تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


عبد الوهاب النائب.. وطنيُّ الروح والمعتقد


حميد المطبعي

عبد الوهاب النائب (1852 – 1927) عميد المدرسة الفقهية العلمية في بغداد على زمانه، وكان قد تخرج عليه كل من اضطلع بالتدريس الفقهي وجلس على كرسي علم الكلام، وكان مرجعية في العلوم العقلية والنقلية..وتأتيه الأقطار لتستشيره في رأي أو صحة حديث من مرويات تراثنا الفقهي، فهو شيخ علماء بغداد على رواية محدثي بلاد الشام، 


 وموسوعية متفردة على رواية ( الأستانة ) عندما كانت عاصمة القرار الرسمي.. وهو اديب منشئ بلاغي، مؤرخ، مستدل في المسألة، شاعر، تربوي، منبرية في الإفتاء.

الوثائق النسبية 

 

ولد في بغداد وهو في وثائقه النسبية : عبد الوهاب النائب بن الشيخ عبد القادر بن الشيخ عبد الغني بن جعيدان بن شبيب بن حمد بن علي العبيدي .. وكنيته ( ابو الحسين النائب ) من آل الجهيمي : فخذ من آل عبيد من قضاعة ، وفي رواية نسبية أن ( العبيد) نزحوا من الجزيرة العربية الى عدة مناطق في العراق في بداية الفتح الإسلامي ، وتحدر قسم منهم الى بغداد في عهد الوزير العثماني حسن باشا 1710 .. وتذكر الوثائق أن اول من وجد من أسرة النائب في بغداد هو جده ( عبد الغني  العبيدي ) المتوفى عام 1885 وكان خطيبا وإماما في جامع الامام محمد الفضل ، ومن ابرز اولاده : ( العلامة عبد الوهاب والعلامة محمد سعيد النقشبندي والشيخ محمد صالح العبيدي ) فهم اسرة دينية معرفية، تصوفية الامتداد .. ! 

في الخامسة عشرة من عمره لبس العمامة وتلمذ لوالده وتعلم على يديه (الخط وترتيل القرآن بطريقة التجويد) وفي شبابه ذكرته الوثائق بأنه من مشاهير الخطاطين ولاسيما في خط (الريحاني) وكانت موهبة (الخط) يومئذ من علائم الذكاء الفطري عند المتعلمين في المدارس الدينية .. وشب النائب ترافقه الفطرية النابغة.

 

تبحّره في تدريس الحلقات العلمية

 

وانتقل الى دراسة مبادئ العربية في حضرة الشيخ عبد الوهاب الحجازي في مدرسة (منورة خاتون) وفي عام 1872 أجيز النائب : اجازة بعلوم النحو والصرف والبلاغة وإجازة اخرى بعلم الشرائع والحديث ، وهو في بداية عشرينياته عين مدرساً في مدرسة ( منورة خاتون ) وشاع اسمه في مدارس العلم وشبه بأي يوسف لكثرة موارد علمه وتبحره في تدريس الحلقات العلمية .. 

 

وكان يدرس طلبة العلم على وفق طريقته الخاصة في الاجتهاد : يعطي المسألة ويطلب من التلميذ فحصها او تدقيقها ، وإذا نجح التلميذ في الفحص واستكشاف المسألة ، طلب منه مرة أخرى إبداء رأيه النهائي فيها .. ليعلمه على الرأي أو لا ، ويوصله الى الحقيقة ثانيا ، حتى يسلمه مفتاح الاجتهاد ثالثا، وكان يقول لهم : (اتركوا آلية النقل والحفظ فاجتهدوا) وإذا هو في ثلاثينياته قد تخرج به جيل من علماء بغداد وجيل من الأدباء وجيل من الناطقين بالفصحى على المنابر ، ويندر ان تجد عالماً كالنائب في بغداد له هذه الكثرة الكاثرة من تلاميذ صاروا علماء من الدرجة الاجتهادية  الأولى، ولو جمعنا الإجازات العلمية التي منحها لتلاميذه العلماء لكانت مجلداً عنوانه (تاريخ العلم في مدرسة بغداد الفقهية) ولا بد أننا سنقرأ في هذا المجلد: كم هو دماغ النائب يفكر ويستدل وكم هو يزخر بالتحليل والعلم الدلالي، وكم فيه اشتقاق وتبحر وغنى العقل ودفق الضمير. أما السبب الذي جعل دماغه يعمل بعبقرية الدفق، فهو:

سريع الاستجابة لسماع أي لحن يصدر عن الطبيعة والناس. 

