تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المحمودية قرى عباسية لغلمان الكهية وأغوات بغداد


إذا تركت بغداد في الفجر وتسللت عبر منعطف أرضي يفصل بين مقاطعة (الحليجية) و(أبو دشير) كنتُ أرى الأرض في قسماتها الطبيعية، وبإمكاني الآن أن أطبق معلوماتي على الطريق الذي يوصلني إلى مدينة المحمودية، إذ انك في الفجر تستطيع أن تمسك بالأرض كما تمسك بخارطة، فصفاء السماء وهدوء الحركة وغياب الشمس وندرة الأصوات،كل ذلك يجعلني متعاطفا ً مع حركة الأرض و اتجاهاتها والتغيرات التي طرأت عليها.


حميد المطبعي قوافل قرّاء القرآن والطهاة والجمّالة وأدلاّء الطرق منذ القديم كانت التجمعات السكانية بين بغداد وبابل تتجه اتجاها ً خطيا ً في النمو والتكاثر وعلى امتداد مجاري الفرات ودجلة، ولم يكن الطريق الحالي إلا وليد التطور الصناعي في القطر منذ بداية الخمسينيات، ففي العصر العثماني يخرج الزائر من بغداد ويسلك الطريق الريفي الذي يشكل قوسا ً قرويا ً يبدأ من مقاطعة أبي دشير الغربية ويمر بمقاطعة الجيبجي الصخرجية الشرقية بين تل الذهب و(أبو شمع) حتى يستقر في خان المحمودية، ويكون الزائر قد أمضى يومين في رحلته ِ من بغداد إلى المحمودية، وكان السفر بواسطة الحمير والبغال إذا كان الزوار من الطبقات الفقيرة، وبواسطة الخيل والعربات التي تجرها الخيول إذا كان الزوار من القناصل الأجنبية والولاة العثمانيين وأصحاب بريد الدولة العثمانية.. ورحلة الناس كانت على طريقة القوافل، لتعدد المخاطر في هذه الطرق، وتتجاوز الرحلة الواحدة أكثر من مئة شخص وقد تصل القافلة إلى خمسمائة فرد، بينهم قراء القرآن والطهاة والجمالة ومنظمو الرحلة من أدلاّء الطرق. مئة بيرق وألف خيّال وتذكر بعض الوثائق التي كتبها بعض الرحالة الأجانب في سنة 1815 أنه بين بغداد و هذه المقاطعات التي ذكرناها كانت تسكن قبائل وأسر معروفة، فقد كان يبلغ غلمان الوالي (وهو وزير بغداد) مع الخيالة من أرباب المناصب والمصاحبين له ألفي فارس. وغلمان الكهية (وهو معاون الوزير) خمسمائة خيال، وأغوات بغداد (والأغا هو مدير الشرطة) مئتي فارس، وبيارق الخيالة من اللاوند مئة بيرق وألف خيال، وعشائر العبيد (والعبيد قبيلة عربية من الزبيد تتركز في أنحاء كثيرة من القطر ولاسيما كثرتها في محافظة التأميم) ألف خيال وباشاوات الكرد (من أمراء بابان) يبلغ ما عندهم ألف فارس والعشائر الملية (وهم من الكرد وأصلهم من سوريا) وطي والبيات ألف خيال، وهناك عشائر الجبور (وهن من القبائل الزبيدية ولها أيضا ً فروع في الموصل والحلة والقادسية) والبو مفرج (وهم من قبائل طي) والقراغول (وهم من قبائل عربية مختلفة لم يجمعهم أصل واحد) والدليم (وهم من القبائل العربية المشهورة ويرجعون إلى قبيلة زبيد) والعنبكية (وأصلهم من عانة وسكن قسم منهم محافظة ديالى) وشمر طوقة والدفافعة والسواكن والأسلم (وهم من شمر) والبو هيازع والبو علكة (وهما من العبيد) والرواشد والعزة (وهم من زبيد) وبني سعد وبني صبير والمجمع والجشعم والبطة والشبل وخفاجة والجنابيين. الرحالة جمس بكنغهام