تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


الأب الكرملي هاجم سياسة التتريك فهددوه ولم يرتعش فيه لسان أو جسد


حميد المطبعي

الأب انستاس ماري الكرملي ( 1866- 1947 ) من أعلام اللغة في العراق ورائد في تخريجاتها وأبنيتها وإيصالها إلى الجمهور وبكل الوسائل التي أتيحت له ، 

 


في زمان كان فرسان العربية يحسبون على عدد الأصابع ، وفي عهد بدأ فيه العثمانيون يتركّون فيه الألسنة ويدخلونها في كهفية التاريخ ، ومع كل هذا الألق الذي اجترحه الكرملي في تاريخ العرب فثمة جدل مستمر حول معيارية دوره أبان أو قبل تأسيس الدولة العراقية المعاصرة في بداية العشرينات ، بل ما زال ثمة باحثون يثيرون الشبهات حول أصالة شخصيته، وخارج هذه الخصومة فإن العديد من علماء العربية ألفوا كتباً في دوره الريادي الذي أسهم في بعث اليقظة الفكرية في العراق في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين..!  ويتجلى الكرملي في ثلاثة أدوار تلخص حياته المعاصرة، وهي:  1- أسس أول مجلس أدبي في بغداد في أواخر القرن التاسع عشر ، وكان مقره في دير الآباء الكرمليين، وكان من رواده العلماء والأدباء ويزوره المستشرقون والرحالة الأجانب للتباحث في شؤون اللغة والبلدانيات، وتطور مجلسه إلى ندوة مفتوحة في نهاية الحرب العالمية الأولى، واعتمدت الندوة على الحوار المفتوح الذي به تخرج أدباء وشعراء، وفي هذه الندوة ترعرع جيل اللغة الأول في بغداد ، وفي ظلالها ازدهرت حرية التفكير وأدب المناظرة.  وكان العثمانيون من حزب الاتحاد والترقي  يرصدون إيقاع الكرملي في مجلسه الذي تجرأ وتجاسر على سياسة التتريك التي أتبعوها في العراق ، فنصحوه فلم يأخذ بنصحهم وهددوه ولم يرتعش فيه لسان أو جسد ، حتى نفوه في ليل إلى إحدى جهات الأناضول 1914 - 1916 ، ثم عاد إلى مجلسه يبث رسالة اللغة ، قديسا متفانيا بلا هلع . .!    2- أصدر مجلة ( لغة العرب ) سنة 1911 – 1914 ثم توقفت أثناء الحرب العالمية الأولى ، لكنها عادت من سنة 1926 – 1931 ، وهي في كل أدوارها مثلت المنبر اللغوي الكبير في العراق ، فيها أدب لغوي وتأريخ لغوي وبلاغة وتحقيق وتراجم وتصحيح لأوهام كثيرة وتخرج بها جيل الرواد وجيل الناهضين بأعباء الجغرافيا والاجتماع ، وكان النشر فيها يخضع لرقابة الحرية ، وهي من أسمى ( الرقابات ) التي ألتزم بها الكرملي في حياته العقلية . . !  3- ألف معجما لغويا كبيرا في صفاته وأسماه ( المساعد ) وهو خمسة أجزاء ، أبتدأ بتأليفه سنة 1883 الى سنة 1946 ، وطبع منه جزآن ( 1972 -1976 ) بتحقيق عبد الحميد العلوجي  وكوركيس عواد ، وكان وهو مخطوط ، تتناقله أيدي الباحثين واللغويين ، وبعض تأليفات لغوية كانت عالة عليه ، ومنهم من سرق منه وأخفى أسم الكرملي ، ومستشرقون أثنوا عليه لأن المعجم ساعدهم على تقريب خصائص اللغة الى أفهامهم ، وعلى رأي المجامع العلمية العربية أن        ( المساعد ) كان مدرسة لغوية أنتجت وعيا لغويا ، وبذرت الحياة الجديدة في لغتنا . . ! وكان في ادواره الثلاثة هذه ، يظهر مرة القديس على لغة العرب ، ومرة يبدو كمن حمل مشعل الريادة وهزه هزا عنيفا امام خمول وكسل ذلك العصر الذي عاش فيه ، وفي احيان بدا الكرملي كأنه افلاطون يبحث عن تلامذة ومريدين يؤسس بهم تأريخا اجتماعيا مفتوحا على العصور ، ولقد نجح في كل ادواره على رأي علماء اوعلى رأي جمهور واسع من حملة العقول والاقلام ، بينما هو في رأي خصومه كان يتبرقع في اغطية لغوية مزركشة ، يظهر لونا ويخفي لونا    قاتما .  