تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


المرأة العراقية بين الألغام والنفايات ومساطر العمال


خاص - نرجس

نساء الأنقاض هو مصطلح يطلق على نساء ألمانيا التي قامت بإزالة أنقاض المباني المهدمة إثر الحرب العالمية الثانية من داخل المدن.إثر الحرب العالمية الثانية تحديدا عام 1945 اذ كان هناك حوالي 3,5 مليون منزل مهدم أي ما يعادل 400 مليون متر مكعب. ولكون معظم الرجال فقدوا خلال الحرب والبعض الآخر عاد ولكن يعاني من إصابات الحرب، 


وجدت النساء أنفسهن مضطرات لإزالة أنقاض الحرب. وبالإمكانات البسيطة لم تستطع النساء إخراج هذه الأنقاض خارج المدينة فعملت على تجميعها في نقطة معينة داخل المدينة، كل ذلك كان بالإضافة إلى العناية بأسرها. و بلغ عدد نساء الأنقاض في برلين حوالي 60,000 حولن الأنقاض إلى جبال اصطناعية داخل المدينة وما زالت هذه الجبال إلى الآن وقد تحولت إلى أماكن استجمام بعد أن قام الفنان فرتز كريمر بتكريم نساء الأنقاض من خلال عمل نصب تذكاري لجهودهم. فكم نصب تذكاري علينا أن نعمله عراقيا لنساء العراق وهن يعملن في معامل الطابوق والبناء والبحث في النفايات والألغام والتحطيب وبيع الخضراوات والأسماك وعلب الدخان في اغلب مدن العراق !!! العراق والمرتبة الأولى في (معاناة النساء) تميزت المرأة العراقية منذ القدم وكانت ولا تزال معيار نهضة المجتمع وتقدمه فهي الفلاحة التي حرثت أرض الفراتين وزرعتها فأثمرت خيرا، هي راعية الأغنام والأنعام وراعية البيت وربَّـته، وهي الشاعرة والمربية والمهندسة والطبيبة وطالبة علم وأستاذة جامعة وهي المدرسة المربية للأجيال، وهي عالمة الذرة والرياضيات وليس من مجال يُذكر وليس فيه مبدعة. فكيف هو حال واقعها الآن في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية والوضع المعيشي الصعب الذي اضطرها أن تعمل أعمال شاقة لا تتناسب مع واقع مجتمعها الثري ولا تاريخها الريادي في مجالات عدة . تشير الإحصائيات الدولية الى ان اكثر من 35% من الأسر تعيلها نساء غير متزوجات أو أرامل، وتتسلم الأرامل اللاتي سجلن في الحكومة 40$ شهريا تكاد لا تكفيهن للعيش بمفردهن. وهن لا يمتلكن أية حماية اجتماعية، والكثير منهن يتوجهن إلى الشوارع مع أطفالهن لبيع الحلوى أو التسول. مساطر النساء مسطر نساء على غرار مسطر الرجال وساحات أنشئت في المناطق الفقيرة تتجمع فيها النساء الراغبات في العمل بالأعمال اليدوية الصعبة وتدعى هذه الأمكنة بمساطر النساء على غرار الأماكن الخاصة بالرجال. واتفقت غالبية الأسباب التي دفعتهن للعمل في هذه المهنة الشاقة على غياب المعيل الأساسي للأسرة، فوجدت المرأة نفسها مسؤولة عن ايتام قصر أو أخوة وأم وعائلة مع غياب الرعاية الاجتماعية الحقيقية من قبل المؤسسة الرسمية. هؤلاء النسوة المثقلات بالمسؤوليات يتجمعن فجرا لتأتي متعهدة لجمعهن وإرسالهن للمعامل ومخازن التمور والمزارع مقابل