وعبور نهر دجلة وفي كتاب (عشائر العراق) لعباس العزاوي تفصيل آخر لأفخاذ هذه القبائل التي ضربت خيامها في الريف الممتد بين بغداد والمحمودية..! وفي نفس تاريخ وثيقة العشائر المذكورة أي في العقدين الأولين من عام 1800 يذكر رحالة عديدون (منهم على سبيل المثال كل من راوولف وجمس بكنغهام) أن الطريق الحالي بين بغداد والمحمودية كان عبارة عن صحراء تنتشر فيها أطلال وتلال، لكن الرحالة لم يذكروا أية حضارة تعود لهذه الأطلال، فبعد أن عبر جمس بكنغهام جسر الزوارق فوق نهر دجلة ويجتاز شوارع مزدحمة في القسم الغربي من مدينة بغداد، وبعد أن يغادر السور الغربي لبغداد: (شاهدنا منظر الصحراء القاحلة، كان قبر زبيدة يقع على يميننا وهو الأثر الوحيد الذي تراه العين، وقد اتجه سيرنا خلال نصف الساعة الأولى من (بوابة) بغداد نحو الجنوب الغربي تقريبا ً حيث بلغنا عند المغيب منحنى نهر دجلة وهو يتدفق سريعا ً عبر الضفاف الجرداء وقد بانت في وسطه عدة بقع من الرمال الجافة..) ثم يذكر بكنغهام عدة خانات استراح فيها في هذا الطريق هو وزميله في الرحلة (نللينو) أحد الرحالة الأوربيين والذي كان يوجهه المعتمد البريطاني (ريج) في رحلاته ِ إلى بابل، ومن هذه الخانات خان (الكهية) وخان (أسد) وعبر رحلتي لم أجد أي أثر لهذين الخانين، لا في الخرائط الانكليزية ولا في أطلال ولا تحفظ العامة شيئا ً من هذه الأسماء، مع أن العامة حفظت أسماء كثيرة لخانات الطريق هي أقدم ما ذكره الرحالة بكنغهام..! قرى عباسية وقصور استخدمت متنزهات لخاصتهم وأبعد من العهد العثماني كان العباسيون يسيرون قوافلهم في هذا الطريق ذاته، بدليل أن آثارا ً من خرائب وأطلال ركامات طين هي قرى عباسية و قصور استخدمها العباسيون متنزهات لخاصتهم، تبدأ من كويرش وهي المقاطعة (9) في حيال (الجاون الغربي) من ناحية الرشيد التابعة لقضاء المحمودية ومرورا ً بتل عمر من مقاطعة (30) في حيال الهتمية، وحتى الجنباصيات في حيال المحمودية (القديمة)، وينقطع طريق العباسيين في عركوب النبي شيت كلما اتجهنا إلى غرب دجلة لأن الطريق موات غير صالحة للزراعة ويكثر فيها الحصى والأملاح والمواد الجصية الأخرى، فيأخذ طريقهم رجوعا ً إلى طريق (تقاطع بغداد-بابل) ماراً بمقاطعة الحركاوي الشمالي وعلى الشريط الذي يمر في حدود مدينة اليوسفية بين مقاطعة إمام حمزة ومقاطعة الدحيلة، حتى يذهب إلى غرب ناحية اللطيفية.. وأرى أنه نظرا ً للتغيرات التي حصلت في مجرى الفرات بين حقبة وحقبة تاريخية تقدر بمئتي سنة أو أكثر، فإن الأطلال التي تتموج خلال التغيرات هذه، تكشف لي أن العراقيين القدامى ابتداء من دولة سركون الأكدي وإلى آخر عهد عاشتهُ بابل نبوخذنصر، اتخذوا طريقهم من بابل إلى آشور عبر مدينة اليوسفية القائمة الآن، لكن بتعديل طفيف في الأرض التي تحادد الرضوانية وتعبرها إلى مقاطعة وقرى (الكيطمية) و(أبو المعالف) حتى حدود (أبي دشير الغربية) إلى الكرخ.. وكان الآشوريون يجتازون بغداد عن طريق ناحية (ذات السلاسل) وينعطف نحو (الصابيات) ثم أراضي عقرقوف (أبي غريب) ثم قرية (ديرية وأم محار) التي هي بلا شك من طلائع المدينة التاريخية (أكد) أو أكادة، وهي المدينة التي وحد فيها سركون الأكدي (2752 ق.