تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


مقاهي البصرة .. نراجيل ونار أجيال !


علي الإمارة 

أين تستريح الشوارع، وأين تهدأ الساعات؟؟.. الأيام خيول تجر الأحداث والحكايات، والمدينة العريقة تلقي بأسرارها على الوجوه حتى تبدو الملامح أسرارا، وتغدو النظرات حقائب سفر، وأشجار أحاديث ورؤى .. وبما أن مدينتنا 


 – البصرة – واسعة الصدر طيبة القلب موغلة في التفاصيل فلا بد إذن من نقاط التقاء ولحظات عناق يومي يلوح في إغفاءة حجر أو في إشراقة شجر أو توديع قمر .. لا بد من بساط حميم تتساقط عليه أوراق الحنين أو الشكوى أو الندم، لا بد من كرسي طويل من الخشب الحميم يستقطب الخطى والحكايات والآمال حيث موقد الشجون الذي يلهث

فيه جمر الأيام الماضية  أو الأيام المقبلة . أما الأيام الحاضرة،  فلا تحتاج إلى جمر لكي تشتعل!...

خرائط أيام على الجدران

همهمات أباريق الشاي والسماور الكبير تتصاعد على الحيطان القديمة، فيشكل دخانها الأسود الكثيف خرائط أيام مهملة وحياة مؤجلة .. أباريق الشاي تشي  بخطى القادمين. أما الأقداح الموزعة على الموائد فتؤكد هذه الوشاية وترسخ هذا الحضور الثقيل ..  في كل مقهى من مقاهي مدينتنا هناك مسرح نار هو موقد الجمر الذي تأتينا منه رغباتنا وطلباتنا في تلك اللحظات الفالتة من عجلة  الزمن .. نحن رواد ذلك المقهى صيادو اللحظات الفالتة، الناصبين لها شباك الحوار المباغت على قدح شاي أو نراجيل.

 إن نار جيلنا صارت نار أجيال .. وها نحن قد تعبت أفواهنا وهي تحاول أن تجمع بين الماء والجمر  .. يا لهذه النراجيل، ماؤها بعيد، وجمرها قريب . 

إن بينك والماء يا صديقي المدخن نفَسا عميقا وجمرا عنيدا لا نريده أن ينطفئ فيبرد إحساسنا باللذة، ولا نريده أن يشتعل كثيرا فتغدو صدورنا حرائق وأفواهنا صفارات إنذار .. يا لهذه المقاهي حين تحبسنا في دائرة الماء والنار ، ألا تكفي نار جيل واحد ؟. 

إن مدينتنا هي مدينة مقاهٍ، وحين تهرب الأزقة الصغيرة من الشوارع الكبيرة، فإنها تلتجئ إلى المقاهي وتشكو لها هموم السير في الشوارع .. نعم هنا تجلس الأزقة وهنا تشرب شايها وتدخن نار جيلها أو أجيالها ..  هنا يلتقي الناس الهاربون من البيوت والشوارع واللاجئون إلى ذواتهم .. فالمقهى ذات وصدر رحب قادر على استيعاب شجون مدينة .. والمقهى سلّّـم المدينة الذي نحاول أن نصعد به إلى عالم المدينة العلوي أو نحاول أن ننزل به إلى عالم المدينة  السفلي .. هنا إذن في المقاهي تختبئ السلالم  الوهمية أو اللامرئية للمدينة .. هنا يكتمل نسيج المجتمع وتفرز ألوانه العيون المترقبة والنظرات المسافرة، هنا توضع المدينة على محك الوقت حيث تبدو حواف الدقائق حادة كالسكاكين وتلتهب المشاعر في موقد المقهى .. وجوه صلبة منحوتة بأزميل الهموم والترقب تكسر سيادة الفراغ بملامح سرية يعلنها الأمل خطابات صامتة .. المقهى  حرية الزمان وديمقراطية المكان .. فالزمان منفتح على الجهات الأربع، والمكان منتخب من قبل الذوات المتدفقة نحو قيعانها .. ما الذي تريد أن تقول أيدينا في المقاهي ..  وفي أي مقهى منها وهي كثيرة ؟.  فمقهى الشناشيل في البصرة القديمة خلف الجامع الكبير القديم تحت الشناشيل القديمة ، كل شيء هنا قديم حتى الهواء .. هنا كان يجلس أدباء البصرة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وهنا كانت تطبخ الأغاني حيث يجلس كتاب الأغاني فيتغنون بنار جيل من الحب والألم والأمل، من هنا مرت الأجيال الأدبية من تحت قوس الدخان وقوس الزمن الناري.. توالدت المقاهي وتدفقت وساحت في شوارع المدينة وأزقتها الضيقة.. مقهى التجار ومقهى الخبازين ومقهى الشيوخ، وغيرها، ومقهى الأدباء صار مقرا لاتحاد الأدباء مدة من الزمن ولا يزال ملتقى للأدباء في البصرة، كما انه مقر لحزب من الأحزاب الوطنية في البصرة. ومقهى النارجيل الذي هو مقهى السيد الذي يقع في زقاق ضيق يتفرع من شارع المطاعم .. هذا المقهى له حكاية طريفة معنا - نحن الأدباء والصحفيين- الذي كنا نرتاده في أيام الاحتلال الأولى في عام 2003 حيث لاذ كثير من الأدباء بالصحافة لأنها اقرب أرزاق الله إلى الأدب، وفي الوقت نفسه هبت موجة كبيرة من الصحف المحلية بحيث أن شيخ عشيرة أو صاحب معمل أغراه الصحفيون والبطالة آنذاك لإصدار جريدة ضمن الفوضى العامة . فكان بعض الصحفيين وبعض الأدباء طبعا يجلسون هنا في مسطر إصدار الصحف فيجيء من يريد إصدار جريدة أو مجلة ويسأل عن مصمم أو محقق أو كاتب مقالات أو شاعر أو رسام كاريكاتير أو مصور أو مصحح لغوي، ويتفق معه على نوع العمل وسعره .. فكان على من يريد إصدار جريدة أو مجلة عليه أن يمر بهذا المقهى – المسطر- !.  