عمولة. وتتحصل النساء ومن مختلف الأعمار على فرص عمل في مواسم جني التمور والذرة والحنطة والشعير. إحدى "نساء المساطر"، السيدة نورية عويد (42 عاما)، وهي أم لثمانية أيتام توفي والدهم بمرض التدرن قالت إن" راتب الرعاية الاجتماعية الذي أتسلمه من الدولة لا يكفيني لثلث الشهر.. ولدي أطفال في المدارس الابتدائية والمتوسطة وقد اضطرت ابنتاي الكبيرتان إلى ترك الدراسة لعدم تمكني من تسديد نفقات الدراسة، لهذا السبب اعمل.. وقد أتعبتني هذه الإعمال ولا ادري إلى متى استطيع الصمود لتجنيب بناتي ذل العوز والحرمان". "أنا أراقب ما تتعرض له الفتيات تحت سن العشرين من تحرش واستغلال..بعضهن يتعرضن إلى مشاكل أخلاقية مخلة بالشرف وبعضهن يقعن في فخ الإغراء لأصحاب العمل". أم علياء، امرأة في نهاية الثلاثينات، تقول إن زوجها عامل خدمة في إحدى المؤسسات الصحية وهو يسمح لابنته (علياء) البالغة من العمر 18 عاما بالعمل في الحقول لتساعده في تكاليف المعيشة "لان راتبه قليل ونحن بحاجة لدخل إضافي". وأضافت" أحيانا تخرج العائلة بكاملها للعمل في كور الطابوق تحت ظروف عمل قاسية من اجل توفير ما يلزمنا من كسوة الموسم وخزين المحروقات وإيجار البيت.. والباقي على الله وعلى الراتب". تقول أم عماد، وهي متعهدة لجمع النساء وإرسالهن للمعامل ومخازن التمور والمزارع مقابل عمولة : إن"جميع النساء ومن مختلف الأعمار يحصلن على فرصة عمل في مواسم جني التمور والذرة والحنطة والشعير". وأضافت أم عماد "في الأيام الباردة تضطر النساء للعمل في مخازن التمور لتنظيفها وتغليفها وقد تضطر بعض النساء للعمل في التحميل وإزالة الأنقاض من البيوت المشيدة حديثا، فيما يفضل بعضهن الخدمة في البيوت ممن هن بحاجة إلى مورد يومي للمعيشة ولا يستطعن العمل في الظروف الصعبة". وتابعت "بعض النساء المتعففات يخجلن من الخروج إلى المساطر رغم استعدادهن للعمل .. فأتولى الاتصال بهن في البيوت للخروج مباشرة إلى موقع العمل". من جانبه، قال أحد أصحاب العمل، انه يفضل النساء "رغم بطئهن في العمل". مشيرا إلى انه "في بعض الأحيان تصطحب النساء أطفالا يعملون بنصف اجر". وأشار إلى انه يستعين بالنساء "لان الرجال يأنفون من هذه الأعمال وهم يفضلون قضاء الوقت بالمقاهي والثرثرة على أن يعملوا بهذه الأعمال"! حكايات من الأرصفة العراقية n الحاجة أم جاسم امرأة كبيرة العمر تقول: أبيع الدخان وصبغات الشعر وولاعات وأمور أخرى متعددة لا تحصل الا على أموال قليلة جدا لا تكفي لمصروفنا اليومي ولكن ماذا نفعل ما في اليد حيلة وانا أم لأربع بنات؛ ثلاث منهن في المدرسة وأنا هنا اقضي نهاري تحت وهج الشمس الحارقة في فصل الصيف وتحت رحمة البرد والمطر في الشتاء . n أم محمد أرملة منذ 3 سنوات تفترش الأرض لتبيع الأدوات المنزلية (أواني الفافون، الحصران البسيطة وأدوات الطبخ) امرأة في متوسط العمر ولها زبوناتها المعروفات ، حيث تبيعهن بالأقساط المريحة