تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


أبو الخصيب حلم العشق الضائع


غيث السراي 

مدينة تهمس لك أن أدخلني، وكم تخال نفسك واثقاً، إلا أنها ثقة تزول حالما تدخلها، وتلقي بسحرها عليك، فيعلق البصر في كل انحناءة من التواءات طريقها، وتفوتك مناظر عدة وتعيد الكرة في طرقها، ولكن لا جدوى فهي ساحرة رغم ما أصابها من ضيم الزمان ،إنها أبو الخصيب.


هي أكثر المدن شهرة بأسماء أنهارها فقد أخذت تسميتها من نهر أبي الخصيب وهو الذي أخذ اسمه من المدينة، والحقيقة أن الاثنين أخذا هذا الاسم من مؤسس هذه المدينة (مرزوق الخصيب) وهو صاحب الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي، وحفر فيها نهراً أطلق عليه (نهر أبي الخصيب) عام 140هـ.. وكان لهذه البلدة القديمة حضور قوي في التاريخ عندما اتخذ (صاحب الزنج) من منطقة أطلق عليها اسم (المختارة) التي بناها على نهر أبي الخصيب عاصمة له إبّان العهد العباسي عام (255 – 270 هــ) وهي مركز قضاء أبي الخصيب وهو قضاء زراعي بالدرجة الأولى يحتوي على أجمل البساتين وأفضل أنواع التمور . أبو الخصيب والشعراء

في قرية (ابكيع) الكائنة في منطقة جيكور تفتحت شاعرية (بدر شاكر السياب) ومن منطقة (باب سليمان) أطل الشاعر سعدي يوسف على العالم ومن أحد أحيائها المسمى (الجلاب) بدأت تجربة الشاعر مصطفى عبد الله، وبالقرب من (منطقة المحيلة) ترعرع صديق السياب، الشاعر محمد علي الاسماعيل.

ومن أنهارها التي خلدها السياب في قصائده (بويب) وهو نهر يقع في إحدى قرى أبي الخصيب ذكره بدر شاكر السياب في قصائده لأنه ذاكرة حبّه الأول .

يتفرع نهر أبي الخصيب إلى 172 فرعا، تروي عشرات البساتين من النخيل والفواكه التي تقع على جانبي الأنهر التي تحيط بهذه المدينة كعقد يطوق رقبة سمراء جميلة وتماشي المدينة شط العرب من بدايته حتى نهاية حدوده الإدارية مع قضاء الفاو.

المدينة لها ثلاثة مداخل، (المطيحة) القرية الفقيرة غربا، أو من الجسر المقابل لنصب السندباد، الذي يلتقي مع طريق (منّاوي باشا)، شرقا المميز بقصوره الحديثة الفارهة، أو من (طريق الحكايات) كما سمّاه القاص البصري محمد خضير، وكما يقال أن في كل ثنية منه حكاية، من حكايات إلتواءات ذلك الطريق أيضا بقايا حكاية مدينة (المختارة) التي كانت عاصمة علي بن محمد صاحب الزنج وقائد ثورتهم الشهيرة تلك في القرن الثالث للهجرة، والتي تقع الآن بقاياها في ضواحي مدينة أبي الخصيب. 

طريق الحكايات

من الحكايات الكثيرة حكاية  (مسجد السراجي) وهو من المساجد القديمة جدا في البصرة، فكما يقال أنه بني عام 675 هـ على هذا الطريق العتيق ، أما تسمية ذلك المسجد (السراجي) ، هناك ثلاث روايات عن هذا الموضوع، الأولى تنسبه إلى سرّاج كان يصنع سروج الخيل في هذه المنطقة وكان عنوانا لها، والثانية بأن هناك شيخين صالحين تعاقبا على مسجد القرية ذاك، وسمياّ بسراجي المسجد، الرواية الثالثة وهي التي تنسبه إلى شخصية (أبي زيد السروجي) بطل (مقامات الحريري) الكاتب البصري والتي لا تزال بقايا أطلال قصره قائمة حتى هذه اللحظة في أهوار شمال البصرة في قرية اسمها (حرير) هذا على افتراض أن تلك الشخصية واقعية. 

تقطع ذلك الطريق إلى مركز القضاء، الجسور الخشبية أو الحديدية على الأنهار التي تبتعد غربا مانحة القرى التي تمر بها أسماء أخذت من الأنهار ذاتها، تلك الأسماء الغريبة (أموسيان أو عويسيان.. وهي تصغير لكل من عيسى وموسى مع إضافة ألف ونون، كما تقتضي لهجة هذه الأنحاء) وفي أحيان أخرى نطل من على تلك الجسور على بداياتها الواسعة التي تأخذها من شط العرب ، ثم تنزلق نحو الغرب لتضيق او تتحول لترع في بيوت وبساتين تلك المدينة، وابتداء بنهر الخورة الذي يتفرع قريبا من جنوب مركز المدينة، وصولا إلى نهر أبي الخصيب نفسه. كل تلك المسافة التي تبلغ 50كم مأهولة تماما بالبيوت المتواضعة والمحلات المتناثرة وسط بساتين النخيل وأشجار الفاكهة الأخرى التي تجاور قصورا فارهة تطل على الطريق ، كما تتفرع من ذلك الطريق طرق فرعية أخرى تتلوى وتتثنى أيضا بين البساتين والمحلات السكنية القديمة، وتكون أحيانا معبدة ، وكذلك قصبات بعض القرى الصغيرة ودكاكينها المتجاورة البسيطة مثل قصبة حمدان بلد ، أو قصبة نهر خوز التي لها حكاية مع الحلاوة سنأتي على ذكرها. 

