تصفح PDF

محرك البحث





بحث متقدم

الاعداد السابقة

اعلانات


سراديب النجف حكايا وأسرار.. وتاريخ عريق


تحقيق وتصوير – ثابت السراي

بيت الدامرجي والسارق الذي فقد طريقه فيه! بتنا على جمر مستعر وصحونا منذ الصباح الباكر لننطلق بوجهتنا نحو سراديب الدامرجي ، قابلنا هشام الدامرجي في (دولان) دار أبيه القديمة وسط الحويش ، والدولان هو ممر بمترين عرضا، وعشرة أمتار طولا، ودخلنا الدار،


ويا لها من دار جميلة لا تزال تحمل كل معالم التاريخ فلم تطلها أيدي التغيير وحافظت على ما هي عليه، أنها دار اشتراها أباهم من احد مشايخ قبيلة بني مالك أبان منتصف القرن المنصرم والدار يعود تحديثها وإعادة توسعتها إلى عام 1223 هجري، وكان مكانها لدار عباسية قديمة بنيت على أطلالها هذه الدار في ذلك التاريخ بمساحة كبيرة جدا، تتوسط ساحة الدار سدرة كبيرة وتحيط الدار غرف بطابقين ذات زخارف وأبواب جميلة بطابعها القديم ، يستذكر أصحاب الدار حادثة طريفة؛ يقال أن سارق دخل الدار وبعد أن سرق ما يريد حاول الخروج من الدار فلم يعرف، وتاه في هذه الدار فجلس حتى الصباح منتظرا أهل الدار أن يصحوا ويدلوه على الطريق.... وبالفعل بعد جولة في الدار  قال لنا هل تعرفون من أين دخلتم؟ أجبنا بـ لا، لان جميع أركان الدار وأبوابها متشابهة فلا يمكن تمييز بعضها عن الآخر .  الدخلاني والطمة والكنجينة فتح لنا باب سري من (الدخلاني)كما يسمونه والباب مموهة في داخل (الطمه) وهي باب الحمام  تستخدم للدخول السري والخروج من السرداب ، ودخلنا إلى منزلق ذا سلالم حلزونية مستديرة لنقف ويمتد المدخل والممر تحت الأرض مسافة عشرين مترا مؤديا إلى (كنجينة تحتاني)  سرداب الأمان  بسعة خمسة عرضا ،وعشرة أمتار طولا بعد دورتين في وسط خان كبير جدا بأعمدته واواوينه الكبيرة ، والكنجينة تحتاني هي سرداب الأمان كما يسمونها .  ما يشد ويدعو للاحترام والتقدير هو تحفة الإتقان الهندسي للسرداب فهو كالقصر من الداخل رغم كثرة الأنقاض والأغراض القديمة المتروكة فيه، ويقول هشام أن السرداب هو الأكبر من بين سراديب النجف وهو بأربعة طوابق وطابق أخير لم يدخلوه قط وفيه أربع آبار كبيرة من بينها أقدم بئر في النجف هي البئر العباسي.  يذكر أن والده كان يقول أنها تستخدم للهروب الاضطراري، وكان والده يسمح لأهالي المدينة بالتزود من مياه الشرب من آبار سردابه أيام شحة المياه وفي الأزمات أيضا.  كثرة المداخل والمخارج في السراديب سرداب الدامرجي ضخم وكبير وكثير المسالك والمداخل وفيه أقبية سرية يقول أنها تكون في منتصف المسند الداعم الرئيسي للسرداب يمكنها ن تخبئ رجلا ينحني ويدخل ويليه آخرون فينامون فيه على وضع واحد ويبين أن هنالك مخابئ أخرى في المثلثات الطبيعية بين القباب الداخلية لم يقبل إن يرينا أبوابها وعندما وافق وجدنا أن أخاه الأكبر قد بنى الأبواب السرية ، ما يثير الغرابة في هندسة العمارة النجفية السردابية أن كل غرفة في الدار