تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الملا مصطفى البارزاني منذ ولادته كرم التاريخ وجعله يعانق الأمم


حميد المطبعي

قطع آلاف الكيلومترات في كردستان كي يزرع هنا كلمة وهنا رصاصة، وهناك منشوراً للحرية، ويصيح بين الذرى: (الحرية آتية، والمطر).. وكان معه ثلاثة آلاف من البنادق يؤسسون في أعالي العراق امة منذ شعرت بأنها أقوى الأمم، ورياح الزمهرير تعبر الزاب والنهر الساقية، 


والعسس يقتلون ويذبحون، وما كانت رأسه تنتكس بل تشمخ كلما ظلمت الدنيا في عينيه أو كلما تداعى جبل أمامه بسيوف ابن ملجم المرادي، حتى إذا امتزج الزمان بدمه الشريف منذ أواسط عمره، صار للبارزاني تاريخ أسطوري لدى امة كردستان، يحفظه أطفال الكرد وأحفادهم، ويتسلى به الحرس القديم الذي أنهكته متعرجات الجبل من شدة الصعود والنزول، وتحتفظ به النسوة نذرا لمن أراد الحياة.. كان حرزاً وأسطورة وأكبر من ذلك..

بل هو خلاصة لقصة طويلة، هي قصة التاريخ الكردي الذي بدا منذ صحوته الأولى يجاهد الحياة، ما زال يصارع الركام والرماد كي يبني على هرم كردستان أمة الحرية والحياة.

ولا أظن أن أمة الكرد  ستنسى وعبر كل أجيالها اللاحقة أسماء البارزاني والقاضي محمد ومحمود الحفيد وعبد الرحمن قاسملو، فهؤلاء كل من روحه أعطى زاوية أنار بها الأجيال الكردية كي تصحو على فجر حقيقي، كي تكرم التاريخ..

ومنذ ولادته كرم البارزاني التاريخ وجعله يعانق الأمم.

 

طفولته

بل كانت طفولته نبوءة.. إذ هو في الثالثة من عمره حجر في سجن مع أمه، وقيد أخوه عبد السلام ورمي في زنزانة العثمانيين، لأن بيتهم كان بيت ثورة على المستبد المستعمر.

وكان مثل ذلك: يعاني اليتم (مات أبوه وهو في بطن أمه).. يتم وسجن، وشم رائحة الخطر وهو يدرج، وشم الحياة الحرة وهو يتدرج في أولياته، وكان قدره أن يدرج في المعاناة، وكانت أمه تتعجب عندما تراه يفتح عينيه في الظلمة ثم يفتحها على نور ساطع، ولا أحد يجد لها تفسيراً مقنعاً، قالت أمه وهي تحزن: "لعل قدره سيأتي بشيء جديد".

وكان الملا مصطفى ابن ملوك الجبال وأمراء زمانه فهو ينتمي إلى الأسرة البارزانية، وكان عميدها مؤسس الطريقة النقشبندية في قرى بارزان سنة 1825 وهو الشيخ عبد الله بن الملا بكر، الذي عرف في وثائق المتصوفة (بتاج الدين) أو  (بتاج الدين العباسي) وهو جد البارزاني  الثاني، أما جده الأول فهو الشيخ عبد السلام وكان إمام النقشبندية في تلك المناطق، أما أبوه (محمد بن عبد السلام) فقد جمع الدنيا والآخرة بين يديه، فقد امتدت سلطته الزمنية والدينية إلى ما وراء قرى بارزان مما أغضب العثمانيين وأثار حسدهم فحبسوه في قلعة أربيل أشهرا ثم أطلقوه.

وأنجب الشيخ محمد من الأولاد: الشيخ عبد السلام والشيخ أحمد الملا مصطفى البارزاني، وكلهم شيخ في زمانه وثائر على حكوماته وحكومات الجوار، فقد انتفض عبد السلام غير مرة وشنع بأساليب العثمانيين، ووقع في قبضتهم، وأعدموه خفية في الموصل سنة 1914، ثم انتفض الشيخ أحمد 1892- 1969 على الحكومة المركزية وعلى الاحتلال البريطاني وابعد وأقام جبريا في جنوبي العراق، وشرد على الحدود مهاجراً مرات عديدة حتى وفاته، أما الملا البارزاني فكله ثورة في ثورة وتأسيس في تأسيس الانتفاضات الوطنية.. ومنذ بلغ أشده..

ويظهر من سيرة حياة أبنائه وأعمامه، فان الثورة كانت قدراً مقدراً لبيت الملا مصطفى، منذ نزحوا من شمالي أربيل الى مكانهم الأخير الذي عرف (ببرزان) وهي قرية من أعمال قضاء (الزيبار) وتعني بالكردية (المهجر) أو بكردية قديمة تعني: الجهة المقابلة للشمس والتي أصبحت في ما بعد ابائه الأول مركز التصوف الأول في شمالي العراق (التصوف الاتباعي -النقشبندي) ومنذ الأساس سكنت قرية برزان عشائر كردية أصيلة عدة منها: عشيرة بروشي ومزوري بالاوشيروان وهيركي، وأفراد هذه العشائر وعشائر أخرى اتخذوا من اسم قرية برزان لقباً عشائرياً لهم، وصاروا يعرفون (بالبرزاني وسلالة الملا مصطفى منذ جدهم تاج الدين أصبحوا رؤساء لهم بالرضا وقوة النفوذ والنسب والتنسيب، ومازال مؤرخون يعتقدون أن جذور الملا مصطفى هي جذور السادة ومن السادة الأشراف لاتصال جدهم تاج الدين بالعباسيين، وينفي مؤرخون آخرون (سيادتهم) ويرجعونهم إلى السلالات الكردية العريقة التي نبعت من أعالي أربيل ثم توزعوا بيوتاً بيوتاً على أراضي أسلافهم وكان مولده في (برزان) سنة 1903 بل كان مولد قدرة وعبقريته عبقرية مزاياه الإنسانية.

 

شبابه الثوري

كان الملا مصطفى جدلي التاريخ، يحرك التاريخ، ولا التاريخ يحركه، وكان يقول لرفاقه في مرحلة شبابه: "لنجعل بصماتنا مطبوعة على كل جبل" وارتفع رصيده وهو في عشرينياته وجاء كل حزب كردي يخطب وده ويطلبه عضواًً (فخرياً) في صفوفه، ويقول لهم: "أنا معكم وعليكم بحقيقة كردستان.." ومن هذه الأحزاب (جمعية كردستان، وجمعية بشتوان وجمعية الإخوة وحزب (هيوا) وحزب (رزكاري) وأحزاب سرية أخرى، وكان شعلة من النصح لهم، بعقل أو بفراسة رؤاه.

وفي آب (أغسطس) 1946 خطب جمعاً من رفاقه: (32) عضواً من أحزاب حلت نفسها وقال لهم: "الآن انتم على الطريق" وخلال خطابه تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني وكان الملا مصطفى رئيساً له، ومن لجنته المركزية: الشيخ لطيف بن الحفيد وحمزة عبد الله وصالح اليوسفي وعلي عبد الله وغيرهم.

والغريب فيه أن كل مراحل حياته كانت تكون في شخصيته حياة حرة واحدة، فطفولته في شبابه وشيخوخته في شبابه، وكل يستمد من الآخر قوة دفع، والغالب فيه الحيوية النابضة، الشباب الذي لم يعرف التوقف، وفي أخرياته كان يعطي زخماً للتوازن بين جيل الشباب وجيل القدامى، فحافظ بذلك على فرض قبضته على حزبه وحركته التحررية.

 

المسيرة الكبرى

وبدأ يقطع مسيرته الكبرى منذ عام 1941 بانتفاضة على الحكومة المركزية، وتوسعت انتفاضته عام 1945 بعد توقف أخيه عن تمرده وثورته، وكان يقول لأخيه الشيخ أحمد: "كن مطمئناً إن الحياة لنا" وكادت ثورة الملا مصطفى تشل الحكومة والدولة معاً، فسارعت تلم نفسها بالطائرات والمدافع الانكليزية وتهجم على بارزان والزيبار، وتقتل وتذبح وتنتهك الحرمات، ولكي لا تقع قيادة الثورة الكردية بأيدي السلطة اضطر الملا مصطفى عبور الحدود الإيرانية إلى (مهاباد) 1945 ومعه ثلاثة آلاف بندقي من أنصاره الخلص..

وفي مهاباد التقى القاضي محمد وأعلن القائد أن قيام أول تجربة جمهورية في كردستان (في ظل المساعدة السوفيتية) كان للقاضي محمد القيادة الفكرية وللبرزاني القيادة العسكرية، ولم تدم التجربة سوى بضعة أشهر، وفي أواخر عام 1946 قرر البرزاني التسلل من مهاباد مع إتباعه (500 فرد مسلح) إلى الحدود السوفيتية واللجوء إلى السوفيت خشية بطش الحكومة الإيرانية به وإعدامه، ومن هنا ابتدأت معاناة الثائر الكردي الكبير.

إذ كان عليه أن يجتاز ستة آلاف كيلو متر بين سلاسل جبال ومتعرجات وسهول، وكان عليه ايضاً أن يستخدم الحيل الثورية لاجتياز مخافر الحدود العراقية والإيرانية والتركية، لكنه قرر أن يجتاز الصعب، مهما كان حجم تضحياته، وقرر أن يحلم ، والكبار يحلمون في الصعب، والتاريخ العظيم يولد في الممرات الصعبة، مشى موكبه حتى وقف على جبل شيرين حيث يتلألأ العراق بين منافذه، قال رفاقه: "أترون الحكومة العراقية تتربص بنا، لا يهم الزعيق ولا عويل الطائرات، لنا الصبر ولنا الفوز ثم عبر الجبل وانحدر إلى الوهاد، لا طعام ثم صعد القمم وإذا بهم يطلون على مضيق كردي- تركي مدجج بسلاح الأتراك، ولقد عبروه بكل ثقة، وبقي نهر وجبل وجسر فإذا اجتازوها وصلوا إلى أراضي السوفيت، وهاهم بعزيمة الملا مصطفى وحنكة قيادته يصلون إلى اللجوء، لكنهم وجدوا الجفاء من حكومة السوفيت بعد جدل ونقاش بين الملا مصطفى ووزير داخلية السوفيت، وقام الوزير وأخبر ستالين بخشونة وكبرياء البرزاني، فأمر ستالين بجعلهم يقيمون في المنفى بسيبيريا بشمالي روسيا، وهناك أقاموا بين قسوة الطبيعة وخشونة أوامر السوفيت، ولم يتعبوا، لأن قائدهم البرزاني مضى بطلاً واجتمع بستالين وأقنعه بأن المنفى ليس لهم، ورجعوا يعيشون في أذربيجان مرة وفي أوزبكستان مرة أخرى، ثم رأى ان يعيش في موسكو وانفتحت عليه الدنيا، اذ أخذ يدرس اللغة الروسية في معاهد علمية وبرع في الكتابة والتحدث بها، كما درس الإستراتيجية العسكرية وفنون حرب الأنصار، ودرس أيضاً الاقتصاد وفنون إدارة الحروب وبقي في الاتحاد السوفيتي (12 سنة) زعيماً، وبطل أمة سيعود إليها في يوم ويحررها من ليل، وبعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 دعاه عبد الكريم قاسم للعودة إلى وطنه، فعاد وفي أول يومه في بغداد سأله صحفي غربي: "سنوات عشتها في السوفيت ولهم عليك لطف وسماحة، فلماذا رفضت الانتماء إلى الحزب الشيوعي؟"، قال: "انتمائي إلى أمتي أوجب تأريخياً".

والثائر الكبير (البرزاني) لا يقنع بكلام فيه عسل وسم، فقد قال لقاسم: "حققوا مطالب شعبي"، رد قاسم: "الوقت لم ينضج بعد" فعاد البرزاني إلى منطقته يجمع الرجال والخطط ويعلن في عام 1961 (برنامج الأكراد في حكم ذاتي) وردت الحكومة عليه بقنابل الموت..

وحتى وفاته كان منتفضاً، فما أعظم امتداد انتفاضاته، وكان أمله الوحيد في ذلك: أن يعيش الكرد أباة على تاريخهم.

وتكالبت عليه الدنيا من كل صوب، وهو في إيران، ثم اجتمعت عليه الأمراض، هذا الأسد الأسطورة، وقرر أن يرحل من إيران الى أمريكا ليستقر جسده في أحد مستشفياتها، لكنه فشل في أن يتغلب على الموت، فصرع بين أنيابه في عام 1979، وكان القدر نصب له القبر على حين غرة، فمات عزيزاً شريفاً كبيراً شامخ الحب شامخ الحلم، وهو يترك لنا ثروة في المبادئ، وأهم هذه المبادئ أن الإنسان لا بد أن يعيش كريماً حراً في وطن!

وثروة بولديه: إدريس (1944-1978) وكان من الكوادر السياسية في الحزب الديمقراطي الكردستاني..

ومسعود (1946) وما زال على رأس الديمقراطي الكردستاني

ولقد عبر الملا مصطفى البرزخ فرحِا مبتهجاً..

أكان مقدراً له أن يعبر الحلم ليبني أمة الكرد في  أكرم سلم من سلالم المجد وفي أرقى معبر من معابر التاريخ، نعم.. وأنجز المهمة ليس عظماً ولحماً فقط بل كأسطورة..



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2