م) مدن العراق في علم واحد. المحمودية طائر يخفق بتؤدة من الطائرة تشاهد أراضي المحمودية تتجمع شيئا ً فشيئا ً في مخيلتك، كأنها طائر يخفق محلقا بتؤدة وسلام، وترسم خارطتها على شكل طير ملون، رأسه في نهر دجلة وقدماه تحطان في نهر الفرات، وجناحاه أبيضان، الأول يحلق في قرية (المزريجية) والثاني يحلق في قرية (الجمبلاطية) الجنوبية، وكنت بين آونة وأخرى أتسلق بناءً شاهقا ً في هذا الطريق، فأدير رأسي إلى الخلف، فأشاهد مقاطعة (السيدية) تبدو مدينة حديثة، بينما كان يراها الرحالة الأجانب في ما مضى صحراء قاحلة بينما كان زميلي المصور قد رسمها في عدسته جامعا ً لأحد الخلفاء بنيت ركيزته على شكل مربع، وتهبط أعاليه بمدرجات أشبه بمدرجات الزقورة البابلية، وعلى كل حال فإن الأراضي التي منحتنا في العهود القديمة في هذه المنطقة عطاء البذور الأولى ما زالت تحمل رائحة البذور الأولى وما زال العراقيون وان اختلفت أسماؤهم و بصماتهم ومنازلهم وأسماء أديرتهم وجوامعهم وأسماء أنهارهم و أسماء زعمائهم، ما زالوا يرسمون على هذه الأراضي إصرارهم في العطاء، في كل شيء يحمل البذور الأولى. قلاع وتلال في العصر الرابع من العصور الجيولوجية ما قبل التاريخ كان قد حدث انخفاض شديد في أرض المحمودية، وتقارب هنا مجرى الفرات ومجرى دجلة في أقصر نقطة يمر بها الرافدان، إذ لا تتجاوز المسافة بينهما سوى 40 كيلومترا ً، وهذه هي الميزة الأولى التي جعلت هذه الأرض سهلا ً رسوبيا ً يجذب إليه الأدوار الحضارية المتنوعة، وبمغادرتك بغداد تشعر في أنك بإزاء انحدارين لهذه المنطقة، يبدأ الأول من الشمال إلى الجنوب، بحيث تصبح المحمودية على ارتفاع 30 مترا ً فوق مستوى سطح البحر، ضمن دائرة عرض (33،12 ْ) إلى الشمال، وخط طول (30-44ْ) إلى الغرب، والانحدار الثاني يبدأ من الغرب إلى الشرق أي من الفرات إلى مصرف نهر دجلة، وهذه هي الميزة الثانية لأراضي وسط العراق، وإضافة إلى عوامل أخرى في طبيعة التشكيل الإنساني في هذه المنطقة، كان قد استقرّ نظام متكامل للري، وكان أن جهد العراقي في إخضاع هذا النظام إلى زراعته ِ،فمد شبكة عريضة من قنوات الري و شبكة طولية من الجداول والممرات المائية، وبنى على هذه الشبكات المائية مدنه الأولى ومعارفه الأولى، وليس بمستغرب أن ترى تلول الآثار منبثة على خارطة أراضي المحمودية، وكل تل يشير إلى أن دورا ً حضاريا ً ما أدى دورا ً إنسانيا ً وذهب، وأن سلالة ما من سلالات العراق حفرت أنهرا ًوأقامت لها صرحا ً من نظام الري والزراعة ثم توقف فيها النفس وذهبت، وهكذا فإنّ كلا ً من تلك الحضارات كان يؤدي دورا ً بحسب إتقانه الحضارة ولظروف الحياة، لأن أدوارهم كانت حضارية فلابد من أن تبقى أسماؤهم وآثارهم شاخصة حتى هذه الساعة في تلول من التراب وفي مقابر وفي قصور أحالتها عوامل الطبيعة إلى خرائب، وبينما كنت أرحل مع انحدارات أراضي المحمودية مرة باتجاه الصحراء الغربية غربي نهر الفرات، وأخرى شمال مقاطعة (الحليجية) حتى بزايز (نهايات) اليوسفية. آثار الأسر الأولى للمحمودية وبينما كنت أتخطى حواجز البساتين و مزارع العشائر القديمة، شاهدت و سجلت أهم المواقع الآثارية التي حفظت لنا تاريخ الأسر الأولى في هذه المنطقة، ومن أهم هذه المواقع: 1- مدينة (ديرية وأم محار). 