لها ثلاثة أبواب؛ الأول باب الدخول الرئيسي، والآخر باب يمر بين الغرف نفسها ، والباب الثالث والاهم هو الباب الذي يقود بممر يفضي إلى السرداب والى السطح في آن واحد ومن الغريب أن السرداب لا ينتهي عند حدود الدار بل يتسع ليكون في اغلب الأحيان تحت بيوت أخرى، وهنالك أربع مخارج تقع في الأركان الأربعة للدار تفضي هذه المخارج إلى آخر طابق في السرداب وتؤدي أيضا إلى سطح الدار العلوية.  هبطنا مجددا بالسلالم التي يفوق عددها خمسين سلماً إلى أخر طابق في السرداب وكان عبارة عن اقنية وأنفاق متعددة ومياه تملأ الأرض وهي المياه الجوفية وبئر ارتفعت عليها مناسيب المياه الجوفية ، والعنكبوت كان قد بنى بيوتا له في المكان قد لا تكون مبالغة إن قلنا أنها قديمة جدا وهذا الطابق من السراديب يسمى (السن) لأنه يقف على الحجر أو الطبقات الصخرية للأرض في هذه المنطقة .  الطارات ومهارب السراديب عدنا مسرعين إلى الأعلى وبدأ يروي لنا الشاب كيف أن أباه المرحوم قد خبأ ثلث موجودات مكتبة الضريح ومخطوطاتها وخبأ مقتنيات وتحفاً للضريح في السرداب وتحول السرداب أيام الانتفاضة الشعبانية إلى مخبأ لرجال الدين والسياسة وأقاربهم وأصدقائهم، فضم أكثر من مئة فرد ، ويقول أن إباءهم قد كانوا على دراية بكل تفاصيل السراديب وممراتها وكانوا يخرجون منها إلى الضريح والى خارج المدينة حيث بحر النجف أو إلى محلة العمارة لكنهم لم يطلعوا أولادهم على هذه الإسرار وشمعوا أبوابها واخفوا بعضها ، مع ذلك فان هشام يعلم أين تبدأ المخابئ وأين تنتهي وكيف يخرج من منطقته إلى منطقة أخرى حتى إن هنالك مسالك تقود إلى الحيرة وابعد منها والى المناذرة وقد كان يعرف كيف يهرب من بطش السلطات ويخرج الكتب المهمة إلى دول مجاورة يطبعها ويعيدها إلى النجف من جديد من خلال السراديب والطارات ، ويعرف (الطارات) بأنها سراديب عامة تجمع المتسولين ومن لا ملجأ لهم وتستخدم لأغراض متعددة وهي خارج البيوتات على أشكال كهوف ومغارات طبيعية تشكلت مع الزمن بسبب عوامل التعرية والتآكل أو بصنع صانع وهي مظلمة وواسع ويقال أنها توصل المهربين إلى سوريا ! وهي مدن تحت الأرض وقد أتعبت الطارات كل الحكومات المحتلة والوطنية وقد شكل فريق مختص إبان حكم النظام السابق استطاع أن يسمم أجواءها بالكيماوي وفجر مناطق كاملة فيها كانت تخبئ عددا من المهربين والجنود بل عدد من معارضي النظام السابق ثم زرعت عن بكرة أبيها بالألغام وهكذا أصبحت الطارات أثرا بعد عين، ويبدو أنها وردت كاسم في التوراة (ارارات) بمعنى المرتفع الذي رست عليه سفينة نوح .  