فتكسبهن بتعاملها الطيب وكلامها الحلو. n أم قاسم امرأة تمتهن البقالة في سوق شعبي وتقضي معظم وقتها في السوق حتى فترة فطورها وغذائها، فهي معتادة على أن تتناولهما هناك مع ابنها ذي الثانية عشرة تقول: أنا احلم بيوم اقضيه مع عائلتي منذ الصباح وحتى المساء تعودت منذ خمسة أعوام أن اترك بيتي مبكرة الى العلوة لأجلب الخضراوات والفواكه الى المحل، والتعامل هناك فيه من الخطورة والمصاعب ما يفوق الوصف فمنذ زمن طويل حينما توفي زوجي انتقلت هذه المهنة لي كي لا أمد يدي إلى الآخرين، ورغم تبعاتها ومتاعبها ألا أنني تعودت عليها والرزق بيد الله الكريم. n الحاجة إقبال ماجد أم حنين تقول : كل يوم نساء يتواجدن منذ ساعات الصباح الأولى في أماكن تكثر فيها الأشجار اليابسة وبقايا الحشائش اليابسة يجمعن الحطب ويسرن لمسافات بعيدة حيث انعدام وقلة المحروقات التي لا تسعف العوائل كثيرة العدد، يتركن بيوتهن مبكرا كي يغنمن من بقايا الأشجار اليابسة. n تضطر مروى امجد، والمئات غيرها من نساء العراق للتنقيب عن قوتهم في صناديق القمامة تقوم - وهي عاطلة عن العمل وأرملة نازحة من ديارها وتعيل ثلاثة أطفال - بالتنقيب يومياً في صناديق القمامة علها تعثر على ما يسد رمقها ورمق أطفالها، فهي لا تملك أية وسيلة أخرى لإطعامهم. قالت : كان الأمر في البداية صعباً للغاية. فلم أكن أتصور أبداً بأنني سأضطر يوماً لإطعام أطفالي من فضلات الآخرين فعندما كان زوجي على قيد الحياة ، لم ينقصنا الطعام يوماً ولكن بعد تعرضه للقتل في العام الماضي، تدهورت حياتي من سيئ إلى أسوأ وأطفالي صغار، لذا لا يمكنهم العمل. n أم جابر سيدة خمسينية تقوم بتوزيع (الكيمر) على مناطق عدة صباح كل يوم، وهي تؤدي مهمتها بحيوية بالغة ، تقول لدي قطيع لجواميس وأنا أقوم بتصنيع هذا القيمر بنفسي لكي نعتاش من الأموال التي اجنيها من زبائني المعتادين على أكل هذا الكيمر كل صباح يوم . وأنا أم لسبعة أولاد أربعة منهم طلاب مدارس وزوجي توفي بإحدى الحروب الماضية وهذا هو حالي كل يوم. n أم حسين تعمل طوال سبع ساعات في معمل طابوق ، في ظل ظروف قاسية، لا يتحملها أكثر الرجال صبرا، أم حسين، التي غطّت وجهها، فلم تعد تظهر إلاّ عينيها، بحجاب أسود لتعالج تقلبات المناخ عليه ، ترتدي إلى جانب ذلك عباءة حزمتها عند خصريها وحذاء بلاستيكيا أسود، لا يقي قدميها من صدمات الحجارة المتناثرة في الموقع، هي أم لثلاثة أطفال، فقدت زوجها منذ ثلاثة أعوام، بعد مرض أصابه، فهي لا تجد مصدر رزق آخر تعيل به عائلتها، وهي مضطرة إلى هذا العمل الشاق، الذي استهلك نصف عمرها، على حد تعبيرها. وتحت أشعة الشمس الحارقة، تعوّد العراقيون على منظر نساء وأطفال وحمير وعربات تصنع الطين المفخور، وترصفه على المساحات، بعدما يفخر داخل أفران "الكورة" ، تشير أم حسين إلى رفيقاتها العاملات، وهن ثلاث؛ إحداهن كسرت رجلها قبل نحو شهرين، حين سقطت وهي تحمل على كتفها صفوف الطابوق. وتحصل أم حسين يوميا على مبلغ 12 ألف دينار عراقي، لتأمين لقمة العيش.