إلى رجل، فهي تشعر بأنوثتها ومن حقها الدفاع عن نفسها لتعيش وفق ما تراه مناسب لها.  

 

العنف الموجه ضد المرأة

 

وبرغم اعتراف المجتمع على أن للمطلقة والأرملة حقوق كثيرة إلا أن كل واحدة منهن تواجه عدة مشكلات أولها" اعتقالها " – أن جاز التعبير – من قبل أسرتها وتضييق الخناق عليها خوفاً من القيل والقال، فضلا عن المواجهات التي تحصل بين أهل كل من المطلقة والأرملة مع أهل الزوج، واتهام الأرملة إذا ما فكرت في الاقتران بزوج بعد وفاة زوجها بعدم الوفاء لابنهم، وتهديدها بحرمانها من أولادها إذا كان لديها أولاد، أما المطلقة فستكون التهمة الأولى والأخيرة المعدة لها هي الخيانة، وربما لا بل تطعن بعفتها وبشرفها وأنها كانت على علاقة عاطفية مع الزوج الثاني قبل انفصالها من الأول، وهو ما يبرر مسالة الطلاق وفق تصوراتهم، وهو ما أشارت إليه الناشطة في مجال حقوق المرأة فوزية الخطاب التي أكدت على أن النظرة السلبية التي يحملها المجتمع للمرأة التي ترغب بالزواج بعد فقدان زوجها نظرة لا إنسانية ونوع من أنواع العنف الموجه ضد المرأة ..   

 

الازدواجية في التعامل معها من قبل المجتمع

 

أن الزوجة التي تنفصل عن زوجها أو تلك التي تفقد زوجها، تعامل في بادئ الأمر من منطلق العطف والشفقة، وبعد مضي فترة قصيرة جداً تتحول هذه المعاملة إلى شك وخوف ممن حولها في سلوكها. لتصل أخيراً إلى اتهامات قاسية إذا ما أقدمت على الزواج. هذه الازدواجية في التعامل من قبل المجتمع تزداد يوما بعد يوم، حيث جعلت من المرأة التي تمر بهكذا حال تعيش معاناة اجتماعية حقيقية، لابد أن يعمل الجميع على تغيير هذه النظرة السلبية تجاهها حتى تستطيع هذه الشريحة من النساء العيش بطريقة طبيعية وممارسة حياتهن بشكل يضمن لهن الاستقرار النفسي والجسدي، كما يجب أن يهيأ من حولها لقبول فكرة زواجهن مرة ثانية على أن تحسن الاختيار بمساعدة من حولها.. 

 

ولكي نضمن لهذه الشريحة من النساء حياة نفسية كريمة، كان لابد من أن نتعرف على رأي علم النفس الاجتماعي وكيفية مساعدتهن في أن يعشن حياة طبيعية دون التعرض لأي هزات نفسية .. وتقول الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة نوال حسين الياسري عندما تتعرض المرأة لفقدان زوجها يحدث لها عدم اتزان لفترة من الوقت، وبعد مرور الفترة يحدث أمرين، أما أن تتماسك وتواصل مشوار حياتها، وأما أن تنهار ولا تقوى على مواجهة الحياة بمفردها. 

وعن المعاناة النفسية أشارت الياسري إلى إنهن يتعرضن لفراغ عاطفي نتيجة لغياب الزوج، وهناك تكون حاجة المرأة كبيرة إلى الزواج مرة أخرى لسد هذا الفراغ، ولكن في كثير من الأحيان تتعرض لمشكلات كبيرة نتيجة ضغط المجتمع عليها ورفضه لهذا الزواج، وربما بحجة الخوف على الأبناء، أو خوفاً من تلك النظرة السلبية ( العيب )، وهنا تعيش في صراع بين حاجتها للزواج وخوفها على الأبناء وعلى سمعة أهلها وعشيرتها، وقد تتغلب هذه المخاوف ويتطور الصراع بداخلها إلى إحباط واكتئاب، وينعكس ذلك كله على تصرفاتها وعلى المحيطين بها باعتبارهم السبب الذي يحول دون سعادتها.. 

 

الحروب والحصار والنزاعات 

من جهتها أكدت الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة فوزية العطية في تصريح لها أن علم الاجتماع الحديث يؤكد على النظرية السلوكية من خلال التعلم منذ الطفولة، وبعد ذلك يبدأ التقليد، وهذه الممارسات لم تكن معروفة في العراق، فقد كانت هناك منظومة قيمية وهناك سلوكيات نفسية وعقل وثقافة اجتماعية ودينية وسياسية، ولكن بسبب الحروب المستمرة التي مر بها العراق والضغوطات والحصار أدت إلى انعكاس ذلك كله على المنظومة القيمية للفرد العراقي، نحن نمتلك جذور ثقافية رصينة جدا، ولكن الحروب والحصار والنزاعات الإقليمية والظروف الدولية، كل هذه أدت إلى خلل في المنظومة القيمية وتراجع الفكر والثقافة الدينية والاجتماعية، وأشارت العطية إلى ضرورة  إحداث تغيير ووقفة لدراسة ومناقشة هذه النظرة السلبية ، لافتة إلى ضرورة أن تكون هناك عملية إقناع وتنظيم المنظومة القيمية وبناء اتجاهات اجتماعية سليمة تمتد إلى شكل رأي وسلوك نحو المرأة، يجب تعليم الإنسان وان يبدأ ذلك من رياض الأطفال والابتدائية و كيف ينظر إلى الآخر والى المرأة، فلو كانت هناك حلول ومعالجات لم تكن هناك منتديات ومجالس لهذا الغرض، والتي تفيد المجتمع وتخدمه، وأنا أؤكد على توظيف المناسبات الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية لاسترجاع الصورة المشرقة للعراق وللمجتمع الإسلامي، فعندما يتم حل المشكلة بشكل موضوعي وعلمي فإنها تنتهي.

