تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


فقدوا النظر ولم يفقدوا الأمل


في منزلهم المتواضع الذي يقع في أطراف مدينة الحلة، وبالتحديد في قرية (برنون) النائية، يعيش عدد من أفراد عائلة أم كاظم في ظلام دامس لا يضيئه إلا الأمل بقدرة الله تعالى الذي يقول للشيء كن فيكون، في حين فقد البعض الآخر منهم هذا الأمل الذي أجهز عليه الأطباء، كما سئموا من وعود مسؤولي المحافظة والمنظمات الإنسانية وحتى القنوات الإعلامية لبصيص من النور والأمل يساعدهم على خوض تفاصيل الحياة القاسية دون معاناة إضافية.


معاناة أم كاظم لم تبدأ قبل خمسة أشهر عندما فارق زوجها الحياة وتركها بلا معيل ولا معيل إلا الله، بل هي معاناة مستمرة بدأت منذ ان ابتليت بأولادها وبناتها الخمس الذين فقدوا نعمة البصر في سن مبكرة، وهم كرار شهيد مواليد 1985، أنور شهيد مواليد 1988 ، ليلى شهيد 1994، رغد شهيد 1997 ، ومروة شهيد 1990، ولم يلتحق أي منهم بمدرسة وهم لا يعرفون القراءة والكتابة ، البعض منهم فقد البصر منذ ولادته، وآخرون في حوادث بسيطة فيما ينتظر الآخرون ان يمن الله عليهم بنعمته، ولا يفقدوا أبصارهم هم أيضاً. الأب والابن توفى والدهم كمدا وحزنا، وهو يبصر أولاده يفقدون النور الواحد تلو الآخر من دون ان يترك لهم شيئا، فقد كان احد المفصولين السياسيين، ولم يتمكن من العودة إلى وظيفته السابقة وخدمته الطويلة في إحدى دوائر وزارة الإسكان إلا العام الماضي فقط، أي قبل وفاته بعدة أشهر، لذا لم يملك وأمام العراقيل التي وضعها أمامه القائمون هناك سوى ان يعمل حارسا بأجر يومي لا يكاد يكفي مصاريف علاج أبنائه وتخبطهم بين أطباء بغداد والحلة. قصة هذه العائلة المأساوية تقول ان الأب تعرض لحادث سيارة جاءت إليه في عقر دائرته، أي وهو واقف قرب استعلامات الدائرة التي يعمل فيها حارسا، وأصيب على أثرها بجلطة وتضخم وعجز في القلب إضافة إلى ارتفاع ضغط الدم والسكر، الأمر الذي دعاه إلى ان يمدد الإجازة تلو الأخرى حتى توفي. تعيش هذه العائلة حياة بسيطة بعد وفاة الأب، الأمر الذي جعلهم يعتمدون على الأخ الأكبر كاظم الذي يعمل (عمالة)، وهو متزوج، وأب لابنتين، ولان عمله بأجور يومية، وهو كما تقول والدته (يوم يعمل ويوم لا)، وقد استطاعت الأم ومن خلال جهود ومراجعات مستمرة ان تسجل أولادها الخمسة ضمن رواتب شبكة الحماية الاجتماعية، حيث يتسلم كل واحد منهم مبلغ 150 ألف دينار فقط كل أربعة أو خمسة أشهر لا تكاد تكفي تكاليف الحياة ومصاريف الأطباء، وأجور التنقل بين المحافظات. سألت أم كاظم التي اتشحت بالسواد مع بناتها الأربع إن كان زوجها هو احد أقاربها ما يسهل انتقال الأمراض الوراثية بين الأجيال، فأردفت قائلة : الغريب في الموضوع ان ليس هناك في العشيرة بأكملها حالة شبيهة بحالة أولادي بالرغم من ان زوجي كان ابن عمتي، ولا اعرف سبب فقدانهم بصرهم. كرار كان كرار شهيد يبدو وكأنه راضٍ بقضاء الله وقدره، وكان أكثر إخوته صبرا