ولا تعتقد أنها ستستمر في عملها الشاق هذا، بعدما دبّ الضعف في بدنها، إضافة إلى حاجة أطفالها إليها طيلة النهار. إجازات المرض والولادة ينصّ الفصل العاشر من قانون العمل الجديد على أحكام تحمي المرأة العاملة، منها إلزام صاحب العمل بحمايتها، وعدم جواز تشغيلها بعمل ليلي، إلا إذا كان ضرورياً، أو بسبب قوة قاهرة، أو للمحافظة على المواد سريعة التلف. ويمنح القانون المرأة الحامل إجازة خاصة بالحمل والوضع مدتها (72) يوما بأجر تام، كما يلزم القانون صاحب العمل عدم إرغام المرأة الحامل أو المرضع على أداء عمل يضرّ بصحة الأم أو الطفل، كما يجيز للمرأة التمتع بإجازة أمومة خاصة لمدة سنة واحدة من دون أجر، تنصرف فيها لرعاية طفلها. لكن إلى الآن لم تستطع أم حسين تأمين مصدر آخر للرزق، لاسيما أنها لا تجيد مهنة ما سوى العمل في الزراعة. لا تتردد أم حسين من العمل في المصانع والمعامل إذا وجدت فرصة لذلك، طالما أن ذلك سيؤمّن لها دخلاً شهريا ثابتا. يبدأ عمل أم حسين، إلى جانب زميلاتها، منذ الصباح الباكر عبر نقل "اللبن"، وهو الطابوق الطيني، الذي لم يفخر بعد، إلى الأفران، التي ترتفع كثيرا على أرض في بطن " الكور"، إلى أن تكتمل عملية الفخر، التي تتطلب وقتا طويلاً، حتى يتم نقل الطابوق المفخور إلى الخارج، حيث يوضع على شكل صفوف تمهيدا إلى نقله وبيعه. n تعرّضت منال الحسيني (25 سنة) إلى أمراض جلدية خطرة، بسبب جفاف الجلد نتيجة عملها تحت أشعة الشمس القوية طوال النهار، إضافة إلى تعرّضها للدخان الأسود والغبار والأتربة أثناء عملها. nتعتبر سعيدة صالح أن عملها في معامل الطابوق أفضل بكثير من عملها في مكامن النفايات، حيث كانت تجمع الزجاج والأجواء البلاستيكية لتبيعها إلى تجار الخردة. تعمل سعدية منذ الفجر إلى المساء بأجرة لا تتجاوز الأربعة دولارات يوميا، من دون ضمانات صحية أو اجتماعية. nاضطرت فاطمة جاسب (22 سنة) من المحمودية إلى ترك مدرستها لغرض توفير مبلغ لعائلتها، التي تشكو الفاقة. وتضيف: تركت مقاعد الدراسة، بعدما مرض أبي، ورغم ندمي على ذلك، إلا أنني أشعر بالرضا، وتتابع: أتمنى أن تتاح لي فرصة العودة إلى المدرسة مجددا. n أم حيدر تعمل في "الكورة" منذ عام تقريبا، بعدما تعذر الحصول على عمل آخر. وبحسب أم حيدر، فإن العمل الشاق في هذه المهن لا يتحمّله سوى "البغال والحمير"، حيث تسخر بعض المعامل الحيوانات لأغراض نقل الطابوق. لكنها تجد مهنة إنتاج الطابوق أفضل بكثير من التسوّل في الطرقات. وتتابع: لن أشحذ طالما أنني أستطيع العمل، تتألم أم أحمد لمنظر النساء اللواتي يقفن في التقاطعات، وهن يمددن أيديهن للتسول، وتقول إنها غالبًا ما تتحدث إليهن، وتدعوهن إلى العمل، حتى وإن كان عملاً شاقًا مثل معامل الطابوق، لكن أم أحمد تعترف بأن المرأة المتسوّلة تحصل على مبالغ هي أضعاف