تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محمد سعيد الحبوبي


حميد المطبعي

محمد سعيد الحبوبي ( 1849 -1915 ) من اشهر رموزنا الوطنية ، ومازالت الذاكرة الشعبية ترفعه الى مصاف الضمائر القومية الكبيرة ، بدأ شاعرا على رأس المدرسة الشعرية النجفية في زمانه ، ثم كان عالما فقيها مجتهدا عليما جعل الدين لغما اضاء به غد الوطن ، ومن ضلعه الطاهر الشريف اشتهرت اسرة الحبوبي ، وامتدت شهرتها الى حيث يمتد النسب العريق .. ! 


 

فتوى ليل الانكليز قصير 

وجه مدبب طويل ، تتعايش فيه عينان تختصران عصبية الصحراء ، لكنها عصبية الأيمان الممزوج برحابة صدره العريض ، وعمته السوداء تغور في الافق المعلوم ، لاتقدم لك سوى علم وفقاهة ونبوغ ، فهذا السيد الجليل ، في لحظة من تاريخنا ، قدم فتوى بأن ليل الانكليز قصير في العراق ، فكان ليلاً عبثاً ، وقدم فتوى ثانية بأن الوطن هو اغلى من كل المقدسات ، فعاش .. وأظنه يعيش دهوراً ويسكن في القلوب دهوراً .. ! 

أصل تسمية " الحبوبي "

ولد في النجف ، في خير الاسر التي وطئت ارض الغريين منذ زمان بعيد ، واصلهم من الحجاز سادة حسنية ، وكان جدهم السيد الامير حميضة بن أبي نما اول النازحين للعراق في المائة الثالثة عشرة للميلاد ، وعرفوا بلقب ( حبوبي ) على عهد جدهم السيد مصطفى جمال الدين ، وهو لقب مجازي نحت من حب الناس لهم ، وعرف اللقب بالأف واللام فصار ( الحبوبي ) واول من استعمله هو الشاعر الشهير ( محمود الحبوبي – ت 1969 ) وطبقا للمعلومة الوثائقية ، فأن نسب السيد المترجم له هو : محمد سعيد بن محمود بن قاسم بن كاظم بن حسين بن حمزة بن مصطفى بن جمال الدين .. ! 

في العاشرة من عمره سرت في عروقه روح الأدب ، وتلمذ لوالده ( الفقيه التاجر ) ثم رعاه خاله الشيخ عباس الاعسم فقرأ عليه علوم النحو والبيان والمعاني ،  وزرع في اعماقه بذرة الشعر ، ورحل والده الى ( حائل ) ببادية نجد ولهم فيها امتدادات نسب ، ولحق به الابن الحبوبي ، فعاش وتخيل في تلك البوادي ثلاث سنوات فجرت فيه ينبوع الشعر وخيال الشعر ، ومارس الفروسية ولعبة الافق ، وفي لحظاته تلك كتب قصيدة يناشد فيها اخيلة الحب العذري في صحارى نجد ، قال له والده : ( هذه القصيدة مثل عينيك ! ) لان في عينيه مدى بعيداً ورؤى  حالمة ، وأمتلأ بالترحال وتذكر النجف وبيوت الشعر ومجالس الادب ، فحن اليها وعاد الى مدينته الاولى وهو في الثامنة عشرة ... طويل سفره طويل عشقه .. ! 

المنتدى الشعري في النجف

ومنذ لحظته انتمى الى المنتدى الشعري في النجف ، ويومئذ كان الشعر تراثها اليومي ، او سلوكها الى السياسة ، فكتب وانشد امام جيل الرواد ( جواد الشبيبي وجعفر الشرقي وعباس القريشي وجعفر الحلي ) ولم يصدقوا ان للحبوبي مثل هذه الموهبة التي ولد فيها شعره وانشاده ، 

فامتحنوه وارغموه على امتحان الشعر الصعب ، فخرج يبز الجميع بشعره المكتوب والمرتجل وسباق التقفية ، وقالوا ( لعله هو الاول على مدرسة الشعر النجفي ) ولا سيما في تخميساته وموشحاته ، بل لاسيما في ( خمرياته ) التي ضاهت خمريات الشعراء العباسيين في  زمانهم ، وبقيت ( خمرياته ) سرا مغلقا عند النقاد ، وشيئا محيرا عند عامة الشعراء وقالوا عجبا.. كيف ينظم سيد كبير شعرا في الخمريات ؟ وللتاريخ فانه لم ينظم شعرا في الخمرة لذات الخمرة ! انما جعل الخمرة غطاءا رمزيا اخفى فيه عقيدته الاجتهادية على العثمانيين ، مثلما فعل شعراء اوربا في عصرهم الوسيط ، عندما استخدموا ( غزلياتهم ) اطارا سرياليا او رمزيا لادانة الاستبداد والقهر الاجتماعي ، وللحبوبي ديوان طبع ببيروت سنة 1913 ، وفيه رمز وتشبيه ومجاز واستعارة ، وفيه البلاغة سياسة ، والشاعر بمستوى الشاعر السياسي الملثم .. ! 

