تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الفارسة زها حديد: استوحي اعمالي من الأهوار وتمازجها مع العالم الحضري


غسان حسن محمد

بين اونة واخرى يطالعنا الاعلام العالمي بقيمة ابداعية تنتمي الى نصف الحياة المستلب والمقهور والمحاط بقيود اجتماعية وبيئية وسياسية متوارثة او مكتسبة امتدت تلك المعرقلات والمحددات على كامل الطاقات الابداعية النسوية مادياً ومعنوياً، 


الا ان لنضالات المرأة العراقية وهي تكدح في حياة القت بقسوتها واثرها الثقيل على عاتقها اماً واختاً وزوجةً ومكوّناً وجودياً له الدور الكبير في بناء الامم والشعوب وهي المدرسة التي انبتت الطبيب والمهندس والسياسي والاقتصادي والعالم والتربوي، وهي تواصل عملها الدؤوب اثراء واغناء للمشهد الحياتي، وبما يوصل الى التحضر والرقي والبناء والتقدم في المجالات كافة.

هذه المقدمة ليست للاستهلاك الكلامي انما تعضدها العديد من الشواهد التاريخية التي تشير على سبيل المثال لا الحصر الى نساء عظيمات بصمن الحياة بابداعات خالدات لا سبيل لاغفالهن وانكارهن، المناضلة نزيهة الدليمي واحدة من صانعات الحياة حيث حفرت اسمها بارزاً على خارطة العمل السياسي وتاريخ الحركة الوطنية مقتحمة المعترك السياسي في العراق، وما ينماز به العمل السياسي بأنه صعب المراس، شديد الازمات، لايرتكن الى السكون بل هو متلاطم الامواج،عظيم الدوامات، خطر في النتائج والمصائر. يحتاج الى حنكة ودربة وشخصية متقدة الذهن، قوية الشكيمة، لا تتوافر الا برجل تأريخي..، غير ان المرأة نزيهة الدليمي قادت الحركة النسوية ابان مرحلة الاربعينيات والخمسينيات وقد نذرت نفسها للوطن والشعب، وتحرير العراق من ربقة الاستعمار واعلاء شأن الحرية والديمقراطية وبناء دولة المؤسسات المدنية ليتوج هذا النضال بقيام ثورة 14 تموز1958 الخالدة، ولتشغل نزيهة الدليمي منصب اول وزيرة في العراق والوطن العربي.

(مديحة عمر، صبيحة جواد، نازك الملائكة، عاتكة الخزرجي..الخ، نساء خالدات في ذاكرة العراق).

نخلة عراقية باسقة اخرى كان لها حضورها الابداعي العالمي وهي تحمل روح و نسغ الهوية العراقية بارثها الحضاري العريق هي المهندسة المعمارية زها حديد المولودة في بغداد العام 1950م ابنة السياسي  محمد حديد الذي شغل منصب وزير الاقتصاد العراقي (1958-1963). انهت دراستها الثانوية في بغداد لتلتحق من ثم بالجامعة الاميريكية في بيروت وتحصل على شهادة الليسانس عام 1971 ، بعدها اكملت دراساتها العليا في لندن لتصبح استاذة زائرة في العديد من الجامعات العالمية.

حصلت على جائزة بريتزكر المشهورة في مجال التصميم المعماري، حيث تعادل في قيمتها جائزة نوبل، وبذلك تصبح زها أول امرأة تفوز بها منذ بدايتها التي يرجع تاريخها لنحو 25 عاماً، كما أنها أصغر من فاز بها سناً وكان ذلك عام 2004.

كما فازت المهندسة العراقية بأرفع جائزة نمساوية عام 2002، حيث حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة. من أكثر مشاريعها غرابةً وإثارة للجدل هو مرسى السفن في “باليرمو” في صقلية 1999، والمركز العلمي لمدينة “وولفسبورج الألمانية” 1999، وكذلك المسجد الكبير في عاصمة أوروبا “ستراسبورج” (2000) ، ومنصة التزحلق الثلجي في “أنزبروك” (2001).