ما تجنيه هي من عملها. ويشير صاحب "كورة" عصام حسين إلى أن هذه الأفران البدائية تعيش أيامها الأخيرة، وكان يجب أن تنقرض منذ وقت طويل، لكن الحصار الاقتصادي الذي مرّ به العراق طوال عقد من الزمن، إضافة إلى الحروب، أبطأ من زوالها. ويتابع: ليس هناك من وسيلة لتحسين ظروف العاملين، لأن أرباح بيع الطابوق قليلة جدا، ولا تشجّع على رفع رواتب العاملين أو زيادة أعدادهم. يد عاملة رخيصة لكن سعيد القريشي، صاحب معمل طابوق جنوب المحاويل، يعترف بأن أصحاب المعامل يجدون في النساء والأطفال أيدي عاملة رخيصة، لكنه يشير إلى أن هذه المعامل نجحت في توفير فرص عمل في ظروف قاسية. الأمية والواقع الريفي تقول الباحثة في حقوق المرأة أمينة الحسيني إن المرأة الريفية وغير المتعلمة في العراق هي الأكثر عرضة لسوء الاستغلال من قبل المجتمع، الذي يجدها وسيلة رخيصة للإنتاج، وتتابع: المرأة الفقيرة غالبا ما تقبل مضطرة العمل الشاق. وبحسب تخمينات، فإن عدد الأرامل والعوانس في العراق يصل إلى أكثر من مليون امرأة، يعانين شظف العيش، ويعملن في أرذل الأعمال وأصعبها. وتحثّ الناشطة النسوية هناء الجميلي، المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان على تفعيل دورها في الضغط على الجهات المعنية لانتشال المرأة العاملة في العراق من واقعها المرير. الطوافات وحقول الألغام!! "الطوّافات" هنّ النساء العراقيات اللاتي يطوفنّ الصحراء في أغنى بقع العالم قرب منابع النفط. وفي الأحياء الشعبية وأطراف المدينة ويذهبن إلى حيث لا يجرؤ أحد على الوصول ويطلق عليهن تلك التسمية... نساء خرجن من المناطق العشوائية التي انتشرت هنا وهناك بصورة سريعة في اغلب مدن العراق ، وامتهنّ وعوائلهن وضمن مجاميع متقاربة عائلياً وعشائرياً أعمالا شاقة لا تخطر على البال. في تسعينيات القرن الماضي وفي فترة الحصار الاقتصادي الذي كان جائراً على معظم العراقيين ظهرت ما يسمى بـ"العلوات" وهي ورشات ومعامل خاصة لإعادة تدوير المواد المستعملة، وما زال الكثير منها مستمراً في العمل وموزعا على معظم الأحياء الشعبية ، وقد أستغل معظم أصحاب هذه الورش النساء للعمل كعمالة رخيصة ومستمرة بسبب العوز. قصص وقصص أم كاظم التي تجهل كم عمرها ولا تتذكر مواليدها ولكنها تتذكر زواجها في عهد الملك فيصل ،هي أرملة وكانت تعمل "طوّافة" في زمن الحصار قبل أن تبتر قدمها بانفجار لغم عنقودي من بقايا حرب الخليج الثانية في المناطق المحاذية للحدود السعودية ـ الكويتية غرب منطقة "اللحيس" المنطقة الغنية بالنفط ، للبحث عن مخلفات (بقايا الأعتدة والمعدات) لتحصل على مادة النحاس والألمنيوم والمعروف بـ (الصفر والفافون)، وتعمل "أم كاظم" الآن في داخل إحدى العلوات الكبيرة أو "الورش" غير المرخصة في داخل مراب "كراجات" لمبيت السيارات كما كانت سابقاً، تعرف باسم صاحبها "أبو راضي البيضاني"، قائلة: بعد بتر قدمي توقفت عن مهمة العمل في