تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


محمد أمين زكي كتب تاريخ شخصيته بصمتٍ وهو يردد:الوطن ليس بحاجة الى مفاخر شخصية


محمد أمين زكي ( 1880 – 1948) نهض بأعباء كتابة التاريخ الكردي في جو عاصف، أو في حقبة بدأ فيها الكرد يشعلون فتيل الثورات على الجبال الشم بين قوى لا تريد لأمة الكرد أن تتنسم الحرية في ارض كردستان ارض أجدادهم القدامى ، وكان محمد أمين زكي يكتب هذا التاريخ بروح المودة ولا يتعالى ، ويضع النقاط على الحروف التي ينبغي أن تقرأ، 


ولا يبغض قوما من أقوام العراق ولا يثير غرائز الجيرة التاريخية ، إنما كتب يرضي الذات أولاً ، ويرضي شعبه المهضومة حقوقه ثانيا ، ويجلس على عرش التاريخ كأنه يؤدي أمانة التاريخ ..! رجال أجيال عصور أناروا فكرة القومية الكردية وهو من كوكبة رائدة بعثت الشعور القومي لدى كل صاحب إرادة نافذة في الشعب الكردي ، ومن هذه الكوكبة : إسماعيل حقي بابان ( 1876- 1913 ) وتوفيق بيره مير ( 1867 -1950 ) وتوفيق وهبي ( 1891 -1984) والشيخ محمود الحفيد ( 1881 – 1956 ) ورفيق حلمي ( 1898 – 1960 ) والملا مصطفى البارزاني ( 1903 – 1979 ) .. وكان هؤلاء وغيرهم من أجيال العصور أناروا فكرة القومية الكردية ( كل من مجاله الحيوي ) وأسسوا لتاريخ شريف ، هو تاريخ الكرد المعاصر المضمخ بعبير الدم . ملامحه أو معالمه : 1- بطاقاته المتعددة أسهم مع الرعيل الاول في بناء القاعدة المنهجية التاريخية للدولة العراقية الحديثة ، فقد شغل عدة وزارات ووضع لكل وزارة منهجا في تطور سياقها بجهد يومي او بجهد عقلي ، وأظهر من خلال أضابير تلك الوزارات خبرته في الري والاقتصاد والنقل والدفاع ، من دون أن يثير ضجة او من دون أن يتباهى في البرلمان ، وعندما كان يسأل في صحافة يومئذ عن انجازاته في الوزارة المعينة يجيب : ( الوطن ليس بحاجة إلى مفاخر شخصية) كره الغرور الوظيفي وكره التضخيم الشخصي ، وكان يقول ( مقدر علي الواجب ) وسمي في حينه ( برجل الواجب ) من بين رجال كان همهم الوحيد تضخيم أدوارهم في بناء الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي وكتب تاريخ شخصيته بصمت ..! 2- عمل في عشرات الأبحاث التي نشرها بعدة لغات على موازنة دقيقة بين العرب والكرد ، وبرهن أن العراق شراكة تاريخية ، وان لهذه الشراكة جذورا ضاربة في القدم ، ولا يستقر العراق إلا في شراكة موزونة بأحوالها ومقاديرها ، وأي خلل يصيب هذه الشراكة سيظهر الخلل في نهر وجبل وسهل ، وإذا توسع الخلل سيدب خراب التاريخ ، ولذلك التوازن الدقيق في نظرته القومية وأبعادها الأفقية أحبه الجيل العربي الرائد، أحبه كل رئيس وزارة عراقية وجعله في تشكيل وزارته ، بل جعله رواد القومية العربية :(همزة وصل بين القوميات جميعاً) وكان ياسين الهاشمي يسعى لاستقطابه إلى المعارضة البرلمانية ضد عبد المحسن السعدون لكنه رفض قائلا: (أجعلوني حمامة دفء) إذ أراد بذلك أن يكون مع الكل : شاطئ سلام، ليس من باب العزلة والاعتزال عن كتل التطاحن السياسي، إنما هكذا كانت (دخائله: سعي نحو العام والأعدل والأعلى.. نحو وطن الجميع ..! ). 