تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


السحر والشعوذة هل هما خيط أمل في لحظات اليأس؟


إيناس جبار العبيدي

أحلام امرأة على مشارف الأربعين من عمرها لم يرزقها الله بطفل رغم عدم وجود مانع أو سبب طبي، لذلك تقول أحلام: 


راجعت الكثير من الأطباء والمختصين واتبعت العديد من الأساليب الشعبية المعروفة والتداوي بالأعشاب والوصفات التراثية عن طريق نسائنا المسنات عسى خبرتهن في الحياة تضع لي الحل إلا أن كل ذلك لم يجد نفعا وبقيت أعاني من شعور النقص كوني لن أصبح أماً وخوفي أن يتزوج زوجي بأخرى وافقده كما افقد حلم الأمومة ذهبت الى سوريا أكثر من سبع مرات للزرع لكنها لم تنجح، شعور اليأس هو ما دفعني الى سمع نصح إحدى الجارات والذهاب الى شخص يطلق عليه اسم السيد وزوجته (الشيخة ) وهما يعملان في ذات العمل عسى ان أجد حلاً لديهما وكنت من الذين لا يؤمنون بهذا الشيء، وعندما أجرت زوجته الفحص أخبرته أني أعاني من عارض سببه الحسد على وضعنا أنا وزوجي، ابتداءً من قصة حبنا والزواج، إلى أوضاعنا المادية وان الحل موجود لديهما وأعطوني علاجاً من الأعشاب والبخور وبعض المياه التي يقول عنها إنها مباركة لاغتسل انا وزوجي بها، لم يطلبا مبلغا ماليا سوى تكلفة الاعشاب وهدية بعد حصول الحمل، المفارقة بعد العلاج بثلاثة أشهر حملت بطفلي وأنجبته بسلامة وكانت فرحة لا توصف وبسبب كبر سني لم احمل بطفل آخر، وهو يملي علينا حياتنا. لا اعلم السبب الحقيقي لكن عند ذهابي لهما فكرت ربما يجعلهما الله سببا في إنجابي، قصتها والعديد من الحكايا المشابهة لها دفعتني للاستطلاع والتقرب من واقع الحالة والاجابة عن سؤال يدور بخلدي: لما النساء الأكثر إقبالا على التعامل مع السحرة والمشعوذين أو ما يطلق عليهم الشيوخ؟!! أوكار السحرة منزله المتردي البناء، الواقع في إحدى مناطق أطراف بغداد والمكون من قطعتين متداخلتين، الأولى صالة استقبال كبيرة ينتشر في أرجائها نساء ورجال، وكانت النساء أكثر بكثير حتى أن بعض الرجال المتواجدين يرجع سبب حضورهم إلى حرصهم على مرافقة زوجاتهم في زيارتهن إلى (السيد) وغرفة خلفية يجلس بها المشعوذ عفوا السيد مع الزبون. أحسست بنوع من الذعر، وشعرت أنني اصغر من أن أخوض جدالا مع السيد وانكمشت في طبيعتي المذعورة.. حتى المغادرة لم أقو عليها، وكلما راودتني أفكار لأناقش الموضوع مع الموجودين أتراجع، انسحبت بحجة أنني سأحضر زوجي وناقشت مساعد السيد في بعض الأمور الوهمية، وما إن وصلت لباب الكوخ أطلقت ساقي للريح عائدة لمنزلي وأنا أشعر بأن شبح السيد الذي لم أره يطاردني!! ارتياد النساء أكثر من الرجال من واقع المشاهدة والروايات التي اسمعها كانت النساء الأكثر تواجدا واعتقادا، لكن هذا ليس كافيا للحكم، لهذا لجأت لاحد اصدقاء العائلة وكنت أعرف ولعه بمتابعة عالم السحر والشعوذة، صارحته بحقيقة الموضوع وطلبت منه اصطحابي لبعض هؤلاء ووافق بعد أن أقسمت أني لن اقوم بذكر أسمائهم.. وبالفعل ذهبنا في زيارات قصيرة لهم استطعت ان اسال خلالها بعض الاسئلة. في البداية أكدوا لي جميعا أن المرأة أكثر ترددا عليهم من الرجل، والسبب كما اكدوا جميعا أن السيدة أكثر