وفي المنطقة العربية تصميم متحف الفنون الإسلامية في الدوحة ، وجسر أبو ظبي الذي يقام على ساحل الخليج ما بين ارض دولة الإمارات العربية المتحدة وجزيرة عاصمتها أبو ظبي.

من رائدات المدرسة اللاانتظامية القائمة على (التفكيك) تأثراً بتفكيكية الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا) الادبية، حيث اعتنق هذه المدرسة المعمارية الكثير من معماريي العالم. تقوم هذه المدرسة على عدم التقابل والتوازي في الخطوط والاشكال من اجل تحقيق اشكال درامية بل فنية وعندما سئلت عن تصاميمها المعمارية التي تتجاهل قوانين الجاذبية اجابت «الناس يقولون لي دائما ما الخطأ في الزاوية القائمة 90 درجة؟ وأنا أقول: هناك 360 درجة للزوايا، والزاوية 90 درجة ليست سوى واحدة منها، ويبقى لدينا 359 خيارا». وهن تتأتى انطلاقة زها حديد في مساحات من الحرية الذهنية والفكرية والحلمية في الابتعاد عن التقليدية والبحث في عمق التجربة الانسانية وتفكيكها الى عناصرها الاساسية وتخليقها وتكوينها من جديد بلغة تعبيرية جمالية تجريدية اقرب ما تكون الى العبث والغرائبية ومما يصيب الناظر اليها بالدهشة وكأنها احلام المستحيل وهي تتموضع على ارض الواقع.

تستثمر مساحات الفضاء دون اعتماد الخطوط الافقية والعمودية في المعمار الكلاسي..خطوطها منسابة متسرسلة وفي ذلك تأثر واضح بتشكلات الخط العربي والزخرفة، معظم اعمالها تستند على دعامات عجيبة اذ انها مائلة تشعرك بالقلق واللا استقرار وهذا مما يماثل عصر التكنولوجيا السريعة والمتجددة..تتصف اعمال حديد كذلك بأنها منحوتة واحدة اذا لاتعتمد على تركيب التكوينات بل تعمل على جعل العمل كتلة واحدة تؤدي وظائفها بانسجام متكامل مع الارض والفضاء مما يجعل اعمالها منفتحة على اكثر من تأويل. فترى من خلال منجزاتها انها معمارية بارعة في ( النحت والرسم والتصوير) من خلال اختيارها لزوايا العمل وتحديد المنظورات ومجالات الرؤية فترى لكل جانب من العمل اداءً خاصاً ولغة جمالية تختلف عن ما يجاورها وتؤدي الى كلٍ قيمي يسحر الاذهان وينعش الرؤيا بالجديد المائز.

تسترجع شريط ذكرياتها في بغداد فتقول لاازال اتذكر وانا طفلة لا يتعدى عمري السادسة ان والدي اصطحباني الى معرض خاص بفرانك لويد رايت في دار الاوبرا في بغداد واذكر انني انبهرت حينها بالاشكال والاشياء التي شاهدتها، فقد كان والداي شغوفين بالمعمار، لكن من بعده كما اذكر قضينا اجازتنا في منطقة الاهوار، جنوب العراق، التي كنا نسافر إليها عبر مركب صغير، كنت انبهر بطبيعتها، وخصوصا بانسياب الرمل والماء والحياة البرية التي تمتد على مرمى العين، فتضم كل شيء حتى البنايات والناس، اعتقد ان هذا العنصر المستوحى من الطبيعة وتمازجها مع العالم الحضري، ينسحب على اعمالي، فأنا احاول دائما التقاط الانسيابية في سياق حضري عصري، وحين درست الرياضيات في بيروت، ادركت ان ثمة علاقة تربط بين المنطق الرياضي والمعمار والفكر التجريدي.

اخيراً حصلت المعمارية العراقية على لقب (فارسة) من قبل الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا تقديراً لابداعاتها التي لن تتوقف حيث ان شعار زها حديد دائماً هو (الأفكار العظيمة لا تسقط ابدا).



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2