الطوافة أو الدوارة، وسلمت العمل لولديّ اللذين يجوبان كل المناطق، يبحثان في القمامة لجمع الزجاجات الفارغة والبلاستك والأحذية الجلدية والعلب المعدنية لقناني المشروبات، والأجهزة الكهربائية العاطلة وبقايا المولدات والمحولات الكهربائية، ولديهم عربة يمتطيها حمار، أما أنا فعملي اليومي كمشرفة على كل الباعة. مشيرة إلى أن عملها طوال اليوم وفي أوقات الذروة، وأيام الجمعة حيث يكون دوامها مستمرا من الصباح الباكر حتى المساء. وتصف أم كاظم عملها بالقول: هو فرز الحمولة وإزالة الأوساخ العالقة فيها ووزنها، قبل أن يعالج قسم منها في الورشة، بينما يرسل قسم آخر منها إلى معمل صغير لصهره وإعادة تصنيعه. وتتحدث أم كاظم بكل حرقة وألم لأن عملها "يكسر الظهر" ويعملن معها نساء بنفس العمر تقريبا، وهناك مهمات كثيرة، منها تغطيس الأحذية المستعملة في ماء يغلي بقدور كبيرة حتى تنفصل الكعوب البلاستيكية عن الجلد، ومن ثم تعبئتها في أكياس من " الجنفاص" وتخيّط لترسل إلى معامل في المناطق الشعبية في أطراف بغداد. وأم كاظم تقوم أيضا بقشط كيبلات الكهرباء للحصول على القطع النحاسية، فضلاً عن الأعمال السريعة والطارئة التي يوجهها رب العمل دائما. "أم كريم" امرأة لرجل معاق ومريض وأم لخمسة أبناء تبحث مع النساء الأخريات وهن قريبات لها في تلك المناطق، على مخلفات المعدات العسكرية للحروب . وبحسب "الطوافات"، فأن الحروب السابقة خلفت كنزاً من المواد المهجورة على الحدود تحتوي على أعتدة وأسلحة مدمرة وسيارات، ومدافع ودبابات وصواريخ ومواد بناء وإطارات. الشابة "أفراح " تغطي كامل وجهها بنقاب اسود تقول : يقتضي العمل أن تحملنا سيارات ( اللاندكروز) إلى الصحراء مبكراً، ونبقى نعمل ونطوف في الصحراء ونجمع المخلفات إلى آخر ساعة في النهار، حتى نأتي بما نجده إلى ( العلوة). مشيرة إلى أن هذه المناطق صحراوية وبعيدة ولا ترتبط بشوارع (تبليط) معبدة، لذا يقوم الرجال باستطلاع هذه المناطق وحجزها وتأمينها ضد (السلابة) والطوافين من مناطق أخرى، وتتابع: عند وصولنا إلى الصحراء نبدأ بالبحث عن المواضع العسكرية التي طمرتها الرمال، وإذا حالفنا الحظ يمكن أن نعثر على عربة عسكرية معطوبة أو نقوم بتفكيكها وحمل الأجزاء المفيدة منها. نساء مع وقف التنفيذ وعلى امتداد دجلة والفرات على جانبي النهر تفترش المرأة الألواح الخضراء المتعددة الأشكال مع بزوغ الفجر ،تثني ساقيها بوضعية جلوس متعبة ومملة تجهز فيها الأعشاب الخضراء وتجمعها خلفها ومن ثم تعود لجمعها ولفها بحركة سريعة ومتوازنة محولة تلك الأعشاب الى حزم ملفوفة من الخضرة ،وتستمر بعملها هذا لساعات طويلة تصل فيها أوقات النهار بالليل . اعتادت أم ياسر 55 عاماً ، على هذه المهنة فهي تعمل فيها منذ أكثر من 10 سنوات ، تحوي الخضراوات للمطبخ العراقي ،الذي لا يكاد يستغني عنها ... تقول ام ياسر انها تتابع مراحل العمل منذ بدايتها عدا مرحلة حراثة الارض فهي تتم بالجرارات الكبيرة وبعدها تراقب عملية السقي ومن ثم البذار وتنتظر فترة طويلة تسقي خلالها الارض بشكل منتظم حتى تبدأ المرحلة ما قبل النهائية ...