واقعية من الرجل، فهي تلجأ إليهم لثقتها في قدرتهم على حل جميع المشاكل، هذا بالإضافة إلى أن الجان هو السبب في معظم المشاكل الإنسانية وأنهم لقربهم من الجان يستطيعون التوسط لديهم لحل المشاكل، وشرحوا كيف يتصلون بالجان ويصلون لحل هذه المشاكل. وبعيدا عن المؤمنين بهذه الأقاويل أو الرافضين لها وأنا منهم، قال هؤلاء المعالجون من الجان: إن المرأة أكثر سعادة من الرجل في مجتمعنا لأنها أكثر ذكاء من الرجل فهي تعرف تحل مشاكلها أكثر ولا تهتم كثيرا بالتكلفة، في حين أن الرجل بخيل بحجة عدم إيمانه بأقوال الحاكمين على الجان، ويتمثل هذا البخل في امتناع الرجال من اللجوء إليهم وبالتالي عدم دفع أموال بحجة أن كل هذا خرافات، ولكن البخل هو السبب الحقيقي وراء إحجامهم اللجوء إلينا، فلو كان العلاج بالمجّان لرأيتهم أكثر المتهافتين علينا!! نموذج آخر لفتاة تدعى ش.ص.ع جامعية غير متزوجة، منذ عدة سنوات كلما حضر النصيب وتقدم احدهم لخطبتي من دون سابق انذر تنتهي الأمور ومن دون كلام، فحضرت أيضا إلى هناك باحثة عن الحل لدى الشيخ!! وعندما سألتها: هل تعتقد أنها ستجد الحل؟ أجابت أنها لا تعتقد في الجان والسحر والسحرة، لكن ما سمعته من حلول لدى الشيخ هو مساعدته لكثير من السيدات على الإنجاب وجلب القسمة وهو ما دفعها للحضور حتى لو كانت تبحث عن السراب، لكنه الأمل. اربطي زوجك بمليون ونصف فقط ! تقول ميلاد علي (26) سنة: تزوجت حديثا واخف على زوجي كثيرا لاسيما ان عمله فيه الكثير من النساء والشعور بفقدانه يعتريني بين فترة وأخرى وشكوت الحالة الى صديقات في العمل ونصحني بعمل ربطة له كي لا ننفك عن بعضنا طوال العمر وأخبرتني العرافة او ما تدعى أم الخير أننا سنعيش العمر معا ولن يفرقنا شيء مقابل مبلغ مليون ونصف المليون دينار، ترددت في البداية خاصة ان المبلغ يساوي ثلاثة مرتبات من دخلي لكن من جربن الحل قبلي أقنعني بالنتائج الايجابية وأملي من الله ان يديم ارتباطي والسعادة مع زوجي . حالات أخرى مشابهة يلجأ فيها حتى طلاب المدارس الى العرافين كي يعملوا لهم حسب قولهم أحجبة وأدعية للنجاح وعبور المراحل الدراسية بسهولة، أيمن عزيز طالب نجح الى الصف السادس الإعدادي يقول : نصحنا صديق والدي بالذهاب الى سيد يدعى (...) معروف هو واجداده بكرامتهم عند الله سبحانه وتعالى، وهم أيضاً معروفو النسب بعمل حجاب وأدعية لتسهيل أمر الدراسة وحصولي على معدل جيد يؤهلني الى دخول كلية مرموقة لأن ابنه وفّق ودخل كلية الهندسة وقد رأينا أن المبلغ بسيط جدا، فذهبنا للتبرك وقد شاهدنا كثيرا من الناس متواجدين لنفس الغرض وهناك مشاكل اخرى وبعضهم جاء ومعه هدية لان مراده تحقق. الفضائيات والطالع اخذت أعمال الشعوذة والسحر بعداً جديداً ومجالات واسعة بعد أن صار أربابها يتعاطونها من خلال الفضائيات والمواقع العديدة على شبكة (الإنترنت)، ثم امتدت حماها في مجالات الاقتصاد و(الرياضة) وغيرها، وقد لوحظ أن أعداد المتصلين بهؤلاء السحرة شهدت معدلات مرتفعة ومتوالية، حيث يتصلون هاتفياً بالفضائيات التي تقدم (برامج الكهانة والشعوذة) والتي يقدمها السحرة والكهنة باستغلال التقنيات الحديثة (!!) حيث يتنبئون