البئر العباسية أقدم آبار النجف المخفية البئر العباسي كان الأهم في الجولة وكيفية الوصول إليه لاسيما ان الأرض كانت مملوءة بالمياه ولا يعرف ما العمق الذي تخبئه تلك المياه والأخطر انه قد تكون هنالك انهيارات لذا تمسك بي زميلي حيدر محمد وتنقلت بخطوات حذرة وبيدي الكاميرا لكي أصل إلى فوهة البئر والتقط صورة قد تكون نادرة فهذه البئر رميت فيها خلال ليلة واحدة مئات الكتب الممنوعة عندما داهمت قوات الأمن والمخابرات للنظام السابق دور النجف وبعض السراديب . البئر العباسية يقال إنها أنشئت في زمن العباسيين وهذا ثابت تاريخيا وما يثبت ايضا ان فن عمارة السراديب يعود لعصر العمارة العباسية وهو فن امتازت به مدينة النجف التي ترتفع على هضبة تطل على بحر النجف ومع صعوبة الوصول إليها إلا أننا استطعنا التقاط صورة حصرية لها...  البئر العباسية كما بدت على أضواء فلاش الكاميرا وسط الظلام الدامس قديمة جدا والمياه فيها راكدة وقد تكونت على سطحها رغوة أو مشابه ، يذكر الشاب أن والده المتوفى منذ سنوات عديدة كان قد نظر لها مرة واحدة ومنعه جده من الاقتراب منها ومن ثم اقفل المدخل المؤدي إليها بالبناء خوفا على أولاده من هذه البئر.  السراديب الصخرية وتاريخ تيزناباذ الأجمل في السن هو النحت بالحجر بناءً، وكيفية شق جيوب وأنفاق في الحجر فالأرض بعد كل تلك الطوابق تكون حجرية ، فكيف تم شق هذه الحجارة والصخور؟ وعليه فان ما يقال بان هذه الإنفاق والسراديب قد أنشئت خلال الغزو الوهابي للنجف أمر غير صحيح لكن قد تكون هنالك سراديب أنشئت في فترات لاحقة لكن النظام مما بدا عليه شكل السرداب وتكوينه قديم وليس جديدا ومصداقا ذلك ما يؤكده المؤرخون والجيولوجيون من أن النجف مدينة كانت بحرية ثم تحولت إلى مدينة صحراوية فتغير مناخها بسبب إحاطتها بالصحارى الشاسعة مثل صحراء الأنبار وصحراء الحجاز مناخاً لاهب الحر صيفا، مثلج القر شتاء ، وفي الصيف ثمة رياح محرقة تهب على النجف من صحارى الجزيرة مثل ريح السموم وريح اللاهوف وريح الغبرة  مع شحة مهلكة في مياه الشرب، وقد حصلت موجات هجرة  مثل هجرة التيزنابيذيون مدينتهم عقب جفاف آبارها وشحة المطر ! وتيزنابيذ (جيران النجف الأقربين 2 كم ) وهي اليوم خرائب وتقع تيزناباذ شرقي النجف وقد زحف عليها البناء ويسمونها أهالي النجف  عريسات  وقد هدم النعمان المدينة التي كانت قبلها وبناها، وعريسات كانت مسلحة (ثكنة عسكرية)  لجند النعمان بن المنذر وفيها سرداب عميق يسمى ديماس، اتخذه سجنا للمحكومين مدى الحياة  وفيها حانات ومعاصر خمر وخانات للهو  وقد جددها العباسيون وجعلوها وكنائسها أمكنة للهو ووردت في الشعر وبخاصة كتب الديارات أو الأديرة، يقول فيها أبو نواس (قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم    أخشى الإله وأغشى تيزناباذا).  السراديب في التاريخ وجاء ذكر السراديب تاريخيا في (الأغاني للأصفهاني) في خبر زيارة الأعشى والملك النعمان للنجف ، ويذكر تاريخيا أن السراديب في البدء كانت محاكاة للمرابض والمهاجع في القيلولة، ثم تطورت لتحاكي الدياميس البابلية المبنية تحت المسالح كسجون أرضية ، وتاريخ نشأة السراديب في النجف أقدم منها في إيران لذا لا يمكن القول أنها انتقلت من إيران إلى النجف كعمارة أو فن هندسي ،وهي تنشأ في الدول والأماكن الحارة على