على البلاء، فلم ينقطع عن الصلاة وصلاة الليل بل ازداد تقربا إلى الله تعالى، وهو يصلي ويحفظ الأدعية الطويلة بعد ان يسمعها من والدته التي تقرأها له لمرة واحدة فقط. وتضيف والدته: ان أحلامه تتحقق دوما، ودعاؤه مستجاب، وما من مريض دعا له كرار إلا استجاب الله لدعائه، وغالبا ما يرى انه يزور الأئمة (عليهم السلام) في منامه، ويستيقظ ليجد ان أحلامه تكاد تكون حقيقية. تقول والدته: انه يتمنى ان يمن الله عليه، ويكمل نصف دينه بزوجة صالحة، إلا ان لسان حالها يقول العين (غير بصيرة ) واليد قصيرة، فهو يتقاضى راتبا مقداره 150 ألف دينار من شبكة الحماية الاجتماعية كل أربعة او خمسة أشهر، كما ان العائلة ليس لها مورد إضافي او حتى راتب تقاعدي يمكنه من إتمام مشروع الزواج. يقول كرار: فقدت بصري عندما كان عمري 14 عاما حيث أصيبت عيني بحادث بسيط عندما كنت أزاول عملي في البلدية، وحينها أحسست بأن الرؤية تحولت تدريجيا لتكون غير واضحة ومشوشة، وقد زاد الطين بلة ذهابي مع أصدقائي بعد هذا الحادث بفترة قصيرة للسباحة في شط الحلة القريب من قريتنا، فتعرضت إلى قبضة من الرمل رماها على عيني احد الأصدقاء على سبيل المزاح، ففقدت البصر على أثرها نهائيا، وقد راجعت الكثير من الأطباء في بغداد والحلة، إلا انهم لم يتفقوا على رأي واحد بشأن حالتي الصحية، واحد الأطباء أكد لي ان قبضة الرمل أصابت سواد العين، ولو انها كانت في بياض العين لكان من الممكن ان أرى النور من خلال عملية بسيطة، وأكد آخر ان حالتي مستعصية لان شبكية عيني منتهية او ممرودة حتى ان أجريت لي اعقد العمليات، وأي دكتور يقول خلاف ذلك فهو كاذب. رغد أما رغد وهي من مواليد 1997 ، فقد رفضت مقابلتنا، فهي تتحاشى نظرات الإشفاق التي لا تراها بعينيها وتحسها بقلبها وحواسها، والتي مكنتها وأخواتها الأخريات من الاعتماد على أنفسهن في متابعة أمور حياتهن، وقد أخبرت والدتها( انها أصبحت فرجة )، وان من المعيب ان يأتي أناس غرباء ويطلعوا على معاناتهم. رغد وحسب قول أم كاظم كانت تعاني من ماء في عينيها، وقد اخبر الأطباء الأم بأن هناك أملا كبيرا في ان ترى النور من خلال عملية بسيطة، إلا ان القدر كان أسرع لها من العملية، حيث دخل مسلاج الباب في إحدى عينيها عندما كانت تلعب مع أخواتها، وبذلك فقدت الأمل بعينيها وبالعملية التي كان من المفترض ان تجريها، وتعلق الأم بقولها: ان من مصادف الأقدار ان أيا من أولادي لا يتأذى إلا بعينيه. أنور ومروة وليلى في حين رفض أنور، وهو من مواليد 1988 مقابلتنا أيضاً وخرج من المنزل نهائيا، لذا تقول عنه والدته انه مثل (الوردة) حيث لا يخطر ببالك انه فاقد البصر عندما تراه ماشيا في الشارع، حيث اعتاد أنور ان يتمشى في قريته الصغيرة معتمدا على حواسه الأخرى، وبالرغم من ان عمى أنور ولادي - والقول للام - ، إلا إنني لم انقطع عن زيارة الأطباء حتى العام الماضي حين وصف لي احدهم طبيب اختصاص في مدينة النجف الأشرف، والذي حولني بدوره إلى