للمتصلين بحظوظهم وبما سيكون لهم في مستقبل الأيام من خلال (قراءة بختهم)، أو ما يسمى (قراءة الكف والفنجان)، وإيحاءات (الكرة البلورية)، أو (معرفة الطالع بالأبراج)، مقابل مئات الدولارات من الأرصدة او كارتات الشحن للهواتف النقالة وفي بعض الحالات يطلب منهم السفر من دولة إلى أخرى لحل مشكلة ما او إرسال مبالغ مالية لعمل حل لها، تلك المبالغ مكلفة يقدمها من يتصل بأولئك السحرة ويطلب (خدماتهم)!! قارئة الفنجان قراءة الفنجان تعد عادة تركية قديمة كان يولع بها الأتراك، ثم دخلت إلى الهند، حيث إنه عندما يرغب شخص ما في معرفة حظه أو طالعه كان يذهب إلى المعبد ويشرب فنجان قهوته قبل دخوله المبنى، وبعد الانتهاء من طقوسه كان يخرج ليقابل (الكاهن) الذي يخبره عن مستقبله وعن كل ما يشغل باله. قارئات الفنجان اللائي كن في فترة من الفترات ملهمات لشعراء كبار من أبرزهم الراحل نزار قباني، حينما كتب قصيدته المشهورة (قارئة الفنجان) التي تغنى بها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وفيها: (جلست والخوف بعينيها تتأمل فنجاني المقلوب) إلا أن قراءة الفنجان لم تقتصر على كونها مجرد تسلية لتقطيع الوقت، أو أبيات شعر كتبت، بل تحولت إلى مهنة قد يمتهنها البعض ويجعلها مصدر رزق حقيقي. أم ماجد إحدى قارئات الفنجان، أوضحت في حديثها لنا أنها لا تعتمد على ضوابط معينة في تفسير الرسوم والرموز التي تحملها خطوط الفنجان وتابعت قائلة: عادة ما أطلب من الراغبين في رؤية فناجينهم البدء من جهة واحدة، وذلك من أجل تقسيم الأحداث وفق ذلك المكان، حيث تحمل الجهة المقابلة أحداث الحياة العاطفية، ثم الاجتماعية والمهنية، إلى جانب العائلية. وأشارت أم ماجد إلى أن هذه الأحداث تتدرج في الوقت حسب ظهورها بالفنجان، وأن الفناجين المكشوفة عادة ما تحتوي على أسماء وأشخاص تكون ملامحهم واضحة كأشكال وحروف، وأضافت:أن قراءة الفنجان لا تستدعي بالضرورة أن تكون القارئة على معرفة بالأشخاص الذين تقرأ لهم الفنجان، ولقد حدث معي ذات مرة حينما قرأت فنجانا لشخص لا أعرفه إطلاقا، وحسب ما أكده لي أنني استطعت كشف تفاصيل لا يعرفها أحد في حياته. من جهتها أزهار ماهر (موظفة) تقول : تعودنا شرب قهوة الصباح ومن باب التسلية مع زميلاتي في العمل نقلب الفنجان لقراءة الطالع وفي بعض الأحيان هنالك رموز توحي بشيء ما نفسره ربما يصادف حصوله، لكن تبقى المقولة الشهيرة بيننا (كذّب المنجّمون ولو صدقوا) وفي احيان كثيرة نقرأ ما نعرفه لنغرق في ضحك متواصل. (....) إحدى قارئات الفنجان تقول: بدأت بقراءته من باب التسلية إلا انه بمرور الوقت استطعت أن أفك الكثير من الرسوم، تضيف قائلة: إن الأشخاص الذين تقرأ لهم فناجينهم يؤكدون لها صحة أقوالها وبعضهم يبدأ في الحديث عن كل حياته الخاصة بمجرد منحه إشارة عن حياته الخاصة وأرجعت سبب إقبال الناس في الآونة الأخيرة على مثل هذه الأمور التي يعتبرها كثيرون ضربا من الخرافة إلى قلة الصبر والاستعجال ورغبتهم في معرفة الغيبيات، واستطردت قائلة: أمارس قراءة الفنجان منذ عقد من الزمان، لكنني لم أفكر حتى في امتهانها كمهنة رغم أن البعض يضع ما يسميه بياض الفنجان. أمثلة