3- كان من بين قلة يقدم دراسة نظرية – عملية عندما يشغل وزارة أو مديرية عامة ويقول لمجلس الوزراء:(هذه مقترحات) ولم يقل دراسة نظرية لتواضعه، ويرد عليها نوري السعيد أو ناجي السويدي: (ما أصوبها..) ويقوم هو بتنفيذها فورا ويوصي ملاكاته بالنزول معه الى الميدان ، ويكشف في الميدان الحقائق العملية، يكتشف أن التاريخ الحقيقي يكتب في الميدان ..! كان رجل عمل ، من طراز القادة الميدانيين ، يربط روحه بروح اللحظة ، ولا يتهاون ولا يتكل ، والهندسة ( اختصاصه ) علمته قياس الحجوم والمسافات وكيف يقيس البعد والآلة والزمان ، والعسكرية ايضا اختصاصه علمته الضبط في وحدات الأرض والزمان وكيف يخضع الزمن لقياسات عقله الثاقب ، والتاريخ أيضا (مهنته) تعلم منه التأني والصمت وهدوء الخاطر ، وفي هذه كتب عن تاريخ أمته وكتب عن تاريخ الطلائع الأولى التي أسست الإمارات الكردية، كتب عن الشوق الكردي وعن نزيفه المستمر، ولأجل كل ذلك سمي ( أبو التاريخ الكردي ) لان أبوته للتاريخ ليس فيها انحراف وجهالة، وليس فيها ( مزاودة ) على أحد. نشأته وتاريخه : أسمه ( محمد أمين زكي ) اسم مركب ، وهو ابن الحاج عبد الرحمن بن محمود ( نو سيوه تي ) ولد في محلة (كويزه ) بمدينة السليمانية التي أكمل فيها الابتدائية ( مدرسة الملا عبد العزيز ) ثم ( الرشدية ) العثمانية المتوسطة ، وفي هذه المرحلة درس الفارسية والتركية والعربية من خلال ديوان أبيه ، وظهرت أولى ميوله في الشعر وقراءة المتون الدينية . . ثم رحل إلى بغداد وضم إلى ( الإعدادية العسكرية ) 1896 – 1899 ، وفي بغداد برز من بين طلاب الإعدادية العسكرية بكتابة الشعر الوجداني ونشر عدة قصائد أفضلها مرثاة يرثي بها (السيد طه) أحد أعلام الكرد المشهورين رحل الى الأستانة وانتمى إلى ( المدرسة العسكرية ) ودرس فيها الهندسة العسكرية وتخرج فيها برتبة ملازم 1902 ، ثم ألتحق بكلية الأركان الحربية وتخرج فيها برتبة رئيس 1904 وأثناء وجوده في الأستانة برع في كتابة القصائد المتأثرة بالشهنامة وبشعراء الفرس الكبار، وأيضا مارس الكتابة في التاريخ العسكري وفي أهمية رسم الخرائط العسكرية في الحروب ، وكان وهو على مقاعد الدراسة العسكرية قد عين (محرراً عسكرياً) في جريدة (وقت التركية) التي نشر فيها جملة تحليلات عسكرية حول حروب الإمبراطورية العثمانية وحروب نابليون ، ونشر أيضا في صحف الاستانة من أمثال : ( جريدة طنين ) و( تصوير أفكار ) وكانت مقالاته التاريخية – العسكرية في هذه الجرائد قد أعجبت القائد التركي الشهير ( كمال اتاتورك ) مؤسس تركيا الحديثة ، وكان بينهما هذا الحوار : * شعرت بنفس كردي في مقالاتك .. ؟ - لا ضير ، كل يملك حريته ..! * ولمن ولاؤك ..؟ - لفجر الحرية ..! * هل يعني ذلك انك ثائر . . ؟ - للحق ، للعسكرية التي تعلمتها ..! * وما العسكرية الحديثة ..؟ - إزاحة الكابوس أولا والنصر أولا ..! وعرف أتاتورك بذكائه ، إن محمد أمين زكي هو في عداد مدرسته العسكرية فأمر بتعيينه في الجيش السادس ومقره في بغداد ، وانتقل بعد مدة الى الأملاك السنية لكنه حنّ إلى عسكريته الاولى واستقال وعاد إلى العسكرية في الاستانة ..! وفي هذه المدة 1909 عين عضوا في لجنة ترسيم خريطة الأستانة فأبدع فيها ورسم الخريطة بإبداع طوبوغرافي أثار إعجاب الصحف التركية ، ثم لإحساسه العالي في هندسة الخرائط كلف في سنوات 1910 و1912 و1914، بترسيم الحدود التركية البلغارية والحدود التركية الروسية ، فكان بذلك احد أعلام رسم الخرائط العالمية في نظر الكتب العسكرية التركية مما سهل بعثته لتطوير اختصاصه بفن الخرائط العسكرية في الكليات العسكرية الفرنسية ، وهناك ايضا أعجب به القادة الفرنسيون ومنحوه الشهادة العليا بفنه 1913 . ودخلت تركيا الحرب العالمية الأولى في عدة جبهات واشترك فيها محمد أمين زكي جريئا شجاعا وحقق انجازات عسكرية سجلت باسمه ، ومن انجازاته ( كما تتحدث اضبارته ) تسلم أسلحة القائد البريطاني ( طاو نسند ) الذي خسر معركة ( الكوت ) أثناء حصارها المعروف سنة 1916 ، وفي اضبارته ايضا نيله عدة أوسمة عالمية تثمن فيه فكر وشجاعة القائد العسكري ، وثمة عدة تقارير من رؤسائه الاتراك تشيد بحنكته وقوة شخصيته وخلاصتها : ( محمد امين زكي عسكري متفرد ، متأمل ، ذكاء في التخطيط العسكري ، مناور ..). وانهى في تركيا كل ارتباطاته ، وعاد الى بلده سنة 1924 ، وفيصل الاول يرنو إليه بمودة وتأمل ، وعندما صافحه في أول لقاء عينه آمرا للكلية العسكرية فوضع لها نظاما جديدا من نفسه العسكري ومن روحه دينامية الحركة والتجديد ، وصعد إلى رتبة عالية . وزارته وتكافؤه : وفي عام 1925 بدأ يشغل وزارة اثر وزارة ، فشغل وزارة المواصلات في وزارة السعدون ، وفي وزارة جعفر العسكري 1926 ، شغل وزارة المعارف 1927 وهيأ لها مناخا تعليميا وطنيا ، وفي مقالة له نشرها في ( مجلة الغري ) عن فلسفة التعليم سنة 1947 نتعرف على فلسفته تلك ابتداء من تنشئة الروضة الى تنشئة التعليم العالي بهذا الحس التربوي الذي تمتع به ، او بهذه الخبرة الوطنية التي امتلأت بها جوانحه التاريخية ، وما زالت مقالته تحمل نكهتها لتشكل منظورا متكاملا في رؤية الرواد الى تعليم البلد وتطوره الفكري ..! ثم شغل وزارة الدفاع بوزارة توفيق السويدي 1929 وفيها اعاد التخطيط لبنية ( التجنيد ) ولمديريات الاستخبارات العسكرية ورمم الاركان ، واستقال منها لان كتلا متطاحنة تريد وزارة تصرف غاياتهم الخاصة ، وهو ينبذ التطاحن او الخصومة .. وشغل وزارة الاقتصاد في وزارة نوري السعيد 1931 وفي وزارة جميل المدفعي الثالثة 1935 وفي وزارة رشيد عالي 1940 ، وهل يعني اشتراكه في وزارات عدة وتحت أياد عدة مراكز قوى متضاربة في أمزجتها السياسية سر من الأسرار ، نعم هو سر لأنه اولا عنصر جذب للمراكز كلها ولانه لا يثير معارضة كريهة ، ولأنه ( من الرجال العاملين ) أولئك يجلدون الذات لحظة العمل – اولئك يدفعون العجلة دائما الى الإمام وبدون صراخ ..! وفي وزارته لم يقبض ثمنا حراما ، ولا وزع المال على أكراده ، ولم يقطع بستانا له او لأصدقائه ، ونظر الى كردستان مثلما نظر الى افاق العراق وحدة في ايقاع متصل الأبعاد ، وكاد الوطن يبلغ فيه الى مستوى التأريخ الانساني ...! نائب البرلمان : وكان يرشح للنيابة بين وزارة وأخرى ، تنفيسا له عن هواجس لا يبوح بها في مجلس الوزراء ، فقد أنتخب نائبا عن مدينته السليمانية في عدة دورات انتخابية في سنوات 1925 و1928 و1935 و 1937 وفي سنة 1938 – 1939 – 1943 وأنتخب مرة عن أربيل سنة 1932 ، ورفعته الجماهير حبا به وبعبقريته المتوازنة ، وصوت له الرأي العام الكردي لأنه قاعدة الولاء للتاريخ الكردي ، ورجعة الى محاضر جلسات البرلمان العراقي سنكشف أمانته لأبناء كردستان وحرصه في أن يكون المدافع الشريف عن هموم الفقراء ، أن يكون صوت عصرهم وكان بأمانة التاريخ . وفي سنة 1943 عين عضوا في ( مجلس الأعيان ) وأدى الدور كما ينبغي أن يؤديه الشيوخ . . وكان يخرج معه الى النيابة من وجهاء الكرد كل من : أحمد مختار عثمان ومحمد صالح مرزا فرج وعزت عثمان ورؤوف الشيخ محمود وصبري علي أغا وسيف الله خندان ويقولون له : ( محمد أمين زكي أنت الناطق باسمنا وأنت المدافع . . ) لكنه يرد عليهم : ( خذوا أدواركم . . ) إذ كان لا يريد أن يثير عليه شكوك أعداء الكرد وهم كثرة. 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2