مستشفى ابن الهيثم في بغداد، وبعد إجراء عدة سونارات أكدوا لي عدم فائدة أي عملية جراحية تجرى لعينيه بسبب شبكيته التالفة. أما مروة وليلى، فقد كانتا في ضمن أفراد العائلة التي تكفلت الحوزة الدينية بتكاليف علاجهما بعد ان تم تحويلهما إلى احد الأطباء في قضاء المحاويل، إلا انهم عادوا بالتقارير نفسها التي تؤكد ان مروة فقدت النظر نهائيا. أما ليلى، فلديها ضعف شديد في عينيها يمكنها من رؤية أشباه الصور، وقد تتمكن من الرؤية الواضحة في المستقبل من خلال عملية جراحية عليها إجراؤها في الهند او في إيران لعدم وجود أجهزة متطورة هنا في العراق. لجان وتقارير دون جدوى تقول أم كاظم التي لم تستطع كلماتها ان تظهر ما في قلبها من أسى، فساعدتها دموعها التي حاولت دون جدوى ان تخفيها بألف طريقة : سبق للجنة من مجلس المحافظة ان زارت منزلنا، واطلعت على حالة أولادي الصحية، وبعد عدة مراجعات تطلبت مني جلب تقارير طبية، وبين كتابنا وكتابكم تقرر تخصيص راتب مقداره 100 ألف دينار فقط للعائلة شهريا، إلا ان فرحتي بهذا الراتب الضئيل لم تدم طويلاً، فما هي إلا فترة شهرين حتى تم قطع الراتب والسبب هو الانتخابات وعملية استبدال وتغيير الكراسي في المحافظة، ومع ذلك واصلت المحاولة، ولم ارغب سوى بتعيين ابني كاظم، ونجحت في ذلك، وظهر اسمه في القرعة الخاصة بالمنتسبين إلى سلك الشرطة، إلا ان اسمه سرعان ما اختفى من الأوراق الرسمية كافة في الوقت الذي أكمل فيه كاظم المراجعات الأصولية كافة بما فيها الفحص الطبي، لذا فإن جميع محاولاتي باءت بالفشل، وكانت مجرد تعب وصرف فلوس. وتضيف أم كاظم: إنها لم تجنِ من زيارة لجنة أخرى من وزارة حقوق الإنسان سوى وعود أخرى سرعان ما جف منها الأمل، فبعد عدة تقارير ومراجعات قررت اللجنة مساعدة كاظم في فتح محل صغير ليتولى من خلاله تمشية أمور العائلة، إلا ان وعودهم ذهبت هي الأخرى مع الريح كما ذهبت أدراجها قيام قناة الفيحاء الفضائية ببث تقرير مصور عن حياتهم ومعاناتهم من على شاشتها قبل عدة أشهر، إلا ان لا حياة لمن تنادي. أم كاظم التي تعاني هي الأخرى من مرض ارتفاع ضغط الدم تخشى اليوم الذي تغيب فيه عن هذه الدنيا، وتترك فيه أولادها وحدهم في هذه الحياة القاسية دون مورد رزق، ودون عيون بصيرة تستطيع ان تشق طريقها بالاعتماد على نفسها، وهي لا تخشى على الأولاد بقدر خشيتها على بناتها الثلاث في الوقت الذي تضطرها الأمور في اغلب الأحيان لان تبيع حصتها التموينية. يقولون ان الدنيا ما زالت بخير، وإنها ان خليت قلبت، وهنا نتمنى في نهاية مطاف هذه المعاناة ان تنظر الحكومة أولا، وأهل الخير بعين الشفقة والرحمة إلى هذه العائلة، وتمد لها يد العون والمساعدة لإجراء الفحوصات الطبية لأبناء أم كاظم، او في الأقل المساهمة في مساعدة كرار على إتمام نصف دينه او إعانتهم ماديا من خلال افتتاح مشروع خيري بسيط يعينهم على تجاوز مصاعب الحياة.



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2