2- مدينة سبار وهما من العصر الأكدي. 3- موقع (صرير) ويقع في قرية (صرير) ويرجع تأريخهُ إلى عصر العبيد (من العصر المعدني 4500-3800) وتعاقب عليه العصر الكلداني (البابلي الحديث) والعصر الفرثي (148 ق.م). 4- موقع محسن وهو مجموعة تلول في أراضي اللطيفية، ترجع بتاريخها إلى العصر المعدني و تعاقب عليها عصر سومر وأكد 2400-2000 ق.م، والعصر البابلي القديم (أيسن، لارسا) 2000-1600 ق.م. 5- موقع (وطيوط) وهو مجموعة تلول قد مرت عليها عدة أعصر ابتداءً من عصر سومر وأكد وحتى العصر الاسلامي(636 ب.م). 6- موقع (أبو رميل) وهو (اشان) يرجع تاريخه إلى العصر الإسلامي الأول 7- موقع الشيشبار وهو تل يرجع تأريخه إلى العصر الفرثي. 8- موقع (الصيكل) يرجع تاريخه إلى العصر الإسلامي. 9- موقع الرجيمات (أبو رجيم) ويقع في أراضي الدرويشية وقد تعاقب عليه دور سلالة بابل الأولى. 10- موقع عويرج وهو مجموعة تلول تعاقب عليها العصر البابلي الحديث (625-539 ق.م) والعصر السلوقي وهو من العصور التاريخية القديمة ( 148 ق.م-126 ق.م). موقع أبو طنطير الشمالي وهناك مواقع آثارية كثيرة ترجع تواريخها إلى الفترات الإسلامية الأولى ومنها: تل أبو جرابيع و يقع في منطقة اللطيفية وموقع أبو طنطير الشمالي و الجنوبي و يقع في منطقة اللطيفية وتل الاسحاقي وتل أم الويلاد وتل (حطيحط) الشرقي وتل الحمزة وتلول عطوان و تلول القرغوليات وتل نامير وتل أبو غزف، ويقع في أراضي الدويلبية و تلول الحركاوي و تلول الحمر ( جرعة) التي تقع في أراضي الزنبرانية وتل عذاب ويقع في أراضي شكري المحمود القديمة وتل عكر سعدان ويقع في أراضي سعدان وموقع عمر (خيط) ويقع في أراضي طرفة بن حمد القديمة وتل عواشة ويقع في أراضي خضير وتلول الملك وتقع في أراضي زيدان الخلف وتل (ديسير)، ويقع في أراضي (أبو عوسج).. وكنت كلما أمر بقرية قديمة أجد جدولا ً مندرسا ً أو خربة تشير إلى مئذنة أو محراب انطمست ملامحه، بل شاهدت سطوحا ً من أرض هشة حمراء أو صفراء تذكرك أن في باطنها قرى قد يرقى تأريخها إلى زمن سركون الأكدي مؤسس الدولة السامية الأولى، ومع أن كثيرا ً من أسماء المقاطعات قد تبدل اسمها القديم، وان قرى اختلطت بقرى جديدة، وأن ممرات مائية جديدة التحمت بجداول قديمة، الامر الذي جعل الوصول إلى تلك الآثار صعبا ً، غير أني بدأت أبحث عن تلك الآثار عن طريق خرائط التسوية و خرائط الآشوريين والبابليين والعباسيين وبمساعدة بعض موظفي التسجيل العقاري ورؤساء العشائر، ومن الطريف أنه حينما كنت أسأل بعض مسؤولي الإدارة المحلية في تلك المناطق عن مواقع آثارية تقع ضمن مسؤولياتهم الإدارية، كانوا يهزون رؤوسهم بالنفي وكأن هذه المواقع تقع في بلد آخر.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2