تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


حديقة الأمة.. أول متنزه عام عرفه البغداديون


عصام القدسي

تهتم الدول المتحضرة بالحدائق العامة كونها تضفي مظهراً جمالياً يدل على مدى الاهتمام بثقافة الجمال في تلك الدول . ولا شك أن تصميم الحدائق بات علماً من العلوم الجمالية التي استقطبت المعماريين والمهندسين والباحثين والفنانين بمختلف اتجاهاتهم. ولا شك أن الحديقة العراقية عانت من غياب تقاليد كثيرة على مر عصورها ؛ جمالياً وعلمياً .


حديقة الأمة والذاكرة الجمعية 

في القرن العشرين بنيت في بغداد حدائق عدة  لكنها لم تترك أثراً كبيراً في الذاكرة الجمعية سوى واحدة عرفها البغداديون وهي حديقة الأمة ولا أظن أن أحدا من البغداديين أو من يزور بغداد سواء من محافظات العراق أو خارجه إلا وحط رحاله عندها وجلس فيها ، لوحده أو برفقة صديق أو أسرته مستمتعا بخضرتها ونسيم أشجارها ، وسجلت ذاكرته عنها بعض الذكريات الجميلة .

 

حديقة الملك غازي

افتتح الملك غازي الحديقة عام 1937 وسميت باسمه في حينها. ولكن بعد ثورة تموز 1958 أجريت عليها العديد من التحسينات كالنافورات والبحيرات وزراعة بعض الأشجار، وزينت بنصب الحرية وتمثال الأم وجدارية حسن فائق وتغير اسمها منذ ذلك اليوم وأصبحت تسمى حديقة الأمة.

 

الحدائق العامة التي أنشئت ببغداد في العهد العثماني 

  لم تعرف المتنزهات العامة في مدينة بغداد إلا في وقت متأخر وحصراًَ في نهاية القرن التاسع عشر، ذلك لأن بغداد كانت محاطة بعدد كبير من البساتين والتي تعد متنفساَ لأهلها لقضاء الأوقات السعيدة خلال العطل والأعياد والمناسبات. 

وان أول متنزه أقيم فيها، أنشأه والي بغداد مدحت باشا في منطقة المجيدية عند مدينة الطب الحالية في باب المعظم، ثم أنشئ متنزه الميدان مقابل جامع الاحمدية في منطقة الميدان الحالية في زمن الوالي سري باشا ثم متنزه في ساحة خان لاوند قرب سوق الفضل الحالي، أنشأه الوالي نامق باشا سنة 1897م ثم حديقة المعرض في بابا المعظم. 

 

حدائق بغداد في القرن العشرين

وفي العشرينيات من القرن الماضي أنشئت حدائق بارك السعدون التي تميزت بوجود فعاليات كثيرة منها ركوب الخيل والأراجيح واحتوت على ساحات الألعاب المختلفة وفي أوائل الثلاثينيات قامت أمانة العاصمة  بإنشاء حديقة الأمير أو الملك غازي. 

وقد أقيم فيها أول معرض للزهور أقامته أمانة العاصمة عام 1946 وفي عام 1958 تمّ استبدال اسمها من حديقة غازي إلى حديقة الأمة حيث وضع في واجهتها الأمامية نصب الحرية للفنان الراحل جواد سليم الذي أصبح المثابة التي تدل عليها . ويبلغ طول النصب 50 مترا، أما ارتفاعه فهو نحو 15 مترا، بينما لا يتعدى طول الأعمال النحتية المجسدة عليه ثمانية أمتار وفي عام 1962 وهو العام الذي أكمل فيه انجاز النصب توفي الفنان جواد سليم ولم يكن قد تم رفعه في مكانه الحالي. ولم يأت اختيار ساحة التحرير موقعاً لتشييد نصب الحرية اعتباطا ، فهذا الموقع بالذات يربط أهم شارعين في تأريخ بغداد هما؛ شارع الجمهورية وشارع السعدون وهو أيضا مواجه لجسر التحرير، ذلك الجسر الذي ينقل البغداديين من الكرخ إلى الرصافة وبالعكس إن الشارعين والجسر ساهمت في تنويع زوايا رؤية النصب وأشكالها وصارت هذه الحديقة متنفساً جديداً لأهالي مدينة بغداد لكونها تقع في وسطها .

 

الإهمال يصيب الحديقة 

بسبب الحوادث التي مرت بالبلاد راحت تعاني الحديقة من الإهمال وهجرتها الأسر العراقية وأصبحت مرتعا للمشردين وحاضنة للنفايات والأوساخ وفي الآونة الأخيرة كانت لسنوات مسرحا لمساومات الخطف والقتل وأعمال التخريب. 

 

ذكريات عن الحديقة 

يروي صاحب مقهى شعبي في احد أزقة البتاوين ذكريات البغداديين عن ماضي هذه الحديقة، التي كانت تسمى بحديقة غازي، قائلاً: كانت الحديقة تشبه بساطا أخضر جميلا، وكانت العائلات العراقية لا تفارقها حتى ساعة متأخرة من الليل. وبعد قيام ثورة تموز عام 1958 تحولت إلى حديقة الأمة واستحدثت فيها النافورات وألعاب الأطفال إضافة إلى بحيرة اصطناعية سميت(بحيرة البط). لكن حالها قد تبدلت منذ ثمانينيات القرن الماضي، فقد تحولت هذه الحديقة إلى مأوى للمشردين ومتعاطي المخدرات  . 