اما المرحلة الاخيرة فانها تدوم في بعض الأحيان لثلاثة اشهر مستمرة تحوي فيها المساحة المزروعة مرتين في الأسبوع وبينما تعكف هذه السيدة على متابعة عملها يوميا يعمل زوجها وأولادها في السوق ببيع الخضار التي تجمعها الأم ... ظروف الحياة الصعبة تجبرهم على العمل بكامل الطاقة البشرية للعائلة ،لاسيما وان أسعار الخضراوات زهيدة ولا تعود بمدخول كبير عليهم . إنهن ملك الأزواج وعلى مقربة من تلك السيدة تراقبنا سيدة اخرى اتشحت بثياب بالية ولفت وجهها بخرقة سوداء لم يظهر منه إلا عيناها ، بينما احكمت بطريقة عشوائية لف كفي يديها ، تقف هذه السيدة بالقرب من كيسين كبيرين ممتلئان بالخضروات على تنوعها ،تبدي خجلها من الحديث لكن السيدة السابقة تشجعها على ان تتحدث ،اسمها مديحة عمرها 38 عاما ولم تتزوج بعد ... يأتي بها الاب يوميا مع الفجر وبرفقتها مجموعة من النساء يعملن بالأجرة في مزارع الخضار ،تقول إنها تتقاضى يوميا 10 آلاف دينار عن وقت يبدأ مع الفجر وينتهي بحلول المساء ، ويكون عليها جمع كيسين كبيرين من أصناف الخضار ورفعهما إلى قرب الطريق العام ليأتي الرجل الذي يحاسب العاملات ويعاين الإنتاجية ،الأكياس تلك تسمى محليا(الشلفان) ،ولكي تجمع كيسين يفوق وزن الواحد منهما 30 كغم عليها ان تجز مساحة من الأرض لا تقل عن 100 م مربع وبوقت يناهز 10 ساعات تقريبا ، تقف حميدة عاجزة عن الإجابة عن أكثر أسئلتنا وتبين ان الحياة في الريف صعبة جدا على النساء فهن بلا إرادة لا يحق لهن ممارسة الحقوق التي تحظى بها أبنة المدينة وأولها التعلم ،فتذكر انها انهت الابتدائية قبل سنوات طويلة ولم يتسن لها اكمال باقي دراستها اذ لم تكن تحتوي القرية التي تسكنها على مدرسة متوسطة وكانت المدرسة الأقرب تبعد عن قريتهم 20 كم وهو أمر يستحيل ان يفعله الاب او الاخ بان يترك ابنته تبتعد كل هذه المسافة من اجل التعليم لاسيما وان النظرة العامة للبنات في الريف (إنهن ملك أزواجهن مستقبلا ولن ينفعن أهاليهن ) لذا فمن غير المجدي أن ينفق عليها وبالمحصلة ستؤول ملكيتها الى الزوج ! ما هي فرصهن بحياة كريمة؟ وما ان تنتهي مرحلة العمل لهذه المجموعة من النساء حتى تبدا المرحلة الثانية ولمجموعة اخرى من النساء... يقمن هؤلاء بجمع الاعلاف للحيوانات من بقايا عمل المجموعة الاولى من نظيراتهن ،اللاتي يستبعدن ،على جانب، الأعشاب الضارة والتي لا تصلح للاستخدام الآدمي ، فتأتي المجموعة الثانية وتجمع هذه الاعشاب والادغال كنوع من الغذاء للحيوانات التربية المنزلية. الوقت يبدو اقرب الى المساء على جانبي النهر ،والنساء ينزلن الى الجانب الاخضر ليجمعن تلك الاعشاب ،لكن هذه المرة لن تنقل الاكياس الكبيرة بالمركبات بل على النساء انفسهن نقل هذه الاكياس على