تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


لِما البُكاء عند سماعِ أحاديثِهم الجميلة؟


ابتهال بليبل   

الهُروب صَفيحٌ سَاخن ينَفث عَلَى وَجه بعوضة خناجر عرجاء.. وأنتَ تَنجب لكتفي الريح أجنحة.. ذاكَ النبعُ شدََّّ وثاقَه ليغرق جسدها المبتل.. وتَلك تزرعُ تحت أقدامِها حبَّة فاصوليا .. الكل يرقب ارتفاع الساق ليتسلقوها صعوداً .. تأهبوا لوضع الأمْس في جيوبِهِم المثقوبة ولكنهم نسوا أنها ذات جرح ابتلعت أصابعها.. 


واليوم يعود شبحاً مثلما قالت العرافة.. العرافة لم تشم رائحة الحرائق التي عفرّت السماء.. إنها الأجنحةُ تلوح لخرابِ تعاويذها. وأنتَ الرياح.. فأعبر الغيوم .. أعبرها لا تقلْ إنَّ الغيوم بقت هناك وأنتَ هنا فقدت البداية التي لم تبدأ بعد.. أظنها في كومة الحرائق هذه.. 

وهذه الشوارع حَائِرة تتَأبَّط حاشية فستانكِ، فارحلي، أيتها الفانية.. لعودتكِ رائحة الخريف.. ينادوكِ وأسمكِ حافٍ. بأيّ جدران تصدين قهقهاتهم؟.. بأي أحجار تملئين بئر صبرك ليصلكِ زمزمُها وأصابعُك تحرر خطواتكِ من أسلاكهم؟.. ليكنْ. ارحلي، فالعتمة ناضجة، وأوشحة الريح تخفي برص رؤوسهم.. ارحلي .. الرحيل يجعلكِ نفسكِ.. ارحلي ويبقى أسمكِ حافياً.. سيافكِ فوق الرماد الآن ومدينة أعراسك التنكرية تركع مذبوحةَ الجبين.. يا راحلةٌ تضربكِ الأصوات.. وتكفيكِ أنشودة وطن فلماذا تبكين عند سماع أحاديثهم الجميلة؟

أيتها المآذنُ المحطّمة خلف مسامع الصَّباح المُتورِّم من سياط السَّواد.. أيها الصمتُ الموشى بإنصاته لثَغر ابنة السنين.. كنتِ وحيدة.. ترتمين بأَحضَان الاِحتياج كسقوط مَيِّتٍ خلف شَهقِة أخيرة.. تَقتحمين صندوقا صَلدا بجِذعِ يابِسِ .. سُعل ذات ربيع أمام راعي قَطيع نعاج موسى.. لا لأَزيز بُوق المَنَام مدى .. ولا لهروب الأحلام من سجن التأويل فَجْراً.. تبحثين عن ربِّ ونبي تحت وِسَادَتِكِ المُتَحَجِّرَة ورأسكِ يسقط في الفَرَاغ يلتهم حُمَّى عابر.. أنتِ مِرآة مَكسورَة .. وحصار الرَّحيل إلى مَحميَّة لَّيل الشَّتَات.. من يدلكِ على سُور لا ينهَار يخترقه ضَوء النَّهَار.. تسمعينه يَستَجير براحة الريح ويجفف دماء العابرين.. تسمعينه يدوي بحي على الأحلام المَغفورة. لقلب جريح فوقَ خشبة مسرح يلقن الملامح دَور الحُضُور.. الملامح تنتَهِكُك رداء حَارِس بلا أقدام. بلا عكاز ولا صرخة.. تقفين تحت أَضغاث شَهيق يزوركِ بِثَقل الدُّخَان وتقذفين جَمرات النسيان باتجاه فَوَّهَة النَّار تتحدثين عن كَانون والحَظ وصلاة وأجراسِ كَنيسَة وضَّواحِك راقص سَلَّط خصْر الخديعة ليراودكِ ووطن خلع حِذَاءَه ومضى تَحتَ خِمَار العَرَاء.. يا أنتِ .. سقيتِ العزاء من سواقي الخَطيئة.. يا أنتِ.. الظُّلم حقل أُشعِل فَتيلُ أشجاره .. قالوا إنكِ رحلتِ .. وبُطء المسير مِعوَل يمزق خَدّ أقدامكِ بين شَخير المحطات وضَجيج الأوبئة وتحت كَتِف تَجتَاحُهُ كَوابيسِ الطعنات.. كنتِ أنتِ في هذا الصمت تسرقين الوفاء وأصابعكِ المتكسرة منحتكِ روايات شتى وتصرخُ عزلتكِ من مِعصَم الضَّمير المُلتَوي وتقتَرَبين من سَقف تتشبث فوقَ صَدْره ذكريات مَخمورَة.. ما أنتِ بتَميمَة تستحضر رُّوح جََسَدٍ أصابته رصاصة الغربة .. هذه الغربة تثقب خبزكِ بِغرَزٍ عفنة ومن حولكِ يبحث عن مِسطبَة لبيعكِ لكؤوس الملح المنبوذة، تغلقين النوافذ وتفتحين المقامر يطلون من خلف سرداب عَاجِز وترسلين عيونكِ نحو جَارُور اللاهثين لقبضة أصابع أحرقتها أَلسِنَة القَلَم ينضَحُ عطش وحدتكِ من خيوط وشاحكِ وتضعين ركامَ أنثى فوق الرَمَادِ .. اضحكِ أيتها الميّتةُ فقد أوشكَ النعاسُ أنْ يبَدَّل وجه البومة .. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2