انه رزق بصفاء ذهني، مهد لحضوره الذهني ، حتى انه كان سريع الاستجابة لسماع أي لحن يصدر عن الطبيعة والناس ، ومن ذلك كان خبيراً في الإلحان والأنغام ، وبه تخرج شيخ المقام ( محمد القبانجي ) بل كان ذلك كله سبباً في خبرته بعروض الشعر والأوزان والبحور .. 

وانه كان مؤمنا حقيقيا في رسالته الدينية أو العلمية ، والمؤمن القوي الواثق، تنشأ فيه موهبة التلقي والاستجابة بشكل متوالية جدلية صاعدة ، ثم تحدث فيه الطفرة الذكائية . 

ولفطنته العالية الإيقاع اختار له أساتذة كباراً في مواهبهم الدينية ، ومن كل علم من أولئك اخذ شيئاً يلهم ذاكرته وعقله وقلبه .. فقد اخذ من أستاذه (محمد امين فيضي الزهاوي): كيفية استنتاج الفتوى والإلمام بها شرعياً، واخذ من العلامة داود النقشبندي طريقة فحص المسألة الفقهية، ومن العلامة إسماعيل الموصلي : العلم بالاجتهاد ومحاكماته ، ومن العلامة عبد السلام الشواف: اشتقاق علم الحديث ودراسته، ومن العلامة محمد المـاراني: علم الكلام وعلم المنطق ، وكان يقف بين يدي أساتذته مجتهداً وليس مستمعاً، فخلقوا فيه الإرادة ، ثم يجلس في حضرتهم مجادلاً لا منصتا بالية التلميذ ، حتى رفعوه الى مقاماتهم وأجازوه نبوغا وعلم كفاية .. ! 

 

وتولى مناصب مرموقة في العهد العثماني والملكي منها : عضوية مجلس ولاية بغداد 1913 وأمين الفتوى العام ورئيس مجلس التمييز الشرعي 1921-1922 ، وأنيطت به مهمة تدريس ( التفسير ) في جامعة ( أهل البيت ) .. فضلاً عن مهمته مدرساً في الجوامع الشهيرة ، وكان في كل وظائفه : القاضي العادل ، ولم يصدر قرارا إلا حين ينضج فقها في ضميره العملي .. ! وكان تربويا غيريا فيه فيض وكرم التربويين الكبار .. فقد بذل مجهوده الإنساني في تأسيس عدة مدارس للرد على ظلامية العهد العثماني، ومن ماله الحلال أسس (مدرسة  الراشدية). 

 و( مدرسة الجديدة ) و( المدرسة الحميدية – الفضل الابتدائية ) .. منطلقا من أن نور العلم يزيح دياجير الأجنبي، وكان قد رسم المناهج لهذه المدارس واعد لها مدرسين من تلامذته .. ! 

وقامت بجهده واجتهاده مدرسة التفيض الأهلية، وأرغم الانكليز على فتحها مرة أخرى عام 1921 .. ومن صفته في تطوير المجتمع : إيمانه بان التلميذ المتخرج الذكي هو أفضل من تأليف كتاب باعتباره الذي سيحول المجتمع الى قراءة صحيحة للتاريخ .. ! 

وهو الى ذلك : وطني الروح والمعتقد ، فلما تطايرت شرارة الثورة العراقية 1915 – 1920 هب ينجد الوطن ، ورحل الى عشائره ( العبيد ) يوزع عليهم فتوى قتال المحتلين الانكليز ، وفتوى الجهاد حتى الخلاص .. واصدر فتاوى أخرى لتحشيد الجهد العلمي والوطني في جبهة صيانة الحدود والثغور . وجعل بيته ديوانا مفتوحا لشيوخ الثورة حتى يتفقوا على الخلاص، وتكرر دوره الوطني الجهادي في ثورة العشرين، وسافر الى النجف يحاور علماء الاجتهاد بشأن فتوى الجهاد على الغزاة ، وكانت تربطه بعلماء النجف علاقات وثيقة في العهد العثماني، لأنه عهدئذ رفع شعار ( الإصلاح الديني ) أو شعار ( التقريب بين المذاهب ) وأراد من النجف ان تؤيد دعوته الإصلاحية، فرجع ظافرا يحفر في التاريخ عميقا .. ! 

ورغم ازدحام العلم على أكتافه والتدريس وتخريج العلماء والائمة والخطباء، فانه اجتهد في تأليف الكتب ، وكانت مؤلفاته تمشي على خطين .. مؤلفات لتلاميذه ، وأخرى للقراء كافة ، ومنها : (المعارف في كشف ما غمض من المواقف) و (القول الأكمل في شرح المطول) ولم يكمله، و (الإلهام في تعارض علم الكبار) عدا العدد الكبير من الرسائل الدينية ورسائل المقررات في التدريس الديني.. فهو قلم ودور والهام ونبوغ واستقامة ومرجعية في الوطنية الدينية. .. ! 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2