 

إجراء الإصلاحات عليها عام 2008 وافتتاحها مجدداً

بعد افتتاحها للمرة الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي. أخذت أمانة بغداد على عاتقها مهمة إحياء المتنزه من جديد وفي منتصف العام 2008 شرعت بالعمل بها وفي يوم 25/12/2008 المصادف الخميس أُعيد افتتاح "حديقة الأمة" بعد اكتمال أعمال الصيانة والتأهيل فيها، وقد أُقيمت احتفالية بالمناسبة حضرها أمين بغداد وعدد من المسؤولين الحكوميين والقادة الأمنيين، إضافة إلى حشد من الحاضرين وشخصيات أكاديمية واجتماعية.

وشملت أعمال الصيانة، إحاطتها بسياج حديدي، وتأثيثها بالمصاطب وأجهزة الإنارة الحديثة، كما تم غرس الكثير من الأشجار والأزهار فيها لتعطيها رونقا جديدا، أما ابرز ما طرأ على الحديقة من تغيير فهو إضافة وإنشاء أبنية جديدة فيها خصّصت لتكون منتديات ثقافية وفنية، كما شملت أعمال التأهيل والصيانة نفق التحرير الذي ظلّ لسنوات عرضة للعبث والإهمال.

ويحتفظ الكثير من البغداديين بجانب من الحميمية لهذه الحديقة التي اكتسبت أهمية عندهم نظرا لارتباطها بذاكرتهم. فالكثير من الأجيال مرّت من هذا المكان الذي يحمل تاريخا يمتد إلى العهد العباسي، حيث كانت المنطقة المحيطة بالحديقة تعرف بـ (باب الأزج) وكانت الحديقة آنذاك جزءا من خندق طويل يحيط بعاصمة الخلافة العباسية . ووصف أمين العاصمة السابق صابر العيساوي إعادة تأهيل حديقة الأمة بأنه "إنجاز مهم"، وقال إن "أهمية هذا الانجاز تكمن في أن حديقة الأمة تعتبر مركز بغداد التراثي والثقافي وتحتوي على عدد من الرموز التذكارية كنصب الحرية للفنان جواد سليم ولوحة الفنان فائق حسن وتمثال الأم لخالد الرحال".

وأضاف أن "المشروع الذي وصلت كلفته إلى 800 مليون دينار وتم إنجازه خلال ستة أشهر سيضفي على بغداد هالة من البهجة والسرور"، مؤكدا أن "أمانة العاصمة تخطط لافتتاح أماكن أثرية وحدائق أخرى مشابهة لتتحول بغداد إلى منطقة خضراء". وفي السياق نفسه قال الناطق الرسمي باسم خطة فرض القانون اللواء قاسم عطا إن "حديقة الأمة في الباب الشرقي شهدت انفجار نحو ثلاثين عبوة وعدد من السيارات المفخخة وعادت الآن من جديد لتستعيد عافيتها بعد تأهيلها من قبل أمانة بغداد، وإعادة الجيش والشرطة العراقية الأمن لهذه المنطقة". وقال مدير إعلام أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة إن "الحديقة أصبحت جاهزة لاستقبال زوارها وروادها من جديد بعد أن أعادت ملاكات أمانة بغداد إعمارها وتطويرها بأسلوب عصري يتناسب ومكانة هذه الحديقة". وأوضح  أن "أمانة بغداد أنشأت عددا من المباني الحديثة داخل الحديقة"، مشيرا إلى تخصيص "أحدها لإقامة منتدى ثقافي، وآخر لعرض اللوحات الفنية، وقاعة للإنترنت".

 

أنشطة الثقافية لمنتدى بغداد الثقافي 

 وقد شهد منتدى بغداد الثقافي لحديقة الأمة والتابع لدائرة العلاقات والإعلام في أمانة بغداد، عدة أنشطة ثقافية وما زال. فقد أقامت مؤسسة المدى للثقافة والإعلام والفنون على أرضه، أكثر من معرض للكتاب، كما شملت أنشطة المنتدى على أقامت المعارض الفنية بمشاركة عدد من الفنانين. وبحضور عدد من الفنانين والمثقفين والأدباء ضمت عدداً من اللوحات والأعمال الفنية التي جسدت مواضيع عدة منها حب الوطن وعادات وتقاليد المجتمع العراقي وكيفية نشر ثقافة التعايش السلمي بين أبناء الشعب الواحد".

يذكر أن أمانة بغداد تولي اهتماماً خاصاً بالأدب والثقافة والفنون من خلال تأهيل عدد من المرافق الثقافية والتراثية منها إنشاء هذه القاعة وقاعة أخرى كمعرض (كلري) لعرض اللوحات الفنية.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2