تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


ونَطقت مرآة الغِياب


ابتهال بليبل

عتَاد رَفُ خَشبي قَاوم دَهراً دَبيب النمل، كُلَّمَا صَدَحَت الرِّيح فِي حُجرتي، عَلى حَضن غُبار جُدرانها حتى التوى عُنقه وسد نَوافذها... أَتُراه شَاخ دونَ أن أشعُر بِه ؟!.. أتَجول فيها ومرآتي المُعلقة تَنطق .. أنتِ الأبعَد .. أنتِ الأبعَد .. ولَكن!  أَمعَني النَّظَر فِي دُروبهِ.. تَمَامَ النَظرة الأَخيرة لعَين مَزَّقَتهَا أضواء مشَوشة ...ضَحِيَّةً تقَبْضِ عَلَى حَاشِيَة قَمِيصِه المُصَاب بِالدوار .. 


وَأصابع الحُلمُ المَالحة في غَمْرَة دَعك العُيون ترتجف.. افقئيها وَأَرمِي بتُرَاب عِشقه تَحت طَاوِلَة التَمرد.. البَارِحَة كَانَ الليِل يَرطن فِيه الفُراق وَمَا اِنفكَّت خُيوط النَهار تَنكُركِ... يا مَرآتي أخِبريني: هَلْ سَيجِدني ؟!..تَتَحَجَّر المَرآة وتَنطق: بِين نُعوش شُرفاتكِ المُنهارة يَحِقُّ لَكِ قَّص حَبل مشنَقَته الملتف حَول عُنق الشَوق عُنوَة.. لِتَتشقلب مَلامحه عَن حُدُود اليَأْس.. أَوَ لَسْتِ مَن ضَيّق الخِنَاق عَلَى جَسد العُمر المُتَسَلِّل نَحوَ الجُّنُون؟!.. حَتَّامَ الخَلاص مِن الصُعُودِ إلى سَماء الصَمت فجَوقَةِ الكَلامِ تَتَوَضَّأ بالرِيح وَتتَرَبَّع عَلى سَقفٍ أخرس لا صَوت سوى للفَوانيس ... يا مَرآتي أخِبريني: هَلْ سَيجِدُني ؟! تتشظى المَرآة وتَنطق: أَوَ لَستِ النَازحة إِلَى مُدن اللامُبَالَاةْ ؟!.. تَمَدَّدَي بِقرب بَوابَات السُكون أُوشِك لَيله الطَويل أن يَتكحل بفَجركِ .. أَيَّمَا كَنت اللَّحظَة، قائِم هُوَ المَوعِد، يقيسُ المَسافات بِعين الجدران ويَشمئز من رَائِحة الفُراق.. ضَيقٌ ومُستَعِر ممشى حُجرتي وَسَتائر نَوافِذها جَزَّها إِعصار أصابعي مِن القَلق، أرصُد الرِيح تُعربد فِي الزَوايا بِاِنطِبَاع حَاد، تجتَمع مِن حولِهَا ذِكريات مُتَحمسة البُرودة، وَاكْنز قَوَارِير مُوصَدَة بالشَوق تسْتَفِزُّها أصَابِع أضْنَاهَا الْصَمْت.. هَشِيم الغِياب أدْرَكَنَا، سَكْبَا عَلَى حَافَة صُراخ مُسننِّة، تُرخي شَرائط الانْتِماء قبضتها .. مُمتلِئ بِرائِحتك رِدائي، كَم هِي أنانِية حَقَيبتي الصَغِيرة استرقت بُرودة أصابعكَ، حَشدْت رَّسائِلها المُتأكسدة واختبأت فِي مدرجة دولابي بينَ ملاءَات تُماحك عُتمة انتظاري.. كَم ترهبني تَسابيح سَاعة معصمي..تستَجِير عقَاربِها فتلدغ نُبوءة رَحيِلك استغفارا.. بَعدَمَا أضاعتني دُروبكَ المَخفِيّة، هلْ سَتصل أَطراف ثَوبِي التي اِستَرخَت عَليها نَكهَة أسفارك ولَعَاً، خُذ بِيَدِي لأعبر أَبواب الفَقْد.. ولَن أدخلها حَتى تَبيض بِالحُزن عَيني الصُّدفَ.. فالكُل يرقُب، أَتُرُاكَ سَتَتَأَخَّر؟ كَانت أورَاقي قَد نَجَحت يَوماً بقَمع حُروف الشَوق، مَتَى تَنجَح حُجرتي برفَع آثَاركَ الهَامِدَة بِدَاخلِها ؟! .. أقف أمام طِيفكَ الآن، وَعَلَى عَجَلَة تَضيع فِي محَطات هُرُوب ضَّيّقَة.. أنتَ كَمن يصعَدُ حَافِلَة شَاخَت عَن مَقاسَات العُبُور، قبلَ رَحيلِها تَدوي بِغَلَيَان الغِياب فَوق تَنور الدُروب.. لِيتَبَخَّر البَوح... لِي مَعَها ألف بَعثرة، فَهلا جَمعتني قُرب فَحم يُلقِي برَائِحَة الحُزنِ عن وَجهي.. 

قِيل: دوار صَوتُكَ يَنتَفض يصلِّي، وَتطيح الرُوح كَافرة بقُربِ المَرجوم، قُلت: نَبَأِ الشَوق البَارِد اِستَبَدَّ بالموءودة... احترت كَيف أَنكَز مِنطاد تَحوم حَوله مناقِير النَّار.. أُعِير أصَابعي خَصلات شَعر غَجري... تَتَدَحرَج وتحترق... أحرقني .. لأتَخَيل أني أحرقت صُوركَ بِفَوانيِس الشُّعُور.. هاكَ عكاز حَنيني وَهشّ بِه خِرَاف الغِياب... رَاعية أنَا عَلَى نَحرِها فِي أزقَتُكَ الضَيقة.. مَنحتُك عكازي وتَعَثَّرتُ بَعده بِصخور النبض.. يكاَد يَنفطر البوُح بوَجع السُّقُوطِ... أنتَظر جنُح الحَنينِ لِيَحجِب ألم الرُّكب وُصولاً... يَا لِسَان صَمت رَطِّبهُ القَلق بيتَم النِّدَاء سَلِهم عَن أصَابع صَّائِمة تَلُوك زَاد سَحُورُهَا... علّ فَجره يتسَرَّب مِن وِثَاق الخَرس..  تلكَ المَسَافَة مَا بينَ باب البَوح والإمساك بمقبضها.. أَيَّاً كَانَ رَقمُها سَأَثكِل رَسائلي التي شَاخَت عَلَى عَتَباتكَ متَسَكِّعَة... 



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2