 

ويعتقد إن أحداث ما بعد عام 2003 تقف وراء تأزم هذه النظرة السلبية بالنسبة للمجتمع العراقي، وتوجيهها بخاصة إلى شريحة الأرامل اللواتي انصرفن إلى البحث عن لقمة العيش لضيق الحال بعد فقدان المعيل، ووفقا لتقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن النساء في العراق يعشن في أوضاع غير مستقرة ويعانين  ظروفاً معيشية صعبة بما في ذلك النظام الغذائي السيئ. هذا الأمر دفع الجهات الحكومية إلي تشجيع الزواج من الأرامل بمقابل ثمن محدد، في محاولة لخلق فرصة لهذه الأرملة أو تلك في العيش الكريم. لكن منظمات المجتمع المدني التي تعنى بحقوق المرأة وجدن هذا النوع من القرارات لا يحقق الغاية المرجوة في الاستمرار، وإنما يفتح أبواب أخرى لمشكلات جديدة. 

وهنا تجد الباحثة الاجتماعية سهيلة عبد الجبار، في رفض هذه المنظمات ترسيخاً لنظرة المجتمع السلبية وأن كانت غير واضحة للعيان، فهم يؤمنون أن الزوجة الثانية كانت وما زالت منبع للمشكلات، وبالتالي لا يمكن إنصافها، حتى لو أنصفها الشرع والقانون، ومن منطلق أنها كانت مرتبطة برجل قبل ارتباطها بالآخر، وفي العموم فإن أغلب الأرامل يرحبن بفكرة الزواج حتى لو كان من رجل متزوج على أن يلتزم بكافة احتياجاتها واحتياجات أبنائها، بعيداً عن نظرة المجتمع السلبية.  

 

وللقانون العراقي رأي أيضا

 

حكايات تعدد زيجات المرأة في المحاكم المدنية كثيرة ولا تحصى، والقانون العراقي لا يحد من تكرار زواج المرأة بعد انفصالها من الزوج لأكثر من مرة ولكن. إذا تؤكد المستشارة القانونية ثورة كاظم أن القانون العراقي لا يتدخل في عدد الأزواج الذين تزوجهم المرأة خلال حياتها، بل وتشجع المرأة المطلقة والأرملة من الزواج، وهناك تسهيلات بهذا الشأن من قبل الجهات المعنية. 

وترى أن العائق الوحيد في هذه القضية هو المجتمع ونظرته لسلبية عن زواج المرأة لعدة مرات، لافتة إلى أن كثير من النساء تلجأ إلينا في محاولة لإيجاد ثغرة في القانون تمنع أزواجهن من الزواج من امرأة ثانية، بحجة أنها مطلقة على سبيل المثال. وتؤكد كاظم بأن المرأة التي تنفصل عن زوجها الثاني أو الثالث اخذ حقوقها القانونية كما تأخذنها تلك التي تنفصل عن زوجها لأول مرة في القانون العراقي.   

 

احترام خصوصيات المرأة

 

وإذا كان المجتمع لا يقبل فكرة الزواج الثاني، ويعتبره ربما عاراً أو خطيئة تلحق بالعشيرة فإن الباحث الديني عادل الإبراهيمي يرى أن الإسلام مجد دور المرأة  وبخاصة التي فقدت شريك الحياة والعون لها وخاصة من لها أولاد، بمعنى أن المرأة التي تستطيع تربية هؤلاء الأيتام أو الذين حرموا من الأب فلها الجنة، وتعد من أهل الجهاد، وبالنسبة إلى نظرة المجتمع يقول الإبراهيمي لقد حث الإسلام على معاونة الأرامل والمطلقات سواء في الأمور المادية أو العون على الزواج بها ورعايتها ورعاية أولادها أن وجدوا.. وهو أمر جميل وراق ألا وهو إحصان الأرملة والمطلقة ورعاية أمر كل منهما، فلا يجوز أن ننسى الإنسان فيها، ولا نقهر المرأة بداخلها بكل احتياجاتها النفسية والجنسية أيضا، لابد أن نحترم هذه الخصوصيات لديها، وهذه النظرة أحسبها قمة في الإنسانية، كما أن هناك أمراً يجب أن لا يغفل، وهو أجبار المرأة على عدم الزواج، وبهذا نتركها هي والأيتام للضياع، فالإسلام لم يحثنا على هذا، وليكن فيها رسول الله أسوة حسنة.   



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2