نظرية ( الجدل المنطقي في حركة الاستقراء )

وفي عقده الرابع هجر الشعر كرها ، وكأن الشعر في النجف انخفض 20% وعاد يتأصل في دراساته الفقهية ، وتلمذ لكبار فقهاء الجامعة النجفية الكبرى ، ولا سيما على فقيهها المجتهد محمد طه نجف ، الذي اجازه فقها واصولا ، فصار الحبوبي حتى وفاته الاصولي الاول او المرجع الاعلى في المسألة ، وله في علومه مصنفات ومؤلفات وحواش وتعليقات غيبها التاريخ عن اعين اسرته ، واهم شيء في حياته الدينية والاجتهادية ، ابتداعه نظرية ( الجدل المنطقي في حركة الاستقراء ) ونظرية ( استنباط المسألة في ذات المسألة ) ونظرية ( الحوار المفتوح في الحلقة الفقهية ) وهي النظريات التي الهمت مدرسة الاجتهاد النجفي ، وعمقت في الدارسين موهبة الجدل والاستدلال والانفتاح العقلي ... ! 

 

وكانت تضمه مع جمال الدين الافغاني ( 1839 – 1897 ) حلقة فقهية واحدة ، وعملا على تعميم نظرية ( ان الدين للحياة ) وامتدت صلته بالافغاني حتى بعد تخرجه في الجامعة النجفية ، وذهابه الى القاهرة وباريس ، قال عنه الافغاني : ( ان الحبوبي عبقرية التوحيد الاسلامي ) وكانت رسائلهما المتبادلة تشكل مقدمة في الادب السياسي الاسلامي .. ! 

وعندما ربط الحبوبي الدين بالحياة من لحظة جلوسه في حلقة الفقه ، شهر سيف الجهاد على الاستبداد العثماني ، وندد بجماعة ( الاتحاد والترقي ) عندما دعت الى تتريك اللسان العربي ، فايقظ في النفوس لغة العرب ، وحرك في الاعماق لواعج الاستقلال من امبراطورية الرجل المريض ، وكان يقول لطلبة العلم في معاهد النجف ( من لاوطن له لا دين له ) ، وقد جعل الاجتهاد جهادا ، والجهاد مدرسة الحياة ، وفي ثورته الاجتهادية احدث تطورا في بنية العقل العربي ... !

 

معركة الشعيبة

واحتل الانكليز ثغر العراق في تشرين الثاني 1914 ، وهرع السيد الجليل الحبوبي يصعد الى منبره في الصحن الحيدري : ( الى الجهاد .. الى الدفاع عن مقدساتكم ) وكانت فتواه هذه تذاع في ارياف العراق ، وهز بها القلوب ، هز المشايخ ورؤساء القبائل ، وفي اليوم الثاني التأم الحشد في ميدان النجف ، واذا الحبوبي يتمنطق بسيف الجهاد على فرس مطهمة ، والطبول تزف ايقاعه الرشيق ، وموكبه الخالد الهائل يصل شط الكوفة ، وتبحر به السفن والبواخر الى ارخبيل العشائر على نهر الفرات ، ثم يصل الى مدينة السماوة والناصرية فالقرنة ، والعشائر في كل العراق جاءت اليه بسيوفها وبنادقها ورماحها ، وبلغ الحشد خمسين الفا ، وكانت المعركة في     ( الشعيبة ) بالبصرة ، والحبوبي فارسها ، ويوزع هنا فتوى ، وهنا ينظم سياق السيوف والرجال ، وهنا التحق به الزعيم الكردي ( محمود الحفيد ) ومعه آلاف الاكراد بين سيف وفرس وراجل ، فسالت الدماء العربية الكردية على مذبح الشهادة العربية الواحدة ، وتضرج الافق بنجيع الولاء الوطني ، يالروعة السيد الجليل .. ! 

الشموخ الوطني

وسبعة اشهر هي كل مدى المعارك ، ولم تكن الاسلحة متكافئة بين الغزاة الانكليز والمجاهدين فانسحب الاتراك لما دب الضعف على جباهم ، وانتحر قائدهم ( سليمان ) وتراجع المجاهدون بين كر وفر ، والحبوبي يشمخ بقامته باتجاه الافق ، ويرى ثلاثة الاف شهيدا يسقطون تباعا ، وانهمك متعبا ، حتى انسحب الى الناصرية ، وما نام في ليل او نهار ، ولا استقر قلبه ، ولعله كان يذرف دموع الجهاد الداخلي في بطء وتآكل ، وفي لحظة كبرياء اغمض عينيه وفاضت روحه في مقره . 

نعم التاريخ العظيم لا يستقبل الا الافذاذ الكبار ، وكان واحدا منهم ، هذا السيد الكبير النبيل الذي بلغ جهاده في سبيل الحرية حد الاعجاز ، وحتى العثمانيين في وثائقهم قالوا هو المجاهد الكبير ، واولئك الغزاة الانكليز قالوا كذلك هو المجتهد المجاهد العظيم ، واما نحن حفدة التاريخ ، نكبر فيه صلاة الجهاد ، وكانت قامته قامة العراق ، وكانت كل كلماته طريقا الى الحرية ، فهل سنقيم له في يوم ، تمثالا يرمز الى شموخه الوطني ، على اعتابه نمجد تاريخ العراق ... ؟ ! 

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2

Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2