ظهورهن، إحدى السيدات تجاهد من اجل رفع الكيس الكبير على ظهرها وتمسك به من الاطراف بينما تصنع عقدة دائرية تثبت من خلالها الكيس بأعلى رأسها فيما تصك اسنانها شدة لتصنع جهدا عضليا يعينها في احكام العقدة على جبينها ... تقول بعد ان يستوي الكيس على اكتفاها وهي تلهث تعباً (إنها ثقيلة وكبيرة كما ترى) ،وهي ضرورية لحياتنا لأنها غذاء الحيوانات التي تعيلنا أثمانها ومنتجاتها ان بيعت ، وبالوقت ذاته رخيصة الثمن ولا يمكن مقارنة ثمنها بثمن اجرة النقل بالمركبات ،فنضطر الى حملها مسافات بعيدة وصولا الى منازلنا ، وقد زاد عذابنا خلال السنوات الأخيرة كما تبين ، والسبب بحسب تلك السيدة ،هو ارتفاع أسعار اعلاف الحيوانات ، وشحة المياه التي أثرت على الزراعة خلال هذه السنوات ،فأصبح لابد من جمعها من المزارع والمراعي التي تديمها الأمطار وان كانت قليلة . خياران أفضلهما سيئ! سيدة أخرى تقول إنها مخيرة بين جمع الاعشاب والادغال الخضراء يوميا من مزارع الشط كما يسمونها ،أو ان تذهب مع الاغنام التي يربيها زوجها والأبقار الى اماكن بعيدة تخلو من الناس مع بعض أولادها ويبقون هنالك ثلاثة اشهر تعد الاتعس في حياتها من كل عام لأنها مخيفة ومزرية ،فهم ينامون في خيم ويشربون من الترع وغذائهم الخبز وما يحصلون عليه من الحيوانات من حليب او لبن وما شابه ،وتبين ان أولادها ابدوا امتعاضهم وتوسلوا إليها بألا يذهبوا إلى تلك الاماكن لذا فهي تقول ان عملها هذا رغم صعوبته ومشقته الا انه يبقي اولادها براحة وبغنى عن التجوال بالأغنام . وفي نفس الخط الإنتاجي فان الصنف الثالث من السيدات هن اللاتي يعملن في مجال تغذية الأرض بالاسمدة الحيوانية الطبيعية التي تجمع من روث الابقار وفضلات الأغنام ،ليقمن بطحنها ثم نثرها في الارض الزراعية فتغذي المزروعات وتزيد من الإنتاج بعد ان تسقى الارض مباشرة وهذه المرحلة تتم كل 14 يوما تقريبا تقوم بها مجموعة من السيدات الفلاحات بالأجرة وبمبلغ لا يتجاوز 5 آلاف دينار لليوم يغرقن خلالها بعفن وقر رائحة فضلات الحيوانات وللأسف لم يسعفنا الحظ ان نلتقي بواحدة من تلك السيدات لتحكي لنا كيف تقوم بهذا العمل المزري ولنصور الحالة التعيسة للناشطين في مجالات حقوق الإنسان. أين اختفت منظمات حقوق المراة؟ منظمات حقوق الإنسان وبالتحديد منظمات حقوق المرأة تبحث عن فئات اخرى من النساء ،هن المتعلمات والموظفات والأرامل والمطلقات بينما تهمل هذه المنظمات الفئة التي تمتد على طول نهري دجلة وفرات من الشمال الى الجنوب من المتشحات بالسواد حزنا على حياتهن التي تبدأ وتنتهي عند جروف منابع الحياة فالحال متشابه رغم اختلاف القومية والدين لدى المناطق التي يمر بها نهر دجلة وقرينه الفرات والمعانات النسوية في هذين الحوضين لا تعرف سنية او شيعية او كردية فكلهن على حد سواء وعلى مسافة واحدة من المعانات والألم . 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2