تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


يوسف سلمان يوسف ( فهد )


 

كان اسمه في العشرينيات يعني أن الجيل الذي تركته ثورة العشرين هو أقوى من جيل الثورة وأكثر استيعابا  للمعطيات التاريخية ، وفي الثلاثينيات بدأت الدوائر الجنائية تهيئ له ملفا أمنيا يحصي عليه أنفاسه الثائرة ،

 


وكان في الأربعينيات يدق الناقوس ويصيح  يا أمة تعالوا الى التاريخ واكتبوا الحياة) وفي نهاية هذه الأربعينيات أي في 15/2/1949 نزل حبل المشنقة على عنقه واسكتوا حنجرته ، وظنوا أن صمته كان أبديا، ولم يكن كذلك ، بل كان في صمته يسمع دوي التاريخ ، وأنين الظالمين وفرح المظلومين . كان مجرد ذكر اسمه في مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر يعني الترحيل إلى سجن بغداد المركزي ، أما إذا اختليت به في أي أرض فحتما ستكون ضيفا على سجن  ( نقرة السلمان ) بل كان ذلك الوديع الذي يجري كلامه كما يجري موج رقيق في نهر الحياة، وما أجمل تاريخه.

خصومه ، ثأر بلا أساس

وتصدى لفهد في حياته وبعد مماته خصوم لإيديولوجيته  لأنه مؤسس الحزب الشيوعي ، وكلهم اجتمعوا على هدف واحد وهو تشويه سمعته ، وبتشويهه يظن خصومه أنهم  استطاعوا أن يشوهوا الحزب الشيوعي ويطعنوا أصالته .. ومن المصادر التي ذهبت إلى طعنه :

1- كتاب ( روسيا الدامية ) تأليف عبد الحميد الخطيب سنة 1936 وكان هذا الشخص من أوائل الماركسيين في العراق في مرحلة العشرينيات ومن مواليد البصرة وتخرج في الجامعة الأميركية ببيروت ، وكان في حلقة فهد الماركسية الأولى ومن أوائل الدارسين في الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق في روسيا في الثلاثينيات ، لكنه سقط في الضعف وأغري وكتب يخاصم فهدا"والشيوعيين بإيحاء الخارج" .

2- الموسوعة السرية الخاصة بالحزب الشيوعي ( عدة أجزاء 1949 ) بإصدار مديرية التحقيقات الجنائية وبإشراف خفي من قبل الاستخبارات البريطانية ، وفيها خيال واعترافات منتزعة بالقوة .

3- كتاب (مع الشيوعيين في سجونهم ) تأليف عبد الجبار أيوب ،صدر عام 1958 (قبل ثورة 14 تموز 1958 ) وكان هذا صديقا لفهد في شبابه ودخل سلك الشرطة ووصل إلى وظيفة مدير سجن في نقرة السلمان ثم أغري بدوافع مجهولة للحديث عن تاريخ فهد في الناصرية مضللاً، كافرا بتاريخ وفائه لصديقه القديم وحكم أمام محكمة الشعب (المهداوي).         

 

تجربة شيوعي

4- مالك سيف في جميع كتبه وأبحاثه، لاسيما  مقالاته التي نشرها في جريدة الحرية منذ عام 1959 ،واعترافاته مرتين 1947 المنشورة في الموسوعة السرية للتحقيقات الجنائية، وكتابه بعنوان (تجربتي في الحزب الشيوعي) الصادر عام 1974، وكتابه الآخر الصادر عام 1983 تحت عنوان (للتاريخ لسان) وكان مالك سيف قد انتمى للحزب الشيوعي في بداية الأربعينيات في مدينة (العمارة) واشرف على كسبه حسين محمد الشبيبي ونعيم بدوي، وخلال خمس سنوات أصبح عضوا في اللجنة المركزية بل أصبح المسؤول الأول عن الحزب الشيوعي بعد اعتقال فهد عام 1947، وحين القي القبض على مالك في وكر ببغداد سقط نادما أمام السياط وبكى وأدلى باعترافاته الجريحة وبالغ كثيرا في طعن صديقه فهد، ثم عين خبيرا في مديرية الأمن العامة في جميع العهود مراقبا وكاتب تقارير ومنظرا ومفتيا وقبل أن يتوفى في أواسط ثمانينيات القرن الماضي ، وهو من مواليد العمارة ومن الصابئة. 

5 - الدكتور شاكر مصطفى سليم في مقالاته وكتبه عن الحزب الشيوعي في حقبة (1958-1963 ) وخاصة كتابه (الاعصار الاحمر -1960 ) وكان المرحوم شاكر اول عراقي ينال دكتوراه بالانثروبايولوجي عن دراسته ( الجبايش ) وكان يستخدم أسلوبا كتابيا لا يليق بسمعة أستاذ جامعي في تلفيق التهم على مؤسس الحزب الشيوعي وفي إثارة النعرات الطائفية ..