وإحصائيات عربية ذكرت بعض وسائل الإعلام حوادث وقصصا عن الحالة منها، أشخاص يتصلون بهم عبر الهاتف من دول إفريقية وربما خليجية ويخبرونهم بأمور شخصية متعددة، تدور حول أن هؤلاء الرجال والنساء مصابون بسحر أو بعين أو بمسًّ وأنه لا شفاء لهم إلا بواسطتهم، فمرة يأمرونهم بتحويل الأموال إليهم ومرة بذبح الذبائح وتوزيعها على المساكين أو بأداء العمرة، ولكي يؤكدون صدقهم فإنهم يذكرون أشياء من خصوصيات هؤلاء الرجال والنساء وأسرارهم، مما يتلقونه عن القرين الجني لكل واحد منهم، والذي يخبرهم بما يشاؤون لكونهم من أوليائهم الذين دخلوا في عالم السحر والشعوذة والكفر. وقد وصل الحال بإحدى النساء العربيات في دولة خليجية والتي عرضت على احد المشعوذين مخاوفها، طالبة المشورة والمساعدة لأن تقدم مئات الآلاف من الدولارات!! إلى مبلغ يعادل مليون ونصف المليون بعملة بلدها، وكان الذي أشكل عليها أن هذا الشخص الذي ابتزها كان يخبرها بأشياء لا يعلم بها أحد ممن حولها وهي من أسرارها وقد وضحت لها حقيقة الأمر، وأنهم يستغلون التواصل مع القرين الجني! ولا يزال كثير من الناس يعيشون هذه المخاوف وربما رضخ بعضهم لمطالب هؤلاء المشعوذين ونفَّذ لهم ما يريدون، ولم تكن الخسارة حينئذ بفقد الأموال... بل بأعظم من ذلك وهو الخلل الذي أصاب الناس وإذا أردنا توضيح حجم التأثر بأعمال الشعوذة والكهانة فلنا أن نقف مع بعض الأرقام الآتية: ففي إحصائية قام بها مركز البحوث الاجتماعية والجنائية في مصر وضحت أن ما يُنْفَق سنوياً على أعمال الدجل والشعوذة يبلغ ما يعادل نحو ثلاثة مليارات من الدولارات ونصف المليار ! دراسات وبحوث ولتأكيد مسألة أن المرأة الأكثر إقبالا على السحر والسحرة من الرجل وجدنا دراستين تناقشان هذا الأمر؛ الأولى هي الأحدث لباحث بالمركز القومي للبحوث الجنائية الاجتماعية، أكدت الدراسة أن نصف النساء يعتقدن في السحر والخرافات، وأن للجان تأثيرا على مجريات حياتهن، كما أكدت الدراسة أيضا أن النساء يتفوقن كثيرا على الرجال في هذا الأمر، ويصل عدد المترددات على السحرة والمشعوذين من النساء ضعف عدد الرجال. وأضافت الدراسة أن البشر - رجالا ونساء - ينفقون أكثر من 10% سنويا من مدخولهم على قراءة الطالع وفك السحر والعلاج من الجان، الدراسة الثانية أعدتها أستاذة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أكدت هذه الدراسة أيضا أن النساء هن الأكثر اعتقادا في السحر والشعوذة والأكثر ترددا، وكشفت الدراسة عن أشياء خطيرة أخرى، حيث أكدت أن 55% من المترددات على السحرة من المتعلمات، و24% يجدن القراءة والكتابة، و30% من الأميات.. نفس النسب تقريبا تنطبق على الرجال. وأضافت الدراسة أن 51% من المترددات متزوجات، وهو ما يوضح المشاكل الزوجية، و2.1% من العوانس الراغبات في نيل رضا المحبوب.. الطريف أن الدراسة كشفت عن أن 57% من المترددات اعترفن أنهن لم يحققن شيئا، في حين أعرب 42%عن اعتقادهن أنهن استفدن من السحر. رأي علم النفس طرحنا الدراستين على الأستاذ فيصل غازي أستاذ جامعي في علم النفس، وهل تنطبق أو لها التأثير نفسه على واقعنا العراقي فأجاب: الأسباب عديدة، لعل