 لا تستغربوا، فهناك مقهى قريب من مقهانا هذا كان يجلس فيه رجال مستعدون لفض النزاعات العشائرية – مسطر آخر - !.   

أما في وسط أم البروم مركز العشار، فهناك مقهى لعمال المسطر الأساس الذي تفرعت منه مساطرنا.. أولئك العمال الأسطوريون الذي يخرجون إلى الرزق تحت ظلال المفخخات والأيام الملغومة كأنهم يقولون للرزق الحلال البيت الدارمي العراقي : 

لو مو ترش تيزاب لو تزرع ألغام 

أي والله والعباس اعبر لك إعظام 

لنعد الآن إلى مقهانا الذي كان يستقطبنا برائحة النارجيل وقرقرة الماء المتصاعد إلى قمة الجمر، ونحن جيل محبوس بين الماء وبين الجمر.. إنها نار جيلنا  .. كان الزقاق الضيق قذرا بفضلات الحروب وهمومها بحيث أن القطط كانت تألفنا، وتجلس معنا على الكنبات.. -مسطر قطط أيضا!- . 

على أي حال صارت حياتنا مساطر نقيس بها مسافة الهمّ العراقي لعله ينتهي يوما .. حروب تقذفنا من مقهى إلى آخر، ومن نار جيل إلى نار جيل آخر..  أجيال تعبر من تحت قوس الدخان.. وزمن يسير على إيقاع ملاعق الشاي حين تدور في الأقداح بإيقاع فوضوي. 

وليس بعيدا عن مقهانا، هناك مقهى البحـّارة حيث تزدحم فيه قصص البحر والأحلام المرمية على ضفاف الموانئ تاريخا موزعا في الأصقاع حيث يزدحم هذا المقهى كلما انغلق البحر، وما أكثر ما ينغلق بحرنا وتنسد آفاقنا، فيصير هذا المقهى ملاذا مواسيا لهم على اليابسة .. فتذكرهم قرقرة ماء النارجيل بالأمواج العاتية في أعالي البحار والأمل- مسطر بحارة-  . 

وهناك مقهى الميناء أو مقهى الرياضيين حيث يجلس رياضيو المدينة القدامى والجدد، وحيث تدور الأحاديث عن أمجاد رياضية غابرة أو حاضرة بالرغم من غبار الزمن أجيال رياضية تجمعهم نار واحدة هي نار جيل مستمرة، ثم نأتي إلى مقهى الصمت، واقصد به مقهى الخرسان حيث يجتمع كل خرسان البصرة في هذا المقهى.. صمت صاخب حيث تتكلم الأيدي والعيون فتسقط سلطة اللسان...  لغة أخرى تبدأ من حيث ينتهي الكلام، فتغدو الإشارات نصا سيميائيا يوسع من فسحة التلقي والتأويل ولاسيما عندنا نحن الجهلة بهذه اللغة، نحن الذين لا نستطيع الاستغناء عن سلطة اللسان، لا نستطيع التنازل عن سلطة الثرثرة .. ما أجمل الحياة بلا كلام !.

والآن ما الذي تبقى من المقاهي .. هناك مقاهٍ كثيرة أخرى، ولكن أهمها هو  ذلك المقهى الأم مقهى البدر، ومن اجل أن أكون أكثر دقة اتصلت بآخر العمالقة الذين كانوا يجلسون في ذلك المقهى مع بدر شاكر السياب وسعدي يوسف ومحمود البريكان ومهدي عيسى الصقر وزكي الجابر، انه القاص الكبير محمود عبد الوهاب : 

* صباح الخير أستاذ محمود .

- أهلا صباح النور.   

* أنا اكتب الآن عن مقاهي البصرة،  في أي مقهى كنتم تلتقون في شبابكم أنت والسياب وسعدي وغيركم  ؟ 

- كنا نلتقي في مقهى البدر ومقهى عباس على ضفة شط العرب، ومقهى هاتف والسيمر في البصرة القديمة ، ولكن الملتقى الأساس في مقهى البدر.

* كلمني عن طرفة أو حكاية قصيرة حدثت هناك : 

- ذات مرة مرت بالمقهى امرأة عرافة، فنادى عليها بدر السياب، وقال لها اقرئي لنا طالعنا .. فقرأت وقالت للسياب أنت تموت  في الغربة، وقالت لسعدي أنت تعيش الغربة، وقالت لي – والكلام لمحمود عبد الوهاب – أنت تعيش عمرك وحيدا، وقالت لمهدي عيسى الصقر كلام من هذا القبيل، وقد ذكر شيئا من هذا الكلام الصقر في روايته المقامة البصرية العصرية . 

* وأين كان مقهى البدر سابقا ؟ 

- كان قريبا جدا من تمثال السياب. أما مقهى عباس، فكان المكان الذي وضع في تمثال السياب لاحقا !.  

نعود الآن إلى مقهانا ، مسطرنا الجميل الذي كتبنا فيه كثيرا، ومنه : 

في هذا المقهى 

يلتقي أدباء المدينة 

لا توجد كراسي للجلوس 

و لا ألعاب تسلية 

ولا شاي للشرب 

لهذا.. 

فقد عالجنا الموقف 

فجلسنا على كراسي وهمية 

وتسلينا بهمومنا 

أما الشاي فلم نستطع التغلب عليه 

لأنه يكشف سر المقهى ..!

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2