الأغلب ومنها في السعودية سراديب الكعب ومنها سراديب الحارة اليهودية وسراديب الاخيضر وسراديب القصر في اليمن وسراديب كثيرة في المناطق الصحراوية العربية، الغاية منها التكيف مع الظروف البيئية القاسية ، وفي خانات النخلية والنصف والربع ثمة سراديب بعضها أغرقته المياه الجوفية الطارئة بسبب الكثافة السكانية ، وسراديب الموصل المعروفة كسرداب البيت الموصلي الكبير الذي ضمته دار الآثار إلى جامعة الموصل كتراث تتم حمايته وصيانته بشكل دوري للحفاظ عليه، وفي حارات سوريا ولبنان وفلسطين والأردن توجد السراديب، وفي صحراء سيناء سراديب تصل إلى فلسطين مما يبين إن النجف ليست صاحبة السراديب الوحيدة في العالم العربي، وثمة سراديب بابل المشهورة وفي الأساطير إن الساحرين هاروت وماروت مسجونان في واحدة من سراديب بابل ولعل أشهر سرداب في بابل هو سرداب بريسفون ابنة العالم السفلي التي خطفت دموزي واستأثرت به حسب الأساطير القديمة المتوارثة . أما ما يقال عن بداية نشوء السراديب عقب وفاة الإمام علي (ع) ودفنه في النجف فإنها ليست موضوعية بل يمكن القول أن كثرة السكن والتقرب من الإمام ونشوء مدينة كبيرة أوجدت الحاجة إلى بناء سراديب جديدة أخرى وتطويرها  قد تكون هي الحقيقة الموضوعية الأقرب للتصديق .  السراديب والثورات العراقية وعلى أية حال فان سراديب النجف كانت الراعي الأول لعدد من الثورات في العصر الحديث والحركات الثقافية والفكرية والسياسية منها ثورة 1914 في العراق ومقاومة الغزو البريطاني وقبلها كانت مصدر قلق للعثمانيين وسلطاتهم التي يئست من الوصول إلى مركز الفكر والثقافة في النجف ، ثم ثورة 1920 الشهيرة وبعدها انتفاضة 1935 وبعدها الثورات التي تلت والحركات السياسية، وإضافة إلى النتاج السياسي كان النتاج الديني الذي أثرى العالم الشيعي وخرجت من هذه السراديب شخصيات كبيرة وبارزة في العالم الإسلامي وكانت مدارس تحت الأرض تكفل تدعيم الدين ومد المجتمعات بالمرشدين والناصحين واستمرت على المنوال نفسه إلى أن حاصرتها الحكومات الحديثة بعد تأسيس الجمهورية وما تلاها ولم تستلم هذه السراديب ولم تنجح السلطات التي تحدت تلك المعالم فبقيت سراديب النجف شاخصة بينما انهارت الرموز التي عادتها ،واليوم وللأسف تناست الحكومة العراقية الجديدة هذه الرموز التي رعتها عندما كانت هذه الحركات والأحزاب في العراق والآن نسبة الخطر والتهديد الذي يحيق بهذه السراديب يفوق الـ70% بسبب رداءة وسائل الصرف الصحي وتصريف مياه الاستخدام السكاني للمدينة، إضافة إلى أن الزمن يمر مسرعا على السراديب أو المعالم التاريخية، آخذا بيده ومن دون رحمة قوة صمودها وقد شاهدنا مدى الضرر الذي لحق بها، فاغلب السراديب التي دخلناها كانت مهددة بالاندثار ، فيا ترى أين النظرة الاستثمارية والرؤى الفكرية التخطيطية للحكومة والقائمين على الآثار والسياحة والثروات العراقية من هذه الكنوز؟



 


 
 

بإستخدام البوابة العربية 2.2