أهمها تفشي الأمية وانعدام الثقافة بمجتمعنا والظروف التي مر بها وحالات اليأس التي اعترت الكثير من الناس لاسيما أننا من الشعوب التي تتميز أيضا بالاعتقاد في الخرافات والأساطير الشعبية الوهمية عن الجان وقدرته، بالإضافة إلى أنه هروب من الواقع، كما أن المرأة أضعف من الرجل ويستغل المشعوذ أو الساحر هذا الضعف ليخضعها لسيطرته وتستجيب لطلباته إرضاءً للجان، كما أن الرجال أكثر عقلانية من النساء ولا يتم خداعهم بسهولة، وهنالك حالات جديدة وعديدة ظهرت للعلن بعد ما اعترى مجتمعنا من هزات وحوادث جميعها أثرت سلبا وزادت من تفاقم الحالة ، ليس على صعيد المعتقد والثقافة إنما على جميع الصعد، كما يؤكد أستاذة علم الاجتماع على كثرة تردد المرأة على المشعوذين عن الرجل، وأرجع ذلك لأن المرأة أكثر تصديقا للشائعات، فهي تصدق بسهولة أن الدجال يستطيع حل مشاكلها، كما أنها تجد في السحر وسيلة سهلة ومريحة لحل الأزمات التي تتعرض لها وتميل للبوح بما يؤرقها بصورة أكبر من الرجل، بالإضافة إلى أن لديها وقت فراغ أطول ومسؤوليات أقل! نبذة عن تاريخ السحر قديماً وحديثاً في عهد إبراهيم الخليل كان سحر أهل بابل وكانوا قوماً صابئيين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها، وعملوا أوثاناً على أسمائها، وجعلوا لكل واحد منها هيكلاً فيه صنمه، ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقة ذلك للكوكب الذي يطلبون منه بزعمهم إليه بما يوافق المشتري من الدخن والرقى والعقد والنفث عليها ، ومن طلب شيئاً من الشر والحرب والموت والبوار لغيره تقرب بزعمهم إلى زحل بما يوافقه من ذلك، ومن أراد البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمهم إلى المريخ بما يوافقه من ذبح بعض الحيوانات. وكانت السحرة من خلال عبادتهم للكواكب وكل ما دعا إلى تعظيمها تموه بحيل على العامة، زاعمة لهم أن سحرهم لا ينفذ ولا ينتفع به أحد ، ولا يبلغ ما يريد إلا من اعتقد صحة قولهم وتصديقهم في ما يقولون، ولم تكن ملوكهم تعترض عليهم في ذلك، بل كانت السحرة عندهم بالمحل الأجّل لما كان لهم في نفوس العامة من التعظيم والإجلال، ولأن الملوك في ذلك الوقت كانت تعتقد ما تدعيه السحرة. وفي زمن فرعون كان الناس، يتبارون بالعلم والسحر والحيل، ولذلك بعث الله إليهم موسى عليه السلام بآياته (الآيات التسع: هي العصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة وفلق البحر – تهذيب الأسماء واللغات للنووي – ص 120) التسع التي علمت السحرة أنها ليست من السحر في شيء، وأنها لا يقدر عليها غير الله تعالى، وفي عهد سليمان كان السحر متفشياً، فجمع سليمان كتب السحر والكهانة ودفنها تحت كرسيه، فلم يستطع أحد من الشياطين أن يدنو من الكرسي فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذين يعرفون الأمر، جاء الشيطان في صورة إنسان فقال لليهود: هل أدلكم على كنز لا نظير له؟ قالوا نعم. قال : فاحفروا تحت الكرسي فحفروا – وهو متنح عنهم – فوجدوا تلك الكتب، وكانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا تحكم على السحرة بالإعدام حرقاً، وفي اسكتلندا كانوا يعاقبونهم بإلقائهم في إناء حديدي كبير مملوء بالقار، وكانت إنجلترا أو بعض دول أوربا تعدمهم شنقاً أمام الجمهور، وكان عقاب الساحر أو الساحرة في أميركا الإعدام شنقاً في أقرب شجرة بالطريق. ولكن أبشع وأقسى طريقة اتبعت لعقاب الساحر هي التي طبقتها محاكم التفتيش بإسبانيا ، فقد أعدت هذه المحاكم غرفاً مخصوصة مزودة بكافة آلات التعذيب التي لا تخطر على بال البشر ، وأطلقوا عليها (غرف التعذيب أو الاعتراف) فعند القبض على الساحر واعترافه مبدئياً بمزاولته السحر يدخل غرفة التعذيب حيث تجري عليه العقوبات الآتية: يعلقونه من ساقيه بعد ربط يديه إلى جانبيه في عجلة كبيرة بحيث يكون رأسه إلى أسفل ثم تدور العجلة دورات عنيفة عدة، حتى إذا ما دارت وجعلته في الوضع الصحيح (أي انقلب وضعه وصار رأسه فوق ورجلاه تحت) يبدأون في تقليع أظافر يديه واحداً بعد الآخر، ثم تدور العجلة وتضعه في وضع أفقي ويختارون من جسده الجهات المختلفة باللحم والشحم كالكتفين أو الفخذين، أو الساقين ويشقون فيها طرقاً طويلة أو قصيرة حسبما يتراءى لهم ثم يصبون فيها الزيت أو القار المغلي ثم يضعونه في الوضع المقلوب الأول ويفقئون عينيه بمسامير كبيرة محماة وينهون هذا العذاب أخيراً بحرقه. ونظراً لهذا العذاب الأليم كانت المحاكم في إسبانيا لا تقرر مجازاة الساحر إلا بعد اعترافه الصريح بمزاولة السحر بناء على اتفاق أو عقد أبرمه مع الشيطان، وعلى الساحر أن يقرر هذا – كتابةً - ويبين في إقراره متى وأين عقد اتفاقه، وما هي نصوص الاتفاق ومدته وعلى أي صورة كان يظهر له الشيطان، وما هي المواد التي يستعملها في سحره، ومن يحضرها له، ولمن كان يسحر ولصالح من ولضرر من؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لا تجعل هناك محلاً للشك في نوايا الساحر أو عقابه زوراً، وانتقل السحر من أوروبا إلى آسيا ووصل إلى جزيرة جاميكا والأمريكتين وقد ذكر المستر (ويليامز ) عن سحر أهالي جاميكا وفنونهم الشيء الكثير في كتابيه الصادرين سنة 1932 ، 1935 م ، وما زال في الأمريكتين من يعملون بالسحر لوقتنا هذا. ورغم العقوبات وأنواع التعذيب التي فرضتها الحكومات الأجنبية على السحرة والساحرات إلا أن كل هذا لم يكن كافياً لشل حركتهم أو شوكتهم أو تخويفهم أو استئصال بذور الشر من نفوسهم. وفي القرن الثامن عشر عندما ألغيت عقوبة الإعدام على السحرة واستبدلت بعقوبة الحبس البسيط أو الغرامة، وجد الناس الفرصة الطيبة لمزاولة السحر وتعلمه والعمل به جهراً، وتكونت الأندية والجمعيات السحرية التي ضمت عدداً كبيراً من الرجال والنساء من مختلف الطبقات، وأدى تخفيف العقوبة إلى رواج الدجل والشعوذة، وكان من يخشى اللوم أو العتاب يدعي إنه يعمل في علم الكيمياء الذي اشتهر أمره في هذا الوقت، وكان بعض السحرة في القرن المذكور يقطن بين القبور والأمكنة الموحشة ويتجسدون في أجساد الموتى ويسطون ليلاً على الآدميين فيمتصون دماءهم واشتهروا في هذا الوقت باسم (مصاصي الدماء)، وزاد عددهم في فرنسا وروسيا والمجر وبولندا، وراجت بهذه المناسبة الوصفات السحرية التي تحصن الشخص ضد شاربي الدماء. 

 

 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2