تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


فهمي المدرس (( وطنيته وطنية أمة ، تحس فتدرك وتثور))


حميد المطبعي

فهمي المدرس ( 1873 – 1944 ) رائد المقالة السياسية في العراق ، وهو اول من وضع المنهج الوطني في هذه المقالة  ، وأسهم بتراثه ( الصحفي والادبي ) في زرع البذور الاولى لمدرسة فكرية ديمقراطية ، وفيها رسم ( الوطنية ) التي تعمل ولا تسرف في اللفظية ، وكان من رعيل ، نادى بالجمهورية وقبل أن تقوم دولة عراقية في بداية العشرينات ، واول من دعا الى تأسيس الجامعة العراقية ، ونقل العراق الى المتغير الحضاري ، وكانت وطنيته وطنية أمة بدأت على عهده ، تحس فتدرك وتثور.


الاستقامة منحة وهبة 

وحياته قامت على أستقامة دينية شخصية ، وأستقامة وطنية غريزية أخلاقية ، فقد تلمذ للعلامة محمود شكري الالوسي ، وأختار له الالوسي الدروس التي منحته ألفة الدرب الصحيح ، وقال له الالوسي : ( الاستقامة منحة وهبة ) ثم ألتقى بحركة الاصلاح الديني بزعامة جمال الدين الافغاني وناصرها بمقالاته ، وكان فكر الالوسي والافغاني يشغل رؤيته الى الحياة ، وخاض الحياة ، فأصطدم برجال دين متزمتين ، وأرادوا أن يكفروه ، فأنتصرعليهم قائلا في مقالاته :    ( الدين للحياة . . ) وبخط أخر سلك في الدين الى جانب أستقامته ، سلوك الديمقراطي الباحث عن عراق حر مستقل ، متاثرا في خطه هذا بالدعوات الدستورية التي نشأت في العواصم الاسلامية ، فكان العراقي البارز في نصرة الدستوريين الذين ظهروا في اواخر عهد الامبراطورية العثمانية ،في مقالاته او في محاضراته ، وفي مجادلاته في مجالس بغداد ، وضاق به السلطان ولم يلن ولم يلتزم بتحذيراته ، واصدر السلطان عبد الحميد امرا بنفيه الى ( جزيرة رودس – 1905) سنة واحدة ، وعاد بعدها اقوى مما كان وحين قام الانقلاب الدستوري 1908 كان المدرس في طليعة المناصرين له ، اذ كتب عشرات المقالات يحيي فيها الثورة الديمقراطية الجديدة : ( ونتمنى ان تسود فكرة الحرية والفكرة العربية)

 

احد قلة في بغداد يدخلون ثقافة العصر في مقالاتهم  

ولد في بغداد ، في عائلة تجمع بين التجارة والدين ، واصلها من الموصل وترجع بنسبها الى قبيلة الخزرج ، وكان جده ( الشيخ سليمان ) اول النازحين من هذه العائلة الى بغداد ، اما لقب    ( المدرس ) فهو لقب اطلاقي ، جاء اليهم من احد اجدادهم وهو ( احمد الحافظ ) الذي اشتهر بكونه من اوائل المدرسين في المدرسة ( السليمانية ) ببغداد ، ثم سرى اللقب على ذراري عائلته التي وصفت في الوثائق العثمانية بأنها : ( اخلاقية ، متدينة ، شريفة ..) ..!

درس علوم الجادة ( النحوية والفقهية ) على والده الشيخ عبد الرحمن وهو من القضاة المعروفين ، ولازم العلامة عبد السلام الشواف ونعمان الالوسي ، وأكمل مرحلته الاخيرة بحضرة محمود 

شكري الالوسي ، واجيز علميا ، وكان فيه بذور طموح الزعامة ، فقد واكب العصر فدرس التركية وجود بها ، وجود الفارسية ثم تعلم الفرنسية على القنصل الالماني ببغداد ( ريتشارد ..) الذي نهل العربية من المدرس .. الذي بتعلمه اللغات الاجنبية اضحى احد قلة في بغداد يدخلون ثقافة العصر في مقالاتهم ، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره عين مشرفا عاما على جريدة الزوراء ، وبقي فيها نحو خمس سنوات ، ثم انتدب للتدريس في الاعداديات وفي الوقت ذاته مارس الخطابة في جوامع بغداد ، وكان يدرس الطلبة على الطريقة الحديثة ( الجدل والاسئلة ) وفي خطبه الدينية ( يرتجل على الاجتهاد ) ..!

وكان في الاستانة 1908 يوم اعلن الانقلاب العثماني ، فشارك احرار العرب في تأييدهم الحركة الدستورية ، ونزع ( العمة والجبة – زي رجال الدين ) وبدأ حياة مدنية جديدة ، وعين في جامعة الاستانة لتدريس الادب العربي ، وفي معاهد تركية لتدريس مادة الشريعة ، ثم واصل كتاباته في اشهر الصحف التركية : ( شهبال ) و ( ثروة فنون ) ولما امتد اثره في ثقافة الاستانة ، توسط في تعيين الرصافي محاضرا في معاهدها.