تمرٌ وورد

تعتبر تمور أبي الخصيب من أجود أنواع التمور خصوصاً التمر(البرحي والحلاوي) اللذين كسبا شهرة واسعة في العالم .. بالإضافة إلى أنواع التمور الأخرى مثل (الخضراوي، الساير، البريم، الزهدي والخستاوي).

وتعد منافذ أبي الخصيب من المنافذ المهمة للتصدير العالمي ،وخصوصاً في منطقة السراجي التي كانت تتجمع فيها التمور للتصدير، وكما تمتاز بمكابسها الموسمية أثناء جني المحصول والرائجة على طول السنة. ومن أشهر مكابس التمور هي التي أنشأتها شركة (أصفر) وكانت تدار من قبل (الكونت البير اصفر) وتقع في ثلاث مناطق هي: مكبس الحمدانية ويقع في منطقة حمدان، ومكبس الرباط ويقع في مقاطعة الرباط، ومكبس الحسيبية ويقع في مقاطعة الحسيبية.. وهي من أوائل المكابس التي شيدت في العراق وكانت تدير عمليات التصدير فيها عشرات الشركات الأجنبية لتحمل التمور الى الأسواق العالمية في (لندن، فرنسا، أميركا، الهند وروسيا) وكذلك إلى دول الخليج العربي. وفي عام 1913 ولأول مرة تم تصدير فسائل التمور الى أميركا، وتمت زراعتها في (ولاية كاليفورنيا الجنوبية) وكذلك إلى الهند لزراعتها في إقليم البنجاب . 

قطع خمسة ملايين نخلة

الغريب في هذه المدينة أنها اشتهرت بزراعة أنواع من الورد وكانت تحوي العديد من معامل ماء الورد،  فالطريق الملتوي الموازي لشط العرب المستظل بأشجار النخيل ، تحف به شجيرات ورود الفل والدفلى والرازقي بكثرة لا نظير لها، فأنشئت فيها معامل ماء الورد والتي اختفت في الوقت الحاضر أزهارا ومعامل ...واستبدلت بأسيجة متنوعة خدشت جمال المدينة!!

في عام 1986 نفذ ما كان يسمى بـ(الجهد الهندسي) لوزارة الإسكان خطة بقطع خمسة ملايين نخلة إبتداء من جنوب ألقرنة إلى قضاء الفاو، خشية أن يحتمي المهاجمون الإيرانيون بتلك الأشجار.. إضافة إلى ما احرقته تلك المدفعية. ومع توقف تلك الحرب نقل منها صدام مليون نخلة من (البرحي) وهي بحجمها المثمر إلى عموم قصوره وقصور أركان نظامه.. في مختلف مدن العراق، والى مناطقه الغربية تحديدا، ثم يأتي على ما تبقى من ذلك النخيل من تهريب نفط العراق العشوائي وبطرق بدائية من على تلك الضفاف الوارفات، إذ تتسرب مع نقل تلك الكميات من النفط ومشتقاته، كميات ليست قليلة إلى مياه شط العرب وفروعه الكثيرة هناك لتسقي بساتينه وتقتل نخيله.

تبعد أبو الخصيب عن البصرة (20) كم الى الجنوب، كانت في العهد العثماني قضاء يتبع للواء البصرة، في عام 1865م استطاع نامق باشا أبان ولايته الثانية على العراق عام (1861 – 1868 ) استعادة مقاطعة أبي الخصيب من أيدي العشائر المسيطرة عليها  التي حطمت التجارة فيها بسبب جهلها التجاري وقلة وعيها وعدم إدراكها لأهمية المدينة، وجعلها تحت نفوذ متسلم البصرة، وقام بربط وارداتها بصورة مباشرة بالخزينة .. وبذلك عادت الثقة إلى التجار والملاكين . وفي تاريخ 16/6/1941 شغل (عبد الله محمد الشبل) منصب معاون أبي الخصيب وهو من مواليد الزبير - خريج ثانوية البصرة ، وفي عام 1940م شغل صالح الحمام منصب قائممقام القضاء، كما حكم القضاء الأستاذ عبد الهادي وكان خريج كلية  الحقوق آنذاك.

أُسر أبي الخصيب

ومن الأسر المعروفة في القضاء: بيت سيد محمد بن السيد بركات، أسرة السيد محمد بن ياسين الرديني صاحب الحلقة الردينية، وأسرة الحاج عبد الواحد آل المبارك وأسرة المناصيري وأسرة آل السياب وعميدها الشيخ سياب المرزوق واشتهر من هذه الأسرة عبد القادر السياب من مواليد أبي الخصيب الذي انتخب عام 1938م نائباً عن لواء البصرة.

حلاوة نهر خوز

ولم تكتف هذه البلدة العذبة بأن تمنح زائرها كل هذا ولأنها كريمة معطاء صنعت لهم حلاوة (نهر خوز)، وهي أشهر حلاوة في العراق، حتى راحت تضاهي أو تزاحم جكليت (ماكنتوش) وسابقا كان إنتاج هذه الحلوى محصورا بعائلة واحدة فقط تتفرد بصنع هذه (الحلاوة) الشهيرة في قرية (نهر خوز) تحديدا، تلك (الحلاوة) التي امتدت شهرتها إلى أغلب أنحاء العراق، وحتى خارجه ، أما الآن وبعد تسرب سرّ المهنة إلى الآخرين وانتشارها لدى باعة كثيرين، فإن هذه الصنعة تكاد تنقرض من المدينة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2