ومن مؤاخذات خصومه : 1-حين اصدر الانكليز جريدة ( العرب ) 1917-1920 لبث افكارهم في طريقة الاحتلال، عينوا الكرملي رئيسا لتحريرها ، فرضي عن سلوك الاحتلال ، واغمض عينه اليسرى عن حماقة بياناتهم المنشورة في الجريدة ، وأراد بواسطة الجريدة ان يقنع رجال الدين والعلم بثقافة الانكليز ودعوتهم بالحرية ، وحمل ذهبا ومالا من الانكليز ترويجا لفكرة الاقناع ، لكن العلماء رفضوا هذا الحمل المقنع ، وعلى لسان العلامة محمود شكري الالوسي كان الرد الفصيح : ( قل للانكليز ان اموالكم حرام ... اخرج ايها الكرملي وقل للمحتلين انتم كفرة ..! ) وبعض تلامذة الكرملي فند هذه الاقوال ..! 2- وفي رأي بعض المحللين القوميين ، ان الكرملي داعية لثقافة الغرب ، ولانه كذلك ، كان من بين مبشريين لتعميم الفكر الاستعماري الغربي في المنطقة العربية ، وكان داخل جبته الرهبانية يخفي برنامجا تبشيريا مغلفا بالحرص على نشر لغة العرب ، وتصدى الدكتور اللغوي الشهير مصطفى جواد لمثل هذا الرأي في مقالات عديدة ابتدأ بها منذ مطلع الثلاثينات ، وملخصها : ( أسكتوا ياحساد الكرملي ، فان امة من العرب ولدت في لغة الكرملي ..) .. 3- وكتب مئات المقالات وطغت على تأليفه ، وهو عيب بعض العلماء وكان يعشق الردود على خصومه وفيها يبدو منفعلا ومتجهما ، والانفعال ليس لائقا في العلماء ، الى أخر القائمة التي صنفها خصومه ، وغايتهم ان يحسدوه على نعمة اللغة التي رزق بها ، او شهرة فطر عليها ، وكان خصومه اقل قوة منه ومن انصاره ، فكسب معركة التاريخ في نهاية المطاف ..!  ولد في بغداد ، واسمه ( بطرس ميخائيل الماريني ) او بطرس ميخائيل جزويت ، ولما ترهب او رسم قسيسا سمي ( انستاس ماري الكرملي ) سنة 1894، وابوه من اصل لبناني ( جبرائيل يوسف عواد ، نزح من لبنان الى بغداد سنة  1850 وتزوج بأمرأة بغدادية ، وكان باحثا في الاثار والتاريخ ، وتدفعه الى ذلك حركة مريبة كما في بعض الوثائق ، وتخرج الكرملي في ثانوية الاتفاق الكاثوليكي 1882 وعين مدرسا في مدرسة الاباء الكرمليين ، ثم التحق بكلية الاباء اليسوعيين في بيروت لتدريس العربية سنة 1886وفيها تعلم اللاتينية واليونانية والفرنسية ، وفي سنة 1887 رحل الى بلجيكيا ودرس الرهبانية الكرملية ومنها الى فرنسا لدراسة فلسفة اللاهوت ومنها الى اسبانيا للاطلاع على خزائن الوثائق المسيحية ، ثم انحدر وجاء يتصدر الدرس الكهنوتي في مدرسة الآباء الكرمليين ببغداد ، وكان فيه ذاكرة ناشطة تستوعب اللغات ، وكل لغة يدركها ويحفظها ويتقنها بشهر ، فجود وأتقن الانكليزية والفرنسية واليونانية واللاتينية والسريانية والحبشية والعبرية والفارسية والتركية والايطالية والاسبانية والصابئية وبعض لغات مندثرة ولهجات لقبائل منقرضة ، ونشر ابحاثه في هذه اللغات في دوريات عربية وأوربية وأستشراقية ، بأسمائه المسيحية التي اعطيت له أو بأسمائه المستعارة التي بلغت اكثر من خمسين أسما مستعارا ، وكان قد أصدر كتبا من ذوات الطبيعة الموسوعية ، ومنها  :  (تاريخ بغداد ) 1911 و(تاريخ العراق ) 1919 و ( اغلاط اللغوين الاقدمين ) 1932 و( نشوء اللغة العربية ) 1938 ، وله كتب خطية ( 50 كتابا ) وله تراجم ، كما أصدر عدة صحف منها : ( العرب ) 17 – 1920 و (دار السلام ) 18 -1921 ، وكان اسمه يلقي بظله على العديد من المجامع العلمية في العالم في داخل اوربا وفي خارج اوربا ، وأختير عضوا مبرزا في هيئات ثقافية دولية وعالمية ، ومنح سيوفا فضية وشارات ذهبية بأعتباره من شخصيات الصنف الاول في العلم . . !  وكان يتمتع بجاذبية الرجال الكبار ، رقيق الاحاسيس ، يشد العلماء الى لسانه والعامة الى قلبه ، وكان يخاف السياسة ولايدخلها الا من باب اللغة او التاريخ في احيان ، ويخشى الولوج الى عالم الطوائف حتى لاتتهم رهبانيته ، ومات جليل القدر وكتبه ومعاجمه وتصانيفه أضحت مصادر من الدرجة الاولى ، ومجلته ( لغة العرب ) صرح شاهق يرمز الى خصوبة العراق عبر أجياله . . .



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2