 

 كلما نزرع ورد ، يطلع شوك

وفي الاستانة انحرف الاتحاديون عن اهدافهم ، وقاومهم المدرس وضايقوه ، لان الاتحاديين يبحثون في تتريك اللسان العربي ، والمدرس في مقالاته وكتبه يبحث في العوامل التي تطلق اللسان العربي من الاسر العثماني ، فأحتمل الصبر والمعاناة في سبيل قضيته العربية ، وفي عام 1913 رحل موفدا لدراسة التعليم ومؤسساته في بيروت ، وكتب في ذلك عدة مقالات في الصحافة التركية ، وفي عام 1920 ارسل عليه تلميذه فيصل بن الحسين وكان نصب ملكا على سورية ، فعين المدرس مستشارا له ، لكنه هجر القطر السوري بعد سقوط الحكومة السورية راحلا الى الاقطار الاوربية يفيد من مناهجها الجامعية وكان مشردا لكنه كان منتميا . . ! عاد الى بغداد واوفى له الملك فيصل وعينه رئيسا للامناء في البلاط الملكي 1921 لكن المندوب البريطاني ( برسي كوكس ) تدخل في شؤون البلاط ، واقصى المدرس في ايلول 1922 ، وبقي في بيته يجتر صبر الثوار وشرع يكتب في الصحافة : ( ينبغي ان نطهر البلاد من  رجس البريطانيين . . ) وكان في هذه الفترة يهيء الجيل الجديد للوعي  الثوري ، وتعريفه  على مبادىء الحكم الديمقراطي الحقيقي ، وفي أحد مجالس  بغداد بادره نوري السعيد قائلا : ( كيف صحة استاذنا المدرس ؟ ) قال له  المدرس :   ( موزين ) وكرر السعيد : ( ليش . .  ) ورد عليه المدرس بجرأة الثوار : ( كلما نزرع ورد ، يطلع شوك . . ) فأبتسم نوري السعيد أبتسامة الخجل ، وكان المدرس يواجه أركان السلطة بمثل هذا الكلام فخسر متعة الدنيا لكنه ربح نفسه . . ووضع أول نظام لجامعة عراقية ( جامعة أهل البيت ) عام1924 ، وظل يصارع فيها أجتهاده 

 

ليجعلها كجامعات العالم في حضاريتها ، لكنه لم يستطع أن يجتاز الخنادق المظلمة التي وضعت أمامها ، فحاربه رجال دين وأعيان ووزراء ، وهم كلهم كانوا مشدودين الى الماضي الوثني العثماني المتهافت ، فأقصي من الجامعة عام 1930 ولم يتألم لان الثائر في أعماقه يعرف أن حياته معاناة في معاناة والمدرس في حقبة الثلاثينات نزل الى ميدان السياسة مجاهدا كله ، بقلمه واخلاقه وصراعه فانتمي الى مدرسة جعفر ابي التمن ( الحزب الوطني ) وانضم الى مدرسة رفائيل بطي ( جريدة البلاد ) ثم ارتبط بالرأي العام ( وتلك مدرسته الاولى ) ارتباطا مصيريا فيه لسانه بحجم قلبه ، وكانت مقالاته التي نشرها في صحف ابي التمن وفي جريدة البلاد ، تشكل بيانا عريضا لفهم حركة الشعب العراقي نحو اهدافه واماله ، وكان وحده حزبا ثوريا قويا باسلحته ، ارعب السلطة والمستشار البريطاني وهز التاج ونفته الداخلية الى شمالي العراق مع رفائيل بطي ، واحدث نفيه ، ضجة في البرلمان ، وعاد بعد اشهر وعين مديرا عاما في المعارف وحاربه ساطع الحصري ، وفاضل الجمالي ، لان كلا منهما احب الهيمنة على المعارف ، واخيرا ضاق به نوري السعيد وطلب من المدعي العام ان يكتب تقريرا باتهام المدرس بالجنون لكن المدعي العام رد السعيد قائلا : ( هو اعقل مني ومنك ) ثم اعتزل المدرس في بيته سنوات الا انه عاد الى ميدان الجهاد في حركة مايس 1914 مناصرا قادتها في الصحف والاذاعة والسيف على اكتافه ، ثم رجع الى بيته بعد فشل الحركة يجتر البقية من حياته حتى وفاته ، والاذكياء الثوار لايموتون ..!  

عدا مقالاته في صحف بغداد والشام والاستانة ، فأنه ألف كتبا في موضوعات مختلفة أبرزها  :  ( مقالات سياسية تاريخية ) وهو جزآن 1931 ــ 1932 والجزء الثالث نشره الباحث عبد الحميد الرشودي 1970 ، وله كتاب بعنوان ( بيان موجز عن جامعة أهل البيت ) 1930 وله كتب في فلسفة المواريث ودراسة في الديانة الزرادشتية ، وأصدر باللغة التركية عدة كتب منها ( تاريخ أدبيات العربية ) و ( حكمة التشريع الاسلامي ) وأهم كتبه ، كان عقله الذي فجر مكنون الحكمة لاجيال العرب ، بل أهم من عقله كان دوره الوطني في حماية العراق من الالسنة الغربية ، وأهم من كل ذلك أيضا ، كان فهمي المدرس ذاته الذي نزف ونزف وأجتاز الدروب المظلمة دون أن يقول : ( آه يا وطني ) . . ! 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2