6- حنا بطاطو( 1926-2000) وهو من مواليد القدس بفلسطين ودرس الدكتوراه في امريكا عن أطروحة ضخمة بعنوان (تاريخ العراق المعاصر ) عن طريق تحليل طبقاته الاجتماعية ،وهو ان كان في بداياته على مجرى الماركسية لكنه تناول الشيوعيين ومؤسس حزبهم بأسلوب طائفي عشائري مذموم عند العراقيين الأحرار مما يوحي بانه مكلف بذلك من جهات ، وصدر كتابه بعدة اجزاء بالانكليزية وترجمه الى العربية عفيف الرزاز في حقبة السبعينات .. هذه بعض مصادر لم تفلح في حصر( فهد) في زاوية ضيقة ،بل جعلته يطل على جمهور واسع ،لان قراء تلك المصادر (وبذكاء عراقي فطري ) ادركوا انها مصادر ممولة من قوى لا ترجو الخير لحزب شيوعي نصير المظلومين ، فراحوا يطلبون المزيد على نهج فهد وأفكاره وأبحاثه ويقرأونه باجتهاد ..!

 

جغرافية النشأة

ولد يوسف سلمان يوسف (فهد) في بغداد  سنة 1901 لكن أولياته تشير إلى إن أسرته نزحت من أعالي العراق وسكنت (تلكيف) من توابع الموصل في بدايات القرن التاسع عشر ، ثم بدوافع العمل انتقلوا إلى بغداد ومنها غادروا وسكنوا البصرة ، وإنهم في إحدى وثائقه أسرة مسيحية كادحة ،وفي وثيقة أخرى كان والده  كادحا أنجب عدة أولاد ، منهم : داود اكبر أشقائه وجرب العمل الماركسي وخرج، وكان متعلما عمل مترجما في البواخر النهرية ،ثم فهد وهو المتوسط عمرا بينهم ،ثم فرج كداود بالماركسية والترجمة وهو اصغر شقائه وجميعهم نال العذاب والسجن والتشرد لان فهدا كان في غاية البذل والتضحية ولم تسهل نفسه أو روحه أمام المحن ..!

ومن البصرة انتقلوا إلى الناصرية (1926) وملكوا معملا صغيرا للثلج وسينما صامتة سميت (سينما المنتفك) وكان فهد يعمل في المعمل صباحا وفي السينما ليلا، وهو في بداية انتمائه إلى الحلقات الماركسية الرائدة في البصرة – الناصرية – بغداد، وأثناء عمله جمع إليه عمالا علمهم الكتابة وشيئا من التنوير ،ثم علمهم كيف يسخطون على سارقي حقوقهم ،وكيف ومتى يصرخون ..!

توصية ديمتروف

وكان في البصرة قد أكمل الابتدائية في مدرسة السريان ،وأكمل المتوسطة في مدرسة( الرجاء الصالح )الأمريكية ،وفيها أتقن اللغة الانكليزية ،وكان على الرحلة نفسها صديقه (بهجة العطية ) الذي أصبح في ما بعد رجلا جنائيا مشهورا أنيطت به مديرية التحقيقات الجنائية (الأمن العامة ) 

وكان تواقا لمواصلة دراسته العليا، فرحل إلى الاتحاد السوفيتي 1935 وانتمى إلى (الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق ) وتخرج فيها على يد أستاذه (ديمتروف) الداعية الشيوعي، وكان قد درس فيها معالم الماركسية اللينينية ، وطبيعة الأنظمة الداخلية للأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط ،كما درس فيها التكتيك السياسي والكسب الحزبي وأساليب المراوغة السياسية وطرق التخفي عن أعين الأجهزة الأمنية، وعاد إلى العراق وهو يحمل توصية من (ديمتروف) بإعادة تأسيس الحزب الشيوعي، فأسسه 1938، في ضوء خصوصيات فهد وأحكامه وتعاليم فهد ومزاجه الذي استمده من الجامعة الشيوعية، وليس على مزاج الاجتماع الأول لحزبه في عام 1934 ..

وكانت لفهد عدة أسماء يتخفى بها في عمله الحركي:

1-  فرانك فردريك  - يوم كان يدرس في موسكو وعرفته زوجته الروسية بهذا الاسم منذ بداية زواجه الحزبي ،وكان يقبض راتبه بهذا الاسم من احد المعامل الروسية حيث نسب لها لتغطية معيشته أثناء دراسته في الجامعة الشيوعية 

2- فهد - وعرف به منذ عام 1942 في التنظيمات الحزبية وفي صحافة الحزب، وبقى الشيوعيون يعتزون بهذا الاسم ويثبتونه في أدبياتهم وأدبياته. 

3-  يس خلف – واستعمله في تذييل بعض مقالاته في الصحافة منذ عام 1941، وظهر أول مرة في مجلة (المثل العليا) التي صدرت عن الحزب الشيوعي في النجف بإشراف :حسين محمد الشبيبي والمحامي محمد عجينة والمقالات التي نشرها في هذه المجلة اقتصادية تدعو وتبشر بصناعة وطنية، وفي تلك المرحلة اختفى في وكر بالنجف لعدة أشهر لمطاردته من قبل الأجهزة الأمنية .. 

وسواء تقنع بهذا الاسم أم بغيره فان لفهد جوهرا واحدا لا ينقسم على نفسه ولا يتشتت ،فقد رزق بتركيبة داخلية تجمع إلى الدينامية والحركية الهدوء والخواطر المروضة ، وكان يدهش لصمته مثلما كان يدهش لبلاغته، أو يدهش لحركة أعصابه المتزنة الهادئة الإيقاع ..

كان يحل اعقد المسائل الحزبية بابتسامة عريضة ،ويقول لك (عفوا كلنا نخطئ ) ثم يلتفت إلى الآخر هامسا : )هل صحيح أن الأخطاء عرضية ) وبهذه الروح الرياضية يهدئ الغضب ويريح النفوس من مخاض الجدل ويحسم الحقيقة ..

وكان يملك ذاكرة كتمانية ،ويستعين بها في حل الأزمات وينجح ولا يتبجح ،ويسبق الآخرين ولا يتعالى ،حتى استطاع أن يجمع بين يديه ابرع القيادات الشابة  التي هزت المجتمع المتخلف ، وبها أرسى اعرق وأقدم حزب شيوعي في المنطقة ، وهو بذلك لا يستند إلى طائفة أو عشيرة أو جغرافية معينة إنما كان بفكره الخلاق ،بروحه الطائرة إلى الأفاق الحية يحرر الحرية من الأوهام ..

وعندما انتمى إلى (الحزب الوطني) بزعامة جعفر أبي التمن عام 1928 (وكان فهد ماركسيا منظما) قال له أبو التمن  (يا يوسف أنت الصادق في تقاريرك) وهي التقارير التي كتبها فهد عن معاناة العمال في الناصرية والبصرة والتي أفاد منها أبو التمن في نقد الحكومة 

وابتداء من تبشيره بتكوين الحزب الشيوعي 1925 ثم من إعادة تأسيسه الحزب عام 1938 .. قام وجال في كل مدن العراق بحثا عن أعضاء جدد وبحثا عن رؤى جديدة يكتشفها في الواقع العراقي للإفادة منها في وضع برنامجه الشيوعي.. وانتصر ظافرا ..!

 

ثبات على المبدأ

     لكن الأجهزة لم تتركه على نصره الكاسح ،فقبض عليه في وكره بالكرخ  1947 واقتيد بسلاسل إلى سجن                                                                                                               الكوت ثم الحلة ثم الكوت مرة أخرى، وأخيرا عندما لم يربحوا منه اعترافا جيء به إلى زنزانة في سجن بغداد مقيدا بسلاسل مزروعة في الأرض وهو كأسد يبتسم بوجه الكوارث ،وفي يوم أرسل عليه بهجة العطية مدير التحقيقات الجنائية :

- يا صديقي يوسف (فهد) اكتب لي سطرا بأنك لست شيوعيا حتى نطلق سراحك..

- كيف يا صديقي وأنا الشيوعي المعروف ؟

- حسنا قل غير هذا حتى أساعدك

- الحرية لا تباع ولا تشترى ..

ورفض فهد أن يكتب ( براءة ) من شيوعيته ورفض أن يعيش ذليلا، رفض أن يحرر حريته بسطر معاكس لحريته، بل قال لبهجة العطية: (الموت مهنتي كما الموت مهنتي ) وكان القرار..

كان له أسلوب رشيق في الكتابة يكشف لنا عن فهمه سيرة التاريخ وقراءته الاجتهادية لصراع الطبقات في المجتمع العراقي ،وكان لا ينشئ بل يقرر ،ويصنع منطلقات حتى في تقاريره الصحفية التي أعجب بها رافائيل بطي ونشرها في جريدته (البلاد) في بداية الثلاثينات كما أعجب بها كامل الجادرجي صديقه لحظة انتمائهما إلى حزب جعفر أبي التمن ،  وكان فهد قد كتب كراسا تحت عنوان (حزب شيوعي .. لا اشتراكية ديمقراطية ) صدر عام 1944، يتحدث الكتاب عن إستراتيجية الحزب الشيوعي العراقي واهم معالمها الفكرية، وعلى شكل سؤال وجواب.. وفي بداية السبعينات قام الحزب الشيوعي بجمع كتابات فهد وطبعها تحت عنوان مؤلفات الرفيق فهد بعدة أجزاء  ،وأنت تعجب بعد هذا كيف استطاع فهد أن يعالج المجتمع برؤاه الاستشراقية وقتذاك، كيف عالج الحرية بفهم وطني أصيل ومن دون أن يخل بارتباطاته العالمية..! بل كان يصنع قدرا ،ويهدي مجتمعا غارقا في جهالة العثمانيين ،وقدم دمه ثمنا لكل ذلك